الثلاثاء، 13 يناير 2026

12:45 م

خطبة الجمعة القادمة للدكتور خالد بدير 16 يناير 2026م ـ 27 رجب 1447هـ

الثلاثاء، 13 يناير 2026 10:56 ص

صلاة الجمعة "أرشيفية"

صلاة الجمعة "أرشيفية"

كشفت وزارة الأوقاف المصرية، عن موضوع خطبة الجمعة القادمة 16 بناير 2026م الموافق 27 من شهر رجب 1447هـ، والتي تتحدث عن (جبر الخواطــــر) أهم دروس الإسراء والمعراج.

وقالت وزارة الأوقاف إن الهدف من اختيار هذا الموضوع المهم “جبر الخواطر”، هو التوعية بالدروس المستفادة من رحلة الإسراء والمعراج ومنها جبر الخواطر وأثره على النفس.

وينشر “المصري الآن” نص خطبة الجمعة القادمة للدكتور خالد بدير، 16 يناير 2026م الموافق 27 من شهر رجب 1447هـ، بعنوان “من دروس الإسراء والمعراج جبرُ الخواطرِ”.

 

عناصر خطبة الجمعة القادمة للدكتور خالد بدير 16 يناير 2026م بعنوان “من دروس الإسراء والمعراج.. جبرُ الخواطرِ”:

أولًا:  جبرُ خاطر الرسول ﷺ في رحلة الإسراء والمعراج.

ثانيًا: صورُ جبرِ الخواطرِ في حياةِ النبيِّ ﷺ.

ثالثًا: دعوةٌ إلى جبرِ الخواطرِ.

 

ولقراءة خطبة الجمعة القادمة للدكتور خالد بدير، 16 يناير 2026م بعنوان:  من دروس الإسراء والمعراج جبرُ الخواطرِ: كما يلي:

 

نص خُطبةٌ الجمعة بعنوانُ: من دروس الإسراء والمعراج "جبر الخواطر” 27 رجب 1447هـ ـ 16 يناير 2026م.

الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ ﷺ. أمَّا بعدُ:

أولًا:  جبرُ خاطر الرسول ﷺ في رحلة الإسراء والمعراج.

إنَّ جبرَ الخواطرِ خلقٌ إسلاميٌّ عظيمٌ يدلُّ على سموِّ نفسٍ، وسلامةِ صدرٍ، ورجاحةِ عقلٍ، يجبرُ المسلمُ فيهِ نفوسًا كُسِرَتْ، وقلوبًا فُطِرَتْ، وأجسامًا أُرهقَتْ، وأشخاصًا أرواحُ أحبابِهِم أُزهقَتْ، فمَا أجملَ هذه العبادةَ وما أعظمَ أثرهَا. يقولُ الإمامُ سفيانُ الثوري: “ ما رأيتُ عبادةً يتقربُ بهَا العبدُ إلي ربِّه مثلِ جبرِ خاطرِ أخيهِ المسلم”.

وجبرُ النفوسِ مِن الدعاءِ الملازمِ لرسولِ اللهِ ﷺ. فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فِي صَلاَةِ اللَّيْلِ:” رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَارْزُقْنِي، وَارْفَعْنِي”. (الترمذي والحاكم وصححه).

ولقد جبر الله خاطر نبيه ﷺ في ليلة الإسراء والمعراج بصور كثيرة منها:

جبرُ خاطرُ الرسولِ ﷺ بالتسليةِ والتسريةِ والفرجِ بعدَ الشدةِ: فمن المعلومُ أنَّ الرسولَ ﷺ أسرَّ بدعوتِهِ ثلاثَ سنواتٍ؛ وحينما أمرهُ اللهُ بالجهرِ بالدعوةِ لقيَ أشدَّ أنواعِ الإيذاءِ والاضطهادِ منذُ أنْ جهرَ بالدعوةِ على جبلِ الصفا؛ وكانَ أوّلُ من وقفَ ضدَّهُ أقربُ الناسِ إليهِ عمُّهُ أبو لهبٍ قائلًا: تبًّا لكَ يا محمدُ ألهذا جمعتَنا؟! ونزلَ في ذلكَ سورةُ المسدِ؛ ثم توالى الإيذاءُ بالسبِّ والشتمِ تارةً؛ وبرميِ سلا الجزورِ عليهِ وهو ساجدٌ أُخرى؛ وبالحصارِ في الشعبِ ثالثةً؛ وأشقُّ من ذلكَ كلِّهِ عليهِ فقدانُ عمِّهِ أبو طالبٍ وزوجِهِ خديجةَ بنتِ خويلدٍ رضيَ اللهُ عنها، وتبعَ ذلكَ عندما ذهبَ إلى أهلِ الطائفِ يطلبُ منهم الوقوفَ بجانبِهِ وأنْ يدخلوا الإسلامَ؛ فعمدَ إلى نفرٍ من ثقيفٍ، فآذوهُ إيذاءً شديدًا؛ وسلّطوا عليهِ الصبيانَ يرمونهُ بالحجارةِ حتى أدموا عقبَهُ؛ فانصرفَ مهمومًا حزينًا على عدمِ إيمانِ هؤلاءِ، فإذا بهِ يجدُ نفسَهُ في «قرنِ الثعالبِ»، فأخذَ يناجي ربَّهُ، ويتضرّعُ إليهِ قائلًا:

“اللهم إليكَ أشكو ضعفَ قوتي، وقلّةَ حيلتي، وهواني على الناسِ، يا أرحمَ الراحمينَ، أنتَ ربُّ المستضعفينَ، وأنتَ ربّي، إلى من تكلني؟ إلى بعيدٍ يتجهّمني؟ أمْ إلى عدوٍّ ملّكتَهُ أمري؟ إنْ لم يكنْ بكَ عليَّ غضبٌ فلا أبالي، ولكنَّ عافيتَكَ هيَ أوسعُ لي، أعوذُ بنورِ وجهِكَ الذي أشرقتْ لهُ الظلماتُ، وصلحَ عليهِ أمرُ الدنيا والآخرةِ من أنْ تنزلَ بي غضبَكَ، أو يحلَّ عليَّ سخطُكَ، لكَ العتبى حتى ترضى، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بكَ”. أحمدُ والبيهقيُّ في «دلائلِ النبوةِ”.

ثم عادَ ﷺ إلى مكةَ؛ فنزلَ جبريلُ عليهِ قائلًا بلسانِ الحالِ: قمْ يا محمدُ، إذا كانَ أهلُ مكةَ آذوكَ وطردوكَ فإنَّ ربَّ البريةِ لزيارتِهِ يدعوكَ! فكانتْ رحلةُ الإسراءِ والمعراجِ؛ جبرًا لخاطرِهِ ﷺ، وتسليةً وتسريةً لهُ ﷺ عمّا لاقاهُ من قومِهِ؛ وبعدَ المحنِ تأتي المنحُ؛ وبعدَ العسرِ يسرًا.

ومنها: جبرُ خاطرِ الرسولِ ﷺ بهديةِ الصلاةِ: حيث فرضت الصلاة هناك، وكانت خمسين صلاة، ولكن الله جبر خاطر نبيه ﷺ فجعلها خمسا في العمل وخمسين في الأجر، تخفيفا على أمته وتكريما له ولها. يقول ﷺ: “فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَبَيْنَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً”. (مسلم). فكانت الصلاة معراجا روحيا بين العبد وربه كل يوم خمس مرات.

ومنها: صلاتُهُ بالأنبياءِ والمرسلينَ إمامًا: ففي ليلةِ الإسراءِ والمعراجِ، صلّى الرسولُ ﷺ إمامًا بالأنبياءِ الذينَ اجتمعوا بهِ في بيتِ المقدسِ، حيثُ قامَ بجمعِ صفوفِهم وصلّى بهم ركعتينِ قبلَ أن يعرجَ إلى السماواتِ، وتُعَدُّ فضيلةً عظيمةً للنبيِّ ﷺ وتأكيدًا لمكانتِهِ، وجبرًا لخاطرِهِ. وفي ذلكَ يقولُ أميرُ الشعراءِ أحمدُ شوقي رحمهُ اللهُ:

أَسرى بِكَ اللَهُ لَيلاً إذ مَلائِكُهُ ………….. وَالرُسلُ في المَسجِدِ الأَقصى عَلى قَدَمِ

لَمّا خَطَرتَ بِهِ اِلتَفّوا بِسَيِّدِهِم …………..كَالشُهبِ بِالبَدرِ أَو كَالجُندِ بِالعَلَمِ

صَلّى وَراءَكَ مِنهُم كُلُّ ذي خَطَرٍ…………..وَمَن يَفُز بِحَبيبِ اللَهِ يَأتَمِمِ

ومنها: جبرُ خاطرِ الرسولِ ﷺ بعودتِهِ إلى مكةَ مرةً أخرى: فرسولُ اللهِ ﷺ قد أحبَّ مكةَ التي ولدَ ونشأَ فيها، وأُخرِجَ منهَا ظلمًا، وقد احتاجَ في هذا الموقفِ الصعبِ، وهذا الفراقِ الأليمِ إلى شيءٍ مِن المواساةِ وجبرِ الخاطرِ، فأنزلَ اللهُ تعالى لهّ قرآنًا مؤكدًا بقسمٍ، {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ }. ( القصص:85).

وتحققَ وعدُ اللهِ جبرًا لخاطرِ رسولِهِ ﷺ، وفتحَ مكةَ وكسرَ الأصنامَ، وأصبحتْ مكةُ كلُّهَا في قبضتِهِ ﷺ.

ومنها: جبرُ خاطرِ الرسولِ ﷺ بعودتِهِ إلى مكةَ مرةً أخرى: فكلُّ نبيٍّ يقولُ نفسي نفسي، والرسولُ ﷺ يقولُ أُمَّتي! فعن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصِ :” أن النبي ﷺ  تلَا قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ في إبراهيمَ عليهِ السلامُ: “رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي” (إبراهيم: 36) وَقَالَ عِيسَى عليه السلامُ: “إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” (المائدة: 118)؛ فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: “اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي” وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: “يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟” فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عليه الصلاة والسلام فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ عليه السلام بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَمُ فَقَالَ اللَّهُ:”يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ”. [ مسلم ].

ثانيًا: صورُ جبرِ الخواطرِ في حياةِ النبيِّ ﷺ.

لقد ضربَ لنَا رسولُ اللهِ ﷺ أروعَ الأمثلةِ في جبرِ الخواطرِ قبلَ البعثةِ وبعدَهَا، وعبادةَ جبرِ الخواطرِ في حياةِ النبيِّ ﷺ شملتْ جميعَ أطيافِ المجتمعِ رجالًا ونساءً صغارًا وكبارًا، فهذا جابرُ بنُ عبدِالله استشهدَ أبوهُ فانكسرَ قلبُهُ، واجتمعتْ عليهِ الهمومُ والغمومُ والديونُ، فما يلبثُ ﷺ حتى يسريِ عنهُ ويجبرَ خاطرَهُ، فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: ” لَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ يَوْمَ أُحُدٍ، لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا جَابِرُ، مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتُشْهِدَ أَبِي، وَتَرَكَ عِيَالاً وَدَيْنًا، قَالَ: أَفَلاَ أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي، تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي، فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً، فَقَالَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ: إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لاَ يَرْجِعُونَ، قَالَ: يَا رَبِّ، فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.(ابن ماجة والترمذي وحسنه).

كما كان ﷺ يجبر خاطر زوجاته، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَتْ صَفِيَّةُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَهَا فَأَبْطَأَتْ فِي الْمَسِيرِ، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي وَتَقُولُ: «‌حَمَلْتَنِي ‌عَلَى ‌بَعِيرٍ بَطِيءٍ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ بِيَدَيْهِ عَيْنَيْهَا ويُسْكِتُهَا… » [النسائي في الكبرى].

وهذا زاهرُ صاحبُ الرسولِ ﷺ كان َدميمًا، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَالرَّجُلُ لَا يُبْصِرُهُ، فَقَالَ: أَرْسِلْنِي، مَنْ هَذَا؟ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ يُلْزِقُ ظَهْرَهُ بِصَدْرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ” فَقَالَ زَاهِرٌ: تَجِدُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ كَاسِدًا، قَالَ: “لَكِنَّكَ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ”، أَوْ قَالَ ﷺ: “بَلْ أَنْتَ عِنْدَ الله غالٍ”.(ابن حبان). كما كان ﷺ حريصًا على تطييبِ خاطرِ أصحابِ البلاءِ والمصائبِ، فعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «أَتُحِبُّهُ؟» فَقَالَ: أَحَبَّكَ اللَّهُ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: «مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟» قَالُوا مَاتَ ابْنُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَمَا يَسُرُّكَ أَنْ لَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ يَنْتَظِرُكَ؟» فَقَالَ رَجُلٌ: أَلَهُ خَاصَّةً أَوْ لِكُلِّنَا قَالَ: «بَلْ لِكُلِّكُمْ».(أحمد والحاكم بسند صحيح).

ولا يخفَى علينَا اهتمامُهُ ﷺ بجبرِ خواطرِ النساءِ. فقد روى أنسُ بنُ مالكٍ قالَ: “إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ!”.( البخاري) . وحتى الأطفال، كان لهم مِن جبرِ الخاطرِ مع رسولِ اللهِ ﷺ نصيب، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:” كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكانَ لي أَخٌ يُقَالُ له: أَبُو عُمَيْرٍ، قالَ: أَحْسِبُهُ، قالَ: كانَ فَطِيمًا، قالَ: فَكانَ إذَا جَاءَ رَسولُ اللهِ ﷺ فَرَآهُ، قالَ: أَبَا عُمَيْرٍ ما فَعَلَ النُّغَيْرُ قالَ: فَكانَ يَلْعَبُ بهِ”. (مسلم). فهذا الطفلُ ماتَ طائرُهُ، فجبرَ بخاطرهِ النبيُّ ﷺ بهذه الكلماتِ.

وقد تجاوزتْ إنسانيتُهُ ﷺ في جبرِ الخواطرِ مِن عالمِ الإنسانِ إلى عالمِ البهائمِ المعجمةِ، فقد دخلَ ﷺ حائطًا لرجلٍ مِن الأنصارِ، فإذا فيه جملٌ، فلمَّا رأَى النبيَّ ﷺ حنَّ وذرفتْ عيناهُ، فأتاهُ ﷺ فمسحَ ظفراهُ فسكتْ، فقالَ ﷺ: “مَن ربُّ هذا الجمل؟ لمَن هذا الجمل؟” فجاءَ فتىً مِن الأنصارِ فقالَ: لي يا رسولَ اللهِ، فقالَ لهُ: ” أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ ‏‏ وَتُدْئِبُهُ ” (أبو داود)، ( وَتُدْئِبهُ: أَيْ تُكْرِههُ وَتُتْعِبهُ).

وهكذا شملَ جبرُ الخواطرِ في حياتِهِ ﷺ جميعَ أصنافِ المجتمعِ رجالًا ونساءً وأطفالًا حتى البهائمِ المعجمةِ.

ثالثًا: دعوةٌ إلى جبرِ الخواطرِ.

أيُّها الإخوةُ المؤمنون: ما أحوجنَا إلى مواساةِ الناسِ، والتخفيفِ عنهم وتطييبِ خاطرهِم؛ لأنَّ أصحابَ القلوبِ المنكسرةِ كثيرون، ترى أنَّ هذه مُعلَّقةٌ لا هي زوجةٌ، ولا هي مُطلَّقةٌ، وهذه أرملةٌ، وذاك مسكينٌ، وهذا يتيمٌ، والآخرُ عليه ديونٌ وفي حالةِ غمٍّ وهمٍّ، وهذا لا يجدُ جامعةً، وذاك لا يجدُ وظيفةً، وهذا لا يجدُ زوجةً، أو لا يجدُ زواجًا، وذاك مريضٌ، والآخرُ مُبْتلَى، والهمومُ كثيرةٌ.

إنَّ جبرَ خاطرِ هذه الفئاتِ الضعيفةِ سبيلٌ وطريقٌ إلى محبةِ اللهِ تعالى، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ” أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِ فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ شَهْرًا، وَمَنَ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ رَجَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لَهُ أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامِ”. (الطبراني بسند حسن).

كما أنَّ جبرَ خاطرِ هذه الفئاتِ قد يكونُ سببًا في دخولِكَ الجنة، فعَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ قَالَ: اجْتَمَعَ حُذَيْفَةُ وَأَبُو مَسْعُودٍ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: رَجُلٌ لَقِيَ رَبَّهُ فَقَالَ مَا عَمِلْتَ؟ قَالَ: مَا عَمِلْتُ مِنْ الْخَيْرِ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ رَجُلًا ذَا مَالٍ فَكُنْتُ أُطَالِبُ بِهِ النَّاسَ فَكُنْتُ أَقْبَلُ الْمَيْسُورَ وَأَتَجَاوَزُ عَنْ الْمَعْسُورِ، فَقَالَ: تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي” (مسلم) .

فهذا الرجلُ لم يعملْ خيرًا قط سوى خلقٍ واحدٍ وهو جبرُ خواطرِ المدينينَ والمعسرينَ والتجاوزِ عنهُم، فكان الجزاءُ مِن جنسِ العملِ، وأصبحَ جبرُ الخاطرِ طريقًا لهُ إلى الجنةِ، فما أجملَ أنْ يسعَى الإنسانُ في قضاءِ حوائجِ المسلمينَ، وجبرِ خاطرهِم، وتفريجِ كروبهِم، وتقديمِ يدِ العونِ لهُم، فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:” الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ؛ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ؛ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”.(متفق عليه) .

كما أنَّ جبرَ خواطرِ الأطفالِ والصبيانِ وتحبيبَهُم في المساجدِ مِن الصفاتِ الحميدةِ التي تجعلُ قلوبَهُم معلقةً بالمساجدِ بدلًا مِن نهرِهِم وطردِهِم، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن شَدَّادِ بن الْهَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فِي إِحْدَى صَلاتَيِ النَّهَارِ: الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ، وَهُوَ حَامِلٌ الْحَسَنَ أَوِ الْحُسَيْنَ، فَتَقَدَّمَ فَوَضَعَهُ عِنْدَ قَدَمِهِ الْيُمْنَى، فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَجْدَةً فَأَطَالَهَا، فَرَفَعْتُ رَأْسِيَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ، وَإِذَا الْغُلامُ رَاكِبٌ ظَهْرَهُ، فَعُدْتُ فَسَجَدْتُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ نَاسٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ سَجَدْتَ فِي صَلاتِكَ هَذِهِ سَجْدَةً مَا كُنْتَ تَسْجُدُهَا، أَشَيْئًا أُمِرْتَ بِهِ، أَوْ كَانَ يُوحَى إِلَيْكَ؟ قَالَ:”كُلٌّ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعْجِلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ”. (أحمد والحاكم وصححه). فما أجملها من أخلاق!

إنَّ تطييبَ الخاطرِ لا يحتاجُ إلى كثيرِ جهدٍ، ولا كبيرِ طاقةٍ، فربّمَا يكفِي البعضُ كلمةً مِن ذكرٍ، أو دعاءٍ، أو موعظةٍ، وربَّمَا يحتاجُ الآخرُ إلى مساعدةٍ، وينتظرُ البعضُ قضاءَ حاجةٍ، ويكتفِي البعضُ الآخرُ بابتسامةٍ، فعلينَا أنْ نَجتهدَ بإدخالِ الفرحِ والسرورِ إلى قلوبِ إخوانِنَا، ولا نبخَلُ على أنفسِنَا، فالصدقةُ والخيرُ نَفْعُهُ يعودُ إليك.

فاجبرُوا خواطرَ مَن حولَكُم، فمَن سارَ بينَ الناسِ جابرًا للخواطرِ، أدركتْهُ عنايةُ اللهِ في المخاطرِ.

اقرأ أيضا:

خطبة الجمعة القادمة لوزارة الأوقاف 16 يناير 2026م ـ 27 رجب 1447هـ

فتوى تاريخية عن حقيقة رحلة الإسراء والمعراج والرد على من أنكرها

مفتي الجمهورية يوضح حكم الاحتفال بالإسراء والمعراج

متى حدثت رحلة الإسراء والمعراج؟

حكم الاحتفال بالإسراء والمعراج في شهر رجب

ملخص خطبة الجمعة اليوم لوزارة الأوقاف 9 يناير 2026م ـ 20 رجب 1447هـ

خطبة الجمعة القادمة للدكتور خالد بدير 9 يناير 2026م ـ 20 رجب 1447هـ

خطبة الجمعة القادمة لوزارة الأوقاف 9 يناير 2026م ـ 20 رجب 1447هـ

الإفتاء توضح حكم الشرع في انفراد النساء بالصلاة على الجنازة

طلاب الصف الأول الثانوي الأزهري يؤدون امتحان البرمجة والذكاء الاصطناعي من خلال منصة "Sprix"

مفتي الجمهورية: علم المواريث يقيم العدل ويصون المودة والتراحم بين أفراد الأسرة

الإفتاء تستقبل وتجيب على 2475 فتوى باللغتين الإنجليزية والفرنسية عبر FatwaPro

المتسابق محمد محفوظ ينسحب من برنامج دولة التلاوة

خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف اليوم 2 يناير 2026م ـ 13 رجب 1447هـ

وزارة الأوقاف تحذر من ظاهرة الغش في الامتحانات

الأزهر يطلق الموسم الرابع من مبادرة ومسابقة "معًا لعودة القيم الإيجابية"

169 ألف دارس بأروقة القرآن الكريم والقراءات بالجامع الأزهر والمحافظات

الإفتاء توضح حكم الصيام في رجب وشعبان

الرابط المختصر

search