عماد رجب يكتب: الخلطة السرية لهدم مجتمعات الحضارات العظيمة
الخميس، 01 يناير 2026 07:17 م
عماد رجب
عماد رجب
ربما لست أول من يكتب في الأمر ولن أكون الأخير، فعلى الرغم من الصراع الكبير للسيطرة على مجتمعات حضارات العالم القديم، فإن أغلب هذه المحاولات تبوء بالفشل، لا لشيء إلا لأن تلك الحضارات استندت إلى معايير وهوية تاريخية امتدت إلى عقود طويلة.
إلا أن هذه الحرب، وعلى مدار التاريخ، ظلت متواصلة بشكل يعجز التفكير أحيانًا عن استيعاب أن أشخاصًا أو حكومات عادية فقط قد تكون وراء هذا الصراع الممتد لعقود.
فدروس التاريخ تثبت، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الحضارات العظيمة لا تنهار فجأة كما يقول أرنولد توينبي في كتابه دراسة التاريخ «الحضارات لا تُقتل، بل تنتحر.»، حيث يتم توجيهها كي تتآكل ببطء من الداخل قبل أن يسقط آخر جدار فيها حتي أن بعضها يتم تدميرها بعد دخول المحتل كما حدث مع آثار بعض الدول التي تعرضت للاحتلال ورغم ذلك تم تدمير موروثها الثقافي الأثري.
وفي كل مرة تتكرر المعادلة ذاتها، كأن هناك «خلطة سرية» تقود إلى تفكيك المجتمعات القوية مهما بلغ نفوذها أو تقدمها.
هذه الخلطة ليست لغزًا، بل مزيج من عوامل معروفة، يجري توظيفها بوعي ودقة، وتتسلل إلى حياة الشعوب تدريجيًا حتى تصبح واقعًا يصعب مواجهته.
والأخطر أن هذه الخلطة لا تُترك للصدفة، بل يشارك في التخطيط لها ومتابعة تنفيذها علماء اجتماع، وعلم نفس، وأنثروبولوجيا، وتاريخ، إلى جانب مفكرين واستراتيجيين وسياسيين، يعملون بشكل ممنهج على دراسة المجتمعات المستهدفة، وتحليل بنيتها الثقافية والاجتماعية، ونقاط قوتها وضعفها، ثم توظيف هذه المعرفة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي والسيطرة على مساراته بما يخدم مصالحهم وكما يقول ابن خلدون«إذا فسدَتِ العصبيّةُ فسدَ العمران، وإذا فسدَ العمرانُ أسرع إليه الخراب.».
تبدأ هذه الخطة بضرب الهوية والانتماء عن طريق دعم المشعوذين والرويبضة. فكافة الحروب الحديثة على مدار ثلاثة عقود كان همها الأول والأخير نشر ثقافة ظاهرها جميل وباطنها سم قاتل، تحت شعارات مثل قبول الآخر، ووحدة العالم، ومفاهيم أخرى كالقرية الصغيرة والعولمة وما إلى ذلك.
ويتم تقديم هذه المفاهيم كقيم إنسانية مطلقة، بينما تُستخدم في الواقع كأدوات لاختراق المجتمعات وغزو الحضارات بمعايير وعادات وتقاليد وأطر فكرية ودينية عقائدية بعيدة كل البعد عن هويتها الأصلية.
وما يحدث في الكثير من الدول اليوم أكبر دليل؛ فقبل دخول المحتل تسود الخرافات، والإباحية ويشتهر الأغبياء، والأفكار التي يطلقون عليها «تنويرية» تارة و«أصولية» تارة أخري ، وهي في حقيقتها وسائل هدم لا بناء.
ويبدأ التفكيك من الأسرة، حيث تدخلها الكثير من العادات والتقاليد الغريبة ثم القرية، فالمدينة، فتغيب الروابط الاجتماعية، ويصبح الجيل الجديد في مهب الريح، يوجَّه حيث يشاؤون؛ فتارة يُبعد عن تقاليده المجتمعية، وتارة عن دينه، وأحيانًا يُستدرج بشعارات الحرية والتحرر من القانون والمرجعيات الأخلاقية والوطنية، حتى يفقد بوصلته وهويته.
ثم تأتي المرحلة الثانية من الخطة عبر زرع جماعات متناحرة داخل المجتمع الواحد، تجر الدول إلى صراعات حادة بين أفكار التشدد والانفلات تحت لافتة الحرية، على حد سواء. ومع تصاعد الاستقطاب، يسود الصراع، وبدلًا من البناء يبدأ الهدم الذاتي من الداخل.
وفي طريقهم تبدأ المرحلة الثالثة، وهي إضعاف التعليم والبحث العلمي، وتمييع الثقافة والفنون، لتقديم نماذج غريبة عن المجتمعات، لا تعبر عن تاريخها ولا قيمها.
