د. مصطفى طاهر رضوان يكتب: دَوْلَةُ التِّلَاوَةِ في مصر وسلطان صوت القرآن
الجمعة، 28 نوفمبر 2025 02:42 م
دكتور مصطفى طاهر رضوان
كانت مصر ـ ولا تزال ـ منارةً قائمةً على ذُرى الزمان، تُشِعُّ على الآفاق بصوت القرآن، حتى غَدت بحقٍّ دولة التلاوة، وسلطانَ الأداء، تُهدَى إليها القلوب من أقطار الأرض، كما تُهدَى النجومُ إلى مواضعها، وقد انتشر قراؤها في ربوع الأرض دعاة إلى الهدى والنور والرشاد بأصواتهم العذبة، وتلاوتهم الرائقة، حتى ذاع في وجدان الأمة تلك العبارة الخالدة: «نزل القرآن في مكة، وقُرئ في مصر»، وهي عبارة تعبر عن حقائق تاريخية؛ فالقرآن هنا لم يكن حروفًا تُلفظ، بل روحًا تبعث الحياة، ورسالةً تمتدُّ من مآذن القاهرة إلى تخوم الدنيا.
وما كان هذا العجب ليكون غريبًا؛ فالدعوة بالقرآن هي خُلُق النبي ﷺ، ومنهاجه في أحلك الساعات وأدقِّها، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «زيِّنوا القرآنَ بأصواتِكم فإنَّ الصوتَ الحسنَ يزيدُ القرآنَ حُسنًا»، وكأنما هذا الحديث كشف سرًّا من أسرار البلاغ: أن الصوت بابٌ من أبواب الهداية، وأن الآية حين تُتلى بصوتٍ طاهرٍ تصبح كالسهم يصيب القلوب فلا يخطئ.
ولم تكن قصةُ النبي ﷺ مع عتبة بن ربيعة إلا شاهداً خالدًا على سلطان القرآن، فقد سمع النبيُّ ﷺ عرضه الدنيوي الذي جاء به من أهل مكة مساومًا للرسول على ترك الدعوة، حتى قال نبينا له: «أفرغتَ يا أبا الوليد؟» ثم قرأ عليه من أوائل سورة فصلت ما جعل صخر قلبه يتصدَّع، فوقف عتبة مأخوذًا، يديه خلف ظهره، لا يملك إلا الإنصات حتى بلغ النبي السجدة فسجد… ثم قال له: «قد سمعتَ يا أبا الوليد، فأنت وذاك».
رجع عتبة إلى قومه بغير الوجه الذي خرج به، وقال كمن أدرك سرًّا لا يُحتمل كتمانه: «والله لقد سمعتُ قولًا ما سمعتُ مثله قط؛ ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة... أطيعوني واجعلوها بي، خلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه...».
وهذا وحده كافٍ ليُدرك العاقل أن القرآن ليس كتابًا يُقرأ، بل روحًا تُحدث انقلابًا في الكيان.
التِّلَاوَة… أَوَّلُ مَنَاهِجِ النُّبُوَّة
كانت تلاوةُ النبيِّ ﷺ دعوةً مستقلِّة بذاتها، لا تحتاج إلى إطالةِ بيانٍ ولا كثرةِ شرحٍ؛ فالقرآنُ بذاته نورٌ يهدي، وصوتُه إذا خرج من فم النبوُّة صنع ما لا تصنعه الخطبُ ولا الحجج.
وقد كان منهجُه ﷺ في الدعوة بالقرآن منهجًا مُحكمَ النسج، واضحَ المعالم، يشهَد به التاريخ وترويه الرواة.
دعا القبائلَ العربية بالقرآن الكريم؛ فما كان يزيد على التلاوة، وكأنَّ الآيات تكفي لتقوم مقام الدعوة كلها، سأل مفروقُ بنُ عمرو: «إلامَ تدعونا؟»؛ فقرأ عليه النبي ﷺ من المحرّمات والوصايا:
{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ...} ثم تلا: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ…}،
فما كان من مفروق إلا أن صاح مبهورًا: «لقد دعوتَ يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق».
وسمع خالدُ العدواني سورةَ الطارق فوعاها وهو مشرك، وظلّت الآيات تدقُّ باب قلبه حتى فُتِح له بالإسلام.
وقرأ جعفرُ بنُ أبي طالب رضي الله عنه على النجاشي صدرَ سورة مريم، فبكى الملكُ وبكى من حوله.
وكتب النبي ﷺ إلى هرقل يتلو آيةً واحدة: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا…}، فجاءت الآيةُ وحدها رسالةَ حقٍّ كاملة.
وللقرآن أثره حتى على ألدِّ الخصوم؛ فعتبةُ بن ربيعة، وكان من سادات قريش، ما إن سمع آيات الوعيد حتى اضطرب وجِل، ثم قال متوسلًا: «ناشدتك الرحمَ إلا ما كففت».
تِلَاوَةُ الصَّحَابَة… فَتْحُ القُلُوبِ قَبْلَ فَتْحِ الدُّوَل
وسار الصحابة على الخطى النبوية ذاتها؛ فما عرفوا في الدعوة بابًا أبلغ ولا أنفذ من التلاوة.
فمصعبُ بنُ عمير سفيرُ الإسلام الأول، لم يكن يحمل إلى يثرب إلا قلبًا مؤمنًا وآياتٍ بينات، فإذا تلا على أسيد بن حضير وسعد بن معاذ رقَّ القلبان لهيبة القرآن، وقالا: «ما أحسن هذا وأجمله»، ثم دخلا في الإسلام دخولًا لا رجعة فيه.
لقد كانت التلاوةُ هي الفاتحة الحقيقية لمدينة الرسول ﷺ؛ فتحت القلوبَ قبل أن تُرفع الرايات، وشادت معاني الدولة قبل أن تُشيَّد جدرانها.
تِلَاوَةُ الْيَوْمِ… بَقَايَا مِنْ جَلالٍ نَبَوِيٍّ
ولا يزال القرآنُ ــ إلى يوم الناس هذا ــ يُقَلِّبُ القلوبَ تقليبَ الرِّيحِ للغصن اللَّيِّن، يَرُدُّ الغافلَ من التيه، ويهدي الحائرَ من الظلمة إلى سكينة اليقين.
ولقد شهد عصرُنا رجالًا أوتوا حُسْنَ النَّغَم وبراعةَ الأداء وقلوبًا خاشعةً تستنطقُ الحروفَ بخشوعها؛ فإذا قرؤوا القرآنَ خشعت الجوارحُ معهم، واحتشدت المساجد حول أصواتٍ لا تُغري بِلَحْنٍ، بل تُلْهِمُ ببكاء الحقيقة؛ فالصدقُ في التلاوة أبلغُ من ألف خُطبة، وأمضى من مئة كتاب.
وكم من رجلٍ لم يعرف طريقَ المسجد، حتى سمع تلاوةً أيقظت فيه الفطرةَ النائمة، فأقبل إلى الصلاة بعد سنين طوال هجَر فيها رُكوعه وسجوده، وهكذا القرآن: معجزتُه لا تُبْلى، وآيتُه لا يشيبُ لها الزمان.
وإذا تَعاقَبَت على الدنيا دولٌ تتهاوى وتنهض، فإنَّ دولةَ التِّلاوةِ المصرية بقيت ثابتةَ الأركان، لا تُقيمها سيوفٌ ولا عروش، بل يُقيمها سلطانُ الروح، وهيبةُ القرآن، وميراثُ مِصر التي صارت ــ منذ قرون ــ مهوى أفئدة المستمعين في أقطار الإسلام.
منذ أن أُسِّسَت الإذاعةُ المصريةُ سنةَ 1937م، وانطلق صوتُ الشيخ محمد رفعت كالنور الأول في ليلٍ كثيف، وُضعت للمدرسة المصرية أصولُها المحكمة في المقامات: يبدأ القارئُ بالبياتي كمن يفتح باب الرحمة، ثم يعرج في الصبا والحجاز، ويصعد في النهاوند والراست أو السيكاه، قبل أن يعود إلى البياتي ختامًا، كمسافرٍ يطوف بالسماء ثم يرجع إلى مأمن الأرض.
ثم جاء الشيخ مصطفى إسماعيل؛ فكان رَسَمَ القاعدةَ الكبرى التي بها اكتمل البناء: إشباعُ المقام قبل الانتقال إليه، فصارت التلاوةُ على يديه عمارةً متماسكةً لا تصدع فيها، ومدرسةً لها روحُها وسلطانُها وحضورُها الذي لا يَخفُت.
ولم يطل الزمان حتى بزغ نجم عبد الباسط عبد الصمد، صاحب الصوت الساحر الذي يزلزل القلوب، تلاه محمود خليل الحصري، والشيخ مصطفى إسماعيل، المعروف بقوته وتمكنه في التلاوة، ويُعد من أهم قراء القرن العشرين.
أما عبد الباسط عبد الصمد، فلقِّب بـ«الحنجرة الذهبية» لصوته العذب الذي اجتاح القلوب، وانتشرت شهرته العالمية إلى كل أصقاع الأرض، أما محمود خليل الحصري فذاع صيته بإتقانه للقراءات العشر المتعددة، وسجل مصاحف بروايات مختلفة تُدرس حتى اليوم.
