الدكتورة أميمة منير جادو تكتب: جدل العَجَلة والقدر كما تعكسه الإغماضة العاشرة (ولادة) للأديب نايف النوايسة
الأربعاء، 14 يناير 2026 09:26 ص
الدكتورة أميمة منير جادو
الدكتورة أميمة منير جادو عضو اتحاد كتاب مصر
أولًا: مدخل الرؤية النقدية
تقوم الإغماضة العاشرة من إغماضات قصيرة على بنية سردية مكثفة، تُدار عبر حدث بسيط في ظاهره، لكنه يفضي إلى شبكة دلالية معقّدة قوامها العجلة الإنسانية وما تولّده من قلق، في مقابل التدبير القدري الذي ينتهي بانفراج غير متوقَّع.
ولا ينهض النص على حدث الولادة بوصفه مركز السرد، بل يجعله خاتمة دلالية تُعيد تأويل كل ما سبقها، في انسجام واضح مع طبيعة السرد الومضي القائم على الإخفاء ثم الكشف.
ثانيًا: العجلة بوصفها العتبة الدلالية الأولى
يبدأ النص بالفعل المحرّك لكل ما يليه، وهو فعل العجلة:
«نسيت الحقيبة وما أنسانيها إلاّ العجلة»
هذه الجملة تؤدي وظيفة العتبة الدلالية، لأنها:
تفسّر الحدث اللاحق.
وتُحَمِّل الشخصية مسؤولية الخلل.
وتفتح باب التناص الديني الصريح.
التناص القرآني الأول (مباشر وموثَّق)
تنهض العبارة على تناصّ مباشر مع قوله تعالى:
﴿وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره﴾ (سورة الكهف: 63)
ويتحقق التناص هنا على مستوى:
البنية التركيبية: (وما أنسانيه/وما أنسانيها)
الوظيفة السببية: إسناد النسيان إلى عامل محدد
غير أن النص يستبدل:
الشيطان ⟵ بـ العجلة
وهو استبدال دلالي واعٍ، ينقل سبب الخطأ من الخارج الغيبي إلى الداخل الإنساني، بما يخدم رؤية النص الأخلاقية والنفسية.
ثالثًا: تصاعد الفقد وبناء التوتر السردي
بعد لحظة العجلة، يتدرج النص في بناء التوتر عبر تكرار النفي والفقد:
«تأخرت كثيرًا» «ولم يرها» «ولم يجدها ولم يجد الحقيبة» «ولا حياة لمن تُنادي»
هذا التتابع ليس اعتباطيًا، بل:
يبني توترًا متصاعدًا
ويُضيق المجال السردي
ويُغرق القارئ في الإحساس بالضياع
ويبلغ هذا التوتر ذروته في الجملة التصريحية:
«خوفه يتعاظم مع كل خطوة ودقيقة»
وهي جملة كاشفة تُحوِّل السرد من الوصف الخارجي إلى الاعتراف النفسي المباشر.
رابعًا: الوعي الزمني والمفارقة الشعورية
في قلب هذا التوتر، يستدعي النص زمنًا آخر على نحو مفاجئ:
«تذكّر في هذه اللحظة العاصفة أن اليوم هو عيد ميلاده»
هنا تتكوّن مفارقة شعورية واضحة:
العيد (الفرح)
في لحظة خوف وضياع
وهو ما يعمّق البعد النفسي للنص، ويُظهر انكسار التوقع الشعوري لدى الشخصية.
خامسًا: الانفراج الأول واستعادة التوازن المؤقت
يتحقق الانفراج الأول عند استعادة الزوجة:
«إنها هي… طار إليها وطارت إليه وحضنا بعضهما البعض كعصفورين حلا على فنن»
الصورة هنا:
مباشرة
غير مثقلة بالرمز
تؤدي وظيفة الطمأنة
غير أن هذا الانفراج ليس خاتمة النص، بل تمهيد لانقلاب دلالي أكبر.