فيُصور أصحاب الآراء الشاذة على أنهم رواد فكر، وأصحاب غرائب الأخلاق على أنهم دعاة حرية، وهكذا ينشأ مجتمع منقسم على نفسه، بعيد عن العلوم الحقيقية، متجه إلى معارف لا تسمن ولا تغني من جوع.
ويُقدَّم مشاهير «تيك توك» بوصفهم النموذج والمثل الأعلى للأجيال الجديدة، بدلًا من العلماء والمفكرين وأصحاب الإنجاز الحقيقي.
وتُعد النخب الفاسدة واحدة من أخطر مكونات هذه «الخلطة»، فعندما يحتل غير الأكفاء المواقع العليا، ويتراجع دور العلماء والمبدعين، تتوقف عجلة التطور، وتتحول المناصب إلى أدوات نفوذ ومصالح خاصة بدلًا من كونها مواقع خدمة ومسؤولية، فتنهار الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وما من حضارة سقطت إلا ومرت بمرحلة اتسعت فيها الفجوة بين الأغنياء والفقراء. فتآكل الطبقة الوسطى، وتراجع فرص العمل، وانتشار الفساد المالي، كلها عوامل كفيلة بتحويل الاستقرار إلى اضطراب، والازدهار إلى فوضى، تمهّد لانهيار الدولة من الداخل دون الحاجة إلى حرب مباشرة.
وعندما تصبح الدول الكبرى قادرة على التحكم في القرار الاقتصادي أو السياسي لدولة ما، تبدأ سيادتها في التآكل شيئًا فشيئًا. والتاريخ مليء بدول عظيمة انهارت لا بسبب ضعفها العسكري، بل لأنها فقدت القدرة على اتخاذ قرارها بنفسها، وأصبحت رهينة لإملاءات الخارج.
إن «الخلطة السرية» لهدم الحضارات ليست سرية في الحقيقة، بل هي منظومة متكاملة من العوامل المدروسة التي تُنفَّذ بعلم ومعرفة وصبر طويل، وتعمل معًا على إضعاف أي مجتمع مهما كان تاريخه أو قوته، والنجاة منها لا تكون بالشعارات، بل بوعي مجتمعي حقيقي، ونخب صادقة، وتعليم قوي، وبحث علمي مستقل، وقيم راسخة تحمي الهوية قبل أي شيء آخر.
مقالات أخري للكاتب
عماد رجب يكتب: كيف غيّرت أمريكا ملامح الاقتصاد العالمي ودمّرت البيوت قبل الدول
سعد القاضي.. إذاعيٌّ كبير جعل للكلمة ضميرًا وللضوء منفذًا إلى القلب
عماد رجب يكتب : بعد سقوط الأسد: هل يعيد التاريخ سيناريو أفغانستان؟
الرابط المختصر
آخبار تهمك
سعر الدولار اليوم الخميس 1 يناير 2026 في البنوك المصرية
01 يناير 2026 01:32 م
سعر الريال اليوم الخميس 1 يناير 2026 في البنوك المصرية
01 يناير 2026 01:28 م
سعر اليورو اليوم الخميس 1 يناير 2026 في البنوك المصرية
01 يناير 2026 01:25 م
سعر الجنيه الإسترليني اليوم الخميس 1يناير 2026
01 يناير 2026 01:23 م
سعر الدينار الكويتي اليوم الخميس 1 يناير 2026 في مصرت
01 يناير 2026 01:18 م
تعرف على أسعار الفراخ البيضاء والبلدى والبيض اليوم الخميس 1 يناير
01 يناير 2026 07:00 ص
الأكثر قراءة
-
خلافات داخل الزمالك وإدوارد يعطل حسم أمر المدرب الجديد| خاص
-
كريستال بالاس يتعادل مع فولهام إيجابيًا في الدوري الإنجليزي
-
ليفربول يسقط في فخ التعادل السلبي أمام ليدز يونايتد في الدوري الإنجليزي
-
تشكيل مانشستر سيتي لمواجهة سندرلاند بالدوري الإنجليزي
-
خطة حسام حسن قبل مواجهة بنين: مرونة تكتيكية ورهان على الهجوم
-
وائل جمعة يدافع عن صلاح وينتقد سلوت بعد تعادل ليفربول مع ليدز
-
إليسا تداعب الجمهور وتكسر الحواجز في ليلة رأس السنة | خاص
-
خلافات داخل الزمالك وإدوارد يعطل حسم أمر المدرب الجديد| خاص
-
كريستال بالاس يتعادل مع فولهام إيجابيًا في الدوري الإنجليزي
-
ليفربول يسقط في فخ التعادل السلبي أمام ليدز يونايتد في الدوري الإنجليزي
أكثر الكلمات انتشاراً