الإثنين، 01 سبتمبر 2025

12:07 ص

الملاريا وحمى الضنك.. أوبئة صامتة تفتك بالسودانيين وسط دمار الحرب

الخميس، 28 أغسطس 2025 02:02 م

محمد عماد

الملاريا في السودان

الملاريا في السودان

بينما تتواصل نيران الحرب في السودان منذ أكثر من عام، ظهر عدو آخر لا يقل خطورة عن الرصاص والقذائف، لكنه أشد خفاءً وإصرارًا على حصد الأرواح: البعوض الناقل للملاريا وحمى الضنك. وفي بلد أنهكته المجاعة، الحصار، وانهيار الخدمات الصحية، باتت لسعة بعوضة واحدة قادرة على دفع الإنسان إلى حافة الموت.

 معاناة الأهالي في مخيمات النزوح المنتشرة على أطراف المدن، حيث الغياب شبه الكامل للمرافق الطبية، تتكرر المأساة يوميًا. في أحد هذه المخيمات بمدينة الضعين، جلست أم تحت غطاء بلاستيكي مهترئ، تمسح جبين طفلها المحموم الذي يرتجف منذ يومين. الحرارة ترتفع، والعرق يتصبب، بينما لا طبيب ولا دواء في المتناول. المشهد يتكرر في عشرات المواقع، حيث المرض يحصد الأرواح بصمت، بعيدًا عن صخب المعارك.

ويصف أطباء محليون هذه الموجة بأنها الأخطر منذ سنوات، إذ عادت الملاريا هذا الموسم أسرع انتشارًا وأكثر مقاومة للعلاج، بينما تضرب حمى الضنك بضراوة في مدن عدة. ومع دخول موسم الأمطار، تحولت الأودية والخيران إلى برك آسنة وفرت بيئة مثالية لتكاثر البعوض، بما في ذلك نوع جديد أطلق عليه الأهالي اسم "البعوض بروماكس"، يلسع ليلًا ونهارًا، ويخترق حتى شبك الناموسيات.

وبحسب وزير الصحة السوداني، د. هيثم محمد إبراهيم، تتراوح إصابات الملاريا سنويًا بين مليونين إلى ثلاثة ملايين حالة، بينما يسجل السودان نصف وفيات الملاريا في إقليم شرق المتوسط. ويؤكد أن أكثر من 87% من الإصابات سببها المتصورة المنجلية، أخطر أنواع طفيليات الملاريا.

وزارة الصحة الاتحادية بدورها أعلنت، الثلاثاء، تسجيل 723 إصابة جديدة وحالتي وفاة خلال أسبوع واحد فقط، لترتفع الحصيلة منذ مطلع العام إلى 6180 إصابة و9 وفيات. ورغم تنفيذ حملات رش محدودة وتوزيع ناموسيات، تعترف الوزارة بأن المعركة تبدو خاسرة أمام ضعف التمويل وترهل الاستجابة.

 

من جانبها، حذرت اليونيسف من أن أقل من ربع المرافق الصحية في السودان ما زالت تعمل، بينما يعيش ملايين النازحين من دون مياه صالحة للشرب أو شبكات صرف صحي أو أدوات وقاية. وقال ممثل المنظمة: "حتى في أفضل الظروف، الملاريا تقتل الأطفال. أما الآن، فقد دخلنا مرحلة الكارثة الشاملة".

ودعى أطباء سودانيون إلى تدخل عاجل من منظمة الصحة العالمية، والصليب والهلال الأحمر ، والمنظمات الإنسانية عبر توفير الأدوية المنقذة للحياة، وتنظيم حملات رش موسعة، وتوزيع ناموسيات، إضافة إلى ردم المستنقعات، قبل أن يتحول الوضع إلى ما يشبه "المقبرة الجماعية".

وسائل بدائية لمواجهة أسراب البعوض

في ظل غياب فرق المكافحة، لجأ المواطنون في بعض المناطق إلى وسائل بدائية لمواجهة أسراب البعوض. ففي شرق النيل، قال أحد السكان: "الحمى تفتك بالناس.. المنازل غارقة في الظلام منذ شهرين بسبب انقطاع الكهرباء.. الحياة مشلولة تمامًا". وأضاف أن الأهالي باتوا يشعلون إطارات السيارات وأوراق شجر النيم لطرد البعوض، في مشهد يعكس حجم الانهيار الذي وصلت إليه الخدمات العامة.

search