كما تألق محمد صديق المنشاوي بخشوعه وشجنه العذب، ووصل صوته إلى أصقاع العالم، فيما عرف محمود علي البنا بلقب «سفير القرآن»، وكان من أبرز القراء الذين جسدوا روح التلاوة وعلوها، وبرز محمد محمود الطبلاوي كنقيب للقراء، واشتهر بسهراته وقراءاته المبكرة، فيما أصبح محمود الشحات أنور علامةً مميزة بين القراء المعاصرين في مصر والعالم العربي، ولا يمكن أن نغفل أبو العينين شعيشع، الذي اشتهر بصوته المؤثر، وطه الفشني، وعلي محمود، الذين وضعوا بصماتهم الخالدة في فن التلاوة.
واليوم، تأتي وزارة الأوقاف المصرية بقيادة وزيرها الشاب الهمام الأستاذ الدكتور/ أسامة الأزهري؛ لتعقد مسابقة «دولة التلاوة»، فيتفاعل معها الناس بحماس عظيم، فتخرج لنا أجيالًا جديدة من القراء، يحملون روح الأصالة، ويُجدِّدون لحظة الإعجاز في كل تلاوة، وينشرون نور القرآن كما كانت مصر دومًا منارةً له في العالم الإسلامي.
وهكذا… ستبقى دولةُ التلاوة قائمةً ما دام في الأمة قلبٌ يَخشَع، وصوتٌ يتلو، وما دامت مصر تهب للعالم قراءها الذين يعلِّمون الدنيا أن القرآن إذا تُلي بحقٍّ… تهاوت أمامه الجاهليات، وانفسحت به القلوب، وأشرقت به الأرض.
الرابط المختصر
آخبار تهمك
وزير الاستثمار: نمو الاقتصاد المصري يتجاوز 5% وخطة جديدة لجذب الاستثمارات الأجنبية
05 يونيو 2026 05:35 م
الأمم المتحدة تشيد بخطوات مصر لتعزيز تمويل مخاطر الكوارث
05 يونيو 2026 05:23 م
وزارة الصناعة تطرح 400 قطعة أرض صناعية مرفقة في 15 محافظة عبر منصة مصر الرقمية
05 يونيو 2026 05:22 م
تراجع طفيف للأسهم الأوروبية مع ضغوط التكنولوجيا وتوترات الشرق الأوسط
05 يونيو 2026 03:24 م
التضخم في تركيا يرتفع إلى 32.61% وسط استمرار ضغوط الأسعار وتوقعات بتشديد نقدي
05 يونيو 2026 02:52 م
تراجع أسعار الذهب عالميًا والأوقية تهبط دون 4500 دولار
05 يونيو 2026 02:40 م
الأكثر قراءة
-
طالب بجامعة بني سويف الأهلية يطلق منصة تعليمية بالذكاء الاصطناعي
-
طلبة أكاديمية المستقبل يطورون نظاما ذكيا لتحسين بيئة نمو النباتات داخل الصوبة الزراعية بشكل تلقائي
-
ابتكار جديد لطلاب جامعة سفنكس لتقليل الإشعاع على المرضى
-
مشروع لطلاب كلية الحاسبات بجامعة MUSI يربط التاريخ الطبي للمريض بالتحقق البيومتري
-
خاص | مدرب نيوزيلندا قبل مواجهة مصر: نعرف خطورة صلاح لكن لدينا الثقة لمنافسة الكبار
-
خاص | حقيقة مفاوضات الأهلي مع المغربي الحسين عموتة
-
حسام عبد المجيد: لا نذهب إلى كأس العالم من أجل المشاركة فقط.. ونحلم بإنجاز تاريخي لمصر
-
شوبير يكشف تطورات مفاوضات الأهلي لتجديد عقد نجله مصطفى
-
الإسماعيلي يلوح بالتصعيد القانوني بسبب شكل الدوري الجديد
-
أول تعليق من عصام سراج بعد تعيينه رئيسًا لقطاع التعاقدات بالأهلي
-
خاص | حقيقة مفاوضات الأهلي مع المغربي الحسين عموتة
-
الأرصاد تحذر من رياح مثيرة للرمال والأتربة .. والحرارة تصل إلى 42 درجة بجنوب الصعيد
-
حسام عبد المجيد: لا نذهب إلى كأس العالم من أجل المشاركة فقط.. ونحلم بإنجاز تاريخي لمصر
-
شوبير يكشف تطورات مفاوضات الأهلي لتجديد عقد نجله مصطفى
-
الإسماعيلي يلوح بالتصعيد القانوني بسبب شكل الدوري الجديد
أكثر الكلمات انتشاراً