سادسًا: التناص الزمني ودلالته
في بداية النص، يرد قول السارد:
«قاب ساعتين أو أدنى سنكون في قريتنا»
التناص القرآني الثاني (مباشر وموثَّق)
تحاكي العبارة قوله تعالى:
﴿قاب قوسين أو أدنى﴾ (سورة النجم: 9)
وهذا تناصّ:
لفظي
وصيغي
ودلالي
حيث تُستعار صيغة القرب القصوى، لا للمسافة المكانية، بل للزمن، بما يوحي بقرب حدث مصيري لم يُكشف عنه بعد.
سابعًا: الانتقال الختامي المنضبط سرديًا
بعد استعادة الزوجة، ينتقل النص منطقيًا إلى المشهد الأخير:
«كان يُشخّر وقد أمال رأسه على كتف زوجته أثناء انتظارهما في المستشفى»
هذا المشهد:
لا يُقرأ قفزًا
بل بوصفه نتيجة طبيعية لمسار القلق
النوم هنا دالّ على:
الإنهاك
والاستسلام بعد التوتر
والثقة الضمنية بما سيأتي
ثامنًا: تحقق العنوان ومفارقة الولادة
يتحقق العنوان أخيرًا في الجملة الختامية:
«ابنتنا أنجبت توأمين ولدًا وبنتًا»
الولادة:
لم تكن موضوع السرد
بل مكافأته الدلالية
وهي ولادة مزدوجة، تقابل:
فقدًا مضاعفًا سابقًا (الزوجة/الحقيبة)
وقلقًا ممتدًا
تاسعًا: التناص الإيماني الختامي
يُغلق النص بقوله:
«الحمد لله، الحمد لله»
وهذا تناصّ ديني صريح مع خطاب الحمد القرآني العام، يُعيد قراءة النص كاملًا في أفق:
الرضا
والتسليم
وإدراك الحكمة بعد الابتلاء
عاشرًا: محور التناقض الدلالي
عنوان المحور:
التناقض البنائي بين الفقد والاكتمال
يتجلى التناقض بين:
ضياع الزوجة والخوف من فقدها
والاكتمال النهائي بولادة جديدة
وهذا التناقض:
ليس خللًا سرديًا
بل عنصرًا بنائيًا يُنتج المعنى
خاتمة الرؤية النقدية
تكشف الإغماضة العاشرة عن:
-سرد ومضي محكوم برؤية دلالية واضحة
-توظيف واعٍ للتناص القرآني بوظيفة بنائية
-بناء توتر ينتهي بانقلاب معنوي لا حدثي
وهي إغماضة ناجحة في:
ضبط الإيقاع
تكثيف الحدث
وتحقيق العنوان في لحظة الختام.
-----
ملحق نص
الإغماضة العاشرة
( ولادة )
- للكاتب نايف النوايسة
انتهى مؤتمرنا في الفندق الفاخر.. أخرجتْ زوجتي حقيبتنا من البوابة الرئيسية..
أسرعت إلى دراجتي الهوائية وفككتُ رسنها وامتطيتها.. ناديتُ زوجتي لتركب خلفي.. وركبت.. قلت لها: قاب ساعتين أو أدنى سنكون في قريتنا، ألا ترين ما زلنا في منتصف النهار..
همستْ زوجتي بصوت خفيض متردد: نسيت الحقيبة وما أنسانيها إلاّ العجلة.. أدار زوجها رأس الدراجة وعادا إلى الفندق..
ذهبت الزوجة لتحضر الحقيبة.. تأخرت كثيرًا.. عاينها زوجها من مكانه، ولم يرها.. لحقها ولم يجدها ولم يجد الحقيبة.. دخل الفندق وبحث عنها، ونادى بأعلى صوته عليها ولا حياة لمن تُنادي.. أسرع إلى الباب الخارجي فوجد الحقيبة ولم يجد زوجته.. وقص أثرها في الزوايا، ولم يعثر عليها.. أنطلق يسعى من شارع إلى شارع وهو ينادي.. خوفه يتعاظم مع كل خطوة ودقيقة.. إنه يحبها كثيرًا..
اقترب من فندق آخر ووقف ببابه.. ربما تاهت ودخلته.. تلفت يمنة ويسرة.. عيناه زائغتان وقلبه يقفز من مكانه.. تذكّر في هذه اللحظة العاصفة أن اليوم هو عيد ميلاده.
لمح بقالة في الزاوية القصية من الشارع.. وفغر فاهه: كأنها هي، وناداها.. التفتت وكان معها لفافة. إنها هي.. طار إليها وطارت إليه وحضنا بعضهما البعض كصفورين حلا على فنن..
كان يُشخّر وقد أمال رأسه على كتف زوجته اثناء انتظارهما في المستشفى.. زوجته توقظه وهي تعلن بفرح: ابنتنا أنجبت توأمين ولدًا وبنتًا.. هز رأسه وحملق بعينيه.. حضن زوجته من الفرح، وقال: الحمد لله، الحمد لله.
الرابط المختصر
آخبار تهمك
وزير الاستثمار: نمو الاقتصاد المصري يتجاوز 5% وخطة جديدة لجذب الاستثمارات الأجنبية
05 يونيو 2026 05:35 م
الأمم المتحدة تشيد بخطوات مصر لتعزيز تمويل مخاطر الكوارث
05 يونيو 2026 05:23 م
وزارة الصناعة تطرح 400 قطعة أرض صناعية مرفقة في 15 محافظة عبر منصة مصر الرقمية
05 يونيو 2026 05:22 م
تراجع طفيف للأسهم الأوروبية مع ضغوط التكنولوجيا وتوترات الشرق الأوسط
05 يونيو 2026 03:24 م
التضخم في تركيا يرتفع إلى 32.61% وسط استمرار ضغوط الأسعار وتوقعات بتشديد نقدي
05 يونيو 2026 02:52 م
تراجع أسعار الذهب عالميًا والأوقية تهبط دون 4500 دولار
05 يونيو 2026 02:40 م
الأكثر قراءة
-
طالب بجامعة بني سويف الأهلية يطلق منصة تعليمية بالذكاء الاصطناعي
-
طلاب تكنولوجيا المعلومات بالاسماعيلية يحولون المنازل التقليدية إلى منازل ذكية تتفاعل مع المستخدم
-
ابتكار جديد لطلاب جامعة سفنكس لتقليل الإشعاع على المرضى
-
مشروع لطلاب كلية الحاسبات بجامعة MUSI يربط التاريخ الطبي للمريض بالتحقق البيومتري
-
طلبة أكاديمية المستقبل يطورون نظاما ذكيا لتحسين بيئة نمو النباتات داخل الصوبة الزراعية بشكل تلقائي
-
حسام عبد المجيد: لا نذهب إلى كأس العالم من أجل المشاركة فقط.. ونحلم بإنجاز تاريخي لمصر
-
شوبير يكشف تطورات مفاوضات الأهلي لتجديد عقد نجله مصطفى
-
الإسماعيلي يلوح بالتصعيد القانوني بسبب شكل الدوري الجديد
-
أول تعليق من عصام سراج بعد تعيينه رئيسًا لقطاع التعاقدات بالأهلي
-
خاص | ملامح خطة حسام حسن لمواجهة مصر و البرازيل وموقف مرموش
-
الأرصاد تحذر من رياح مثيرة للرمال والأتربة .. والحرارة تصل إلى 42 درجة بجنوب الصعيد
-
حسام عبد المجيد: لا نذهب إلى كأس العالم من أجل المشاركة فقط.. ونحلم بإنجاز تاريخي لمصر
-
شوبير يكشف تطورات مفاوضات الأهلي لتجديد عقد نجله مصطفى
-
الإسماعيلي يلوح بالتصعيد القانوني بسبب شكل الدوري الجديد
-
أول تعليق من عصام سراج بعد تعيينه رئيسًا لقطاع التعاقدات بالأهلي
أكثر الكلمات انتشاراً