الأربعاء، 07 يناير 2026

06:31 ص

علاء ثابت مسلم يكتب: التعليم لا ينهار فجأة بل يُغتال بقرارات باردة

الإثنين، 05 يناير 2026 11:02 ص

علاء ثابت مسلم

علاء ثابت مسلم

يبدأ اغتيال التعليم حين تُدار العقول بعقلية التجربة، وحين يتحول الطالب إلى حقل اختبار، لا إلى إنسان له حق أصيل في الفهم والعدالة وتكافؤ الفرص. التعليم لا يسقط من تلقاء نفسه، ولا ينهار بفعل الزمن، بل يُدفع دفعًا إلى الهاوية عبر قرارات متعجلة، تُتخذ خلف مكاتب مكيفة، بعيدًا عن الفصول المكتظة، والبيوت القلقة، وأحلام الطلاب التي تُستنزف عامًا بعد عام.

وما أكتبه هنا ليس انطباعًا عابرًا ولا حماسة لحظة، بل شهادة معلم مارس التدريس ما يقرب من ثلاثين عامًا، عاش تفاصيل المهنة داخل الفصول، وتعامل مع أجيال متعاقبة من الطلاب، وشهد تحولات التعليم خطوة بخطوة، نجاحًا وإخفاقًا. أكتبه أيضًا بصفتي كاتبًا صحفيًا يؤمن بأن الكلمة مسؤولية، وبأن النقد الواعي رسالة لا خصومة، وأن الصمت عن الخلل خيانة للمهنة قبل أن يكون تقصيرًا في حق الوطن. خبرة الفصل، مع وعي القلم، تفرضان عليّ أن أقول بوضوح: ما يحدث في التعليم اليوم لا يمكن تبريره ولا السكوت عنه.

المشكلة الحقيقية ليست في التطوير ذاته، فالتطوير ضرورة لا يختلف عليها عاقل، لكن الكارثة حين يصبح التطوير مرادفًا للتجريب، وحين يُفرض التغيير دون تمهيد، ودون تدريب حقيقي للمعلم، ودون بنية تحتية تليق بما يُسمى “نقلة نوعية”. هنا لا نكون أمام إصلاح، بل أمام مقامرة تعليمية يدفع ثمنها جيل كامل، يُطلب منه التكيف مع نظام لا يزال قيد الاختبار.

المنظومة التعليمية اليوم تُدار بمنطق الأرقام لا البشر. نجاح على الورق، ومنصات لامعة في العناوين، وبيانات رسمية تتحدث عن إنجازات، بينما الواقع يئن. طالب لا يفهم لماذا تغيّر النظام فجأة، ومعلم يُطالب بالتأقلم دون أدوات، وولي أمر يُستنزف نفسيًا وماديًا وهو يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه. الجميع في مرمى النيران، بينما صانع القرار في مأمن من المحاسبة.

السخرية المؤلمة أن الخطاب الرسمي يتحدث عن “بناء الإنسان”، بينما الإنسان نفسه غائب عن المعادلة. أي بناء هذا الذي يُقصي الفهم، ويُعلي من شأن الحفظ حينًا، ثم يهدمه حينًا آخر؟ أي عدالة تعليمية تلك التي تجعل الطالب رهينة لانقطاع الإنترنت، أو لعطل في سيرفر، أو لتصميم امتحان لا يقيس علمًا بل يقيس قدرة على التخمين؟

التعليم لا يُدار بالعشوائية، ولا بالنسخ الأعمى لتجارب دول أخرى دون مراعاة السياق الاجتماعي والاقتصادي. ما يصلح في دولة ذات كثافة منخفضة وبنية رقمية مكتملة، قد يتحول إلى عبء ثقيل في دولة تعاني ازدحام الفصول ونقص الموارد. تجاهل هذه الفروق ليس خطأ إداريًا فقط، بل جريمة تربوية مكتملة الأركان، تُرتكب بهدوء وتُبرر باسم الحداثة.

والمسؤولية هنا لا تحتمل التدوير أو التجميل. من يضع القرار عليه أن يتحمل تبعاته، ومن يخطئ عليه أن يعترف، لا أن يُكابر. التعليم ليس حقل تجارب سياسي، ولا مساحة لتسجيل النقاط، بل قضية أمن قومي حقيقية، لأن الأمم لا تُهزم بالسلاح فقط، بل حين تفشل في تعليم أبنائها وتفقد بوصلتها المعرفية.

أما عن الرؤية، فالنهوض بالتعليم لا يحتاج شعارات براقة ولا مؤتمرات، بل خطوات واضحة وجريئة. أولها إعادة الاعتبار الحقيقي للمعلم، لا بالكلمات، بل بالتدريب الجاد المستمر، وبمنحه دورًا فعليًا في صناعة القرار، لا أن يكون مجرد منفذ لسياسات لم يُستشر فيها. ثانيها تثبيت السياسات التعليمية لفترات زمنية كافية، لأن الطالب لا يحتمل نظامًا جديدًا كل عام، ولا عقلًا يُعاد تشكيله مع كل تغيير إداري.

ثالثها تصميم مناهج تُراعي الفهم والتفكير النقدي دون قفزات فجائية، وباختبارات عادلة تقيس المهارة لا الحظ، وتُراعي الفروق بين البيئات التعليمية. ورابعها بناء بنية تحتية حقيقية قبل أي تحول رقمي، لأن التكنولوجيا بلا جاهزية تتحول من أداة تطوير إلى أداة ظلم. وأخيرًا، الشفافية والمحاسبة، فالتعليم لا يُصلح في الظل، ولا يتطور في غياب الاعتراف بالأخطاء وتصحيحها.

الخلاصة أن التعليم لا يحتاج قرارات باردة، بل ضميرًا حيًا. لا يحتاج تجارب، بل رؤية. لا يحتاج تبريرات، بل شجاعة في المواجهة. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأمة، ليس أن تفشل مرة، بل أن تعتاد الفشل وتُسميه تطويرًا.

الرابط المختصر

search