الثلاثاء، 20 يناير 2026

11:26 ص

اذاعة الأغاني من الصدارة إلى الترتيب العاشر في عهد إبراهيم حفني (تقرير)

الثلاثاء، 20 يناير 2026 09:29 ص

إذاعة الاغاني

إذاعة الاغاني

تعيش إذاعة الأغاني واحدة من أسوأ فتراتها في تاريخها منذ تأسيسها، بعد أن تحولت من محطة جماهيرية كبرى تحتل المركز الثاني في نسب الاستماع بعد إذاعة القرآن الكريم، إلى إذاعة متراجعة تحتل الترتيب العاشر، في انهيار غير مسبوق يتحمل مسؤوليته الكاملة رئيسها الحالي إبراهيم حفني، تحت علم رئيس الإذاعة الدكتور محمد لطفي، حيث قاد إبراهيم حفني المحطة إلى ما يشبه “الموت الإكلينيكي” نتيجة قرارات عبثية وافتقار واضح للرؤية الفنية والإدارية.

منذ توليه المنصب، لم يقدم إبراهيم حفني أي مشروع تطوير حقيقي، بل بدأ عملياً في تفكيك المحطة من الداخل، عبر سلسلة من القرارات الإقصائية التي أطاحت بالكفاءات، حيث قام برفد مدير إدارة التنفيذ والإخراج، ومدير إدارة الخريطة، ثم اتخذ القرار الأخطر بالاستغناء عن إدارة الإخراج بالكامل، وكأن الإذاعة يمكن أن تُدار بلا إخراج أو رؤية فنية. هذه القرارات لم تشل الأداء فقط، بل كشفت عن جهل صارخ بأساسيات العمل الإذاعي، وأدخلت المحطة في حالة فوضى دائمة على الهواء.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى تصفية حسابات واضحة مع رموز مهنية، من بينهم المخرج الكبير محمد ترك، أحد أعمدة الإخراج الإذاعي وصانع أنجح البروموهات، إلى جانب على عبد العال مدير إدارة الإخراج، ومنال الطيبي التي تم إقصاؤها من إدارة الخريطة، فضلاً عن منع برامج حققت نجاحاً جماهيرياً كبيراً في رمضان الماضي، من بينها برامج الإذاعيات ناهد الشلقامي مدير إدارة التنفيذ بالمحطة، ولبنى أحمد، ومنال الخولي، في قرار يطرح تساؤلاً واضحاً حول منطق إدارة تعاقب النجاح وتكافئ الفشل.

نتيجة هذا المناخ العدائي والطارد، هربت أفضل أصوات إذاعة الأغاني إلى إذاعة الشرق الأوسط، من بينهن مي عشوش، في نزيف مهني فاضح أفقد المحطة مذيعاتها المميزات، ودفع المعلنين إلى الهروب، إذ لا يمكن لأي معلن أن يغامر بأمواله في محطة تحولت إلى سرادق عزاء موسيقي يُبث على مدار اليوم، بلا هوية ولا جمهور.

الأخطر أن رئيس الإذاعة لا يمتلك أي مؤهلات فنية أو ثقافية تؤهله لإدارة محطة موسيقية عريقة، وكل ما يملكه ـ بحسب شهادات العاملين ـ “دفتر” يحتوي على أرقام شرائط الأغاني، رغم أن هذا الأرشيف موجود بالفعل في مكتبة الإذاعة وعلى أنظمتها الإلكترونية. هذا “الدفتر” تحول إلى فلسفة إدارة، نتج عنها بث أغانٍ أرشيفية مهجورة، ميتة فنياً، لم تنجح في زمنها ولم يعرفها الجمهور، حتى إن مطربيها أنفسهم لم يكونوا يذيعونها، ومع ذلك أصر رئيس الإذاعة على فرضها بالقوة، فاختنق الهواء، ونفر المستمعون، وتحولت الإذاعة إلى حالة من الكآبة اليومية.

ومع غياب الرؤية، انفجرت الأخطاء الكارثية على الهواء، حيث تم تخصيص يوم التاسع من ديسمبر لذكرى داود حسني مع إذاعة أغاني أم كلثوم في توقيت الثالثة عصراً، قبل اكتشاف أن التاريخ خاطئ قبل البث بساعة واحدة، ما أدى إلى إلغاء فقرة أم كلثوم بالكامل، في ضربة مباشرة لعماد المحطة وجمهورها. وتكررت الفضيحة يوم الثلاثين من ديسمبر، عندما تم تجهيز يوم كامل لذكرى وفاة أم كلثوم، ثم اكتُشف فجراً أن الذكرى في الحادي والثلاثين، فتم استدعاء الموظفين من بيوتهم في حالة ذعر لمسح شغل أسبوع كامل خلال ساعات، وهو ما أدى إلى انهيار السيستم وبث أغانٍ عشوائية بلا أي منطق أو ترتيب.

وتحولت الأخطاء إلى مشهد يومي، حيث تُذاع فقرات لعبد الوهاب تتخللها فجأة أغانٍ لشيرين، وتُبث تسجيلات دون مونتاج بكواليسها وأخطائها الفاضحة، في إهانة صريحة للمهنة والمستمع معاً. ورغم كل ذلك، لم يخرج رئيس الإذاعة للاعتذار، بل اختار الطريق الأسهل، وهو تحميل الفشل للمخرجين ومهندسي الصوت واتهامهم بعدم التعاون، تمهيداً للتخلص منهم، في محاولة مكشوفة لتعليق فشله الإداري على شماعة الآخرين.

الإذاعة اليوم منقسمة إلى مجموعات، المقربون محصنون مهما كانت أخطاؤهم، والمهنيون الحقيقيون مستهدفون بالإقصاء والتنكيل. وبدلاً من إصلاح الخلل، قرر رئيس الإذاعة تحميل المذيعين أعباء البحث في الأرشيف وتنسيق الشرائط أثناء البث المباشر، في استخفاف فج بحدود العمل الإذاعي، وكأن المذيع مطالب بأن يكون مخرجاً وباحثاً ومهندس صوت في آن واحد.

الغضب خرج إلى العلن، حيث هاجم الكاتب الغنائي ناصر رشوان ما يحدث في إذاعة الأغاني في منشور صريح، أكد فيه أنه استمع للإذاعة لمدة ساعة ونصف دون أن يسمع عملاً فنياً واحداً يليق باسمها، واصفاً ما يُذاع بأنه أغانٍ أرشيفية مهجورة بلا ذوق ولا قيمة، ومشدداً على أن إذاعة الأغاني تحتاج إلى من يفهم الجمال، لا من يحمل دفتراً لا يعي ما بداخله.

وفي أحدث حلقات العبث، تشير المعلومات إلى اجتماع عاجل سيعقده إبراهيم حفني يوم الاثنين المقبل بحضور أحمد الشاذلي نائب رئيس الإذاعة، لبحث توزيع المخرجين على باقي الإذاعات، في خطوة تعني عملياً تفريغ إذاعة الأغاني من كوادرها الفنية، وترك المذيعين يواجهون الهواء وحدهم، في مغامرة غير محسوبة العواقب.

ويبقى السؤال الذي يتردد داخل أروقة ماسبيرو وخارجها كيف يُترك مصير إذاعة بحجم وتاريخ إذاعة الأغاني في يد إدارة فشلت في الحفاظ على جمهورها، وأهدرت كوادرها، وحولت كنزاً موسيقياً إلى مقبرة للأغاني المهجورة؟ ولماذا يتم تجاهل أسماء أقدم وأكثر كفاءة وتخصصاً، مثل تامر عز الدين، وهالة رستم، ولبنى أحمد، ومنال الخولي، لصالح إدارة أثبتت بالأرقام والوقائع أنها تقود المحطة إلى الهاوية؟

ما يحدث في إذاعة الأغاني ليس تطويراً، بل تخريباً منظماً، وليس اختلافاً في الرأي، بل فشلاً إدارياً صارخاً، يدفع ثمنه العاملون والمستمعون، بينما تبقى الإذاعة العريقة رهينة “دفتر” لا يسمع، ولا يفهم، ولا يشعر بالجمال.

اقرأ أيضاً.. طرح كتاب فلسفة الرأي العام والدعاية في العصر الرقمي

الرابط المختصