الإثنين، 12 يناير 2026

11:12 ص

الدكتور مصطفى طاهر رضوان يكتب: غيرة الإيمان، حين تتحول الأخلاق إلى مسؤولية عامة

الإثنين، 12 يناير 2026 09:22 ص

الدكتور مصطفى طاهر رضوان

الدكتور مصطفى طاهر رضوان

في زمنٍ تتكاثر فيه المثيرات، وتضعف فيه الحواجز الأخلاقية، وتختلط فيه الحرية بالفوضى، تعود قيمة الغيرة لتفرض نفسها بوصفها إحدى أهم القيم الإيمانية الحافظة للمجتمع، لا باعتبارها انفعالًا عاطفيًا، بل باعتبارها موقفًا عقديًا وأخلاقيًا وسلوكيًا.

فالغيرة في الإسلام ليست طبعًا شخصيًا فحسب، بل شعبة من شعب الإيمان، كما قرر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «المؤمن يغار، والله أشد غيرًا».

وهذا الحديث يؤسس لمعنى بالغ العمق: أن الغيرة ليست تشددًا ولا تضييقًا، وإنما هي انعكاسٌ حيٌّ لتعظيم حدود الله، وصيانة حرماته، وحفظ كرامة الإنسان.

الغيرة… من الخاص إلى العام

من الخطأ الشائع حصر الغيرة في نطاق الأسرة الضيق؛ فالمؤمن الحق لا يغار على عرضه وحده، بل يغار على أعراض المؤمنين كافة، لأن رابطة الإيمان تجعل المجتمع المسلم كالجسد الواحد، كما في الحديث المتفق عليه: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد…».

ولهذا قرر العلماء أن الأصل في قلب المؤمن أن يغار على محارم المسلمين، كما يغار على محارمه الخاصة؛ لأن كرامة المرأة المسلمة ليست شأنًا فرديًا، بل حرمة جماعية، والإخلال بها إخلال بأمن المجتمع كله.

التأصيل العلمي للغيرة

عرّف الحافظ ابن حجر الغيرة بأنها: تغير القلب وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص، وهي — في ذروتها — دفاع عن المقدسات، وفي مقدمتها العرض.

ولهذا جعل الشرع انتهاك الأعراض من أعظم الجرائم، وقرنه بالدم والمال، فقال النبي ﷺ: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه».

كما أن القرآن الكريم شدد في التحذير من إيذاء المؤمنين والمؤمنات، وعدّ ذلك بهتانًا وإثمًا مبينًا، لما يترتب عليه من هدم للثقة، وتفكيك للروابط، وإشاعة للفاحشة.

من التاريخ: حين انتفضت أمة لعرض امرأة

يسجل التاريخ الإسلامي مواقف حاسمة تؤكد مركزية العرض في منظومة القيم الإسلامية، ولعل من أبرزها ما وقع في حادثة بني قينقاع، حين أُهينت امرأة مسلمة، فكانت تلك الحادثة شرارة غضبٍ انتهت بمواجهة كبرى؛ لأن العرض عند المسلمين الأوائل لم يكن قابلًا للتفاوض أو التجاهل.

وهذه الحادثة وغيرها، تؤكد أن حماية العرض ليست خيارًا أخلاقيًا، بل واجبًا شرعيًا، والتفريط فيه علامة خلل في فهم الدين.

تحذير نبوي شديد اللهجة

وقف النبي صلى الله عليه وسلم يومًا على المنبر محذرًا من أخطر صور الانحراف الأخلاقي، فقال: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يُفِض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم…».

وهو خطاب صريح يربط بين إيذاء الأعراض وبين ضعف الإيمان، بل ونفاق القلوب.

وقد فهم الصحابة هذا المعنى بعمق؛ حتى قال ابن عمر رضي الله عنهما وهو ينظر إلى الكعبة:

ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك.

مسؤولية العاملين والطلاب وأصحاب المهن

في الواقع المعاصر، تتعدد ساحات الاحتكاك اليومي بين الرجال والنساء: في التجارة، والطب، والتعليم، والإدارة، وغيرها. وهنا تتأكد المسؤولية الأخلاقية؛ فكل امرأة مسلمة تدخل مكان عملك أو دراستك أو علاجك، هي عرض لرجل مسلم، وأمانة في عنق المجتمع كله.

وليس المطلوب انغلاقًا أو تعسفًا، وإنما ضبط السلوك، وغض البصر، وكف اللسان، واحترام الكرامة الإنسانية، امتثالًا لوصايا النبي ﷺ الذي جعل حفظ الفروج وغض الأبصار من مفاتيح الجنة.

الجزاء من جنس العمل

يربط الإسلام دائمًا بين السلوك الفردي والمآلات الاجتماعية؛ فمن صان أعراض الناس صان الله عرضه، ومن استباح الحرمات عوقب بمثل فعله.

قال النبي ﷺ: «عفّوا تعفّ نساؤكم»،

وهي قاعدة أخلاقية عظيمة تختصر فلسفة العدالة الإلهية في المجتمعات.

إن الغيرة في الإسلام ليست خطابًا عاطفيًا، بل منظومة أخلاقية متكاملة، تحفظ الفرد، وتصون الأسرة، وتبني المجتمع. وحين تغيب الغيرة، ينهار السياج، وتستباح الحرمات، ويختل ميزان القيم.

فليكن كل واحد منا رقيبًا على نفسه قبل أن يكون رقيبًا على غيره، وليتذكر دائمًا أن الله مطّلع، بصير، لا تخفى عليه خافية: ﴿وما ربك بغافلٍ عما تعملون﴾.

  • عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر

الرابط المختصر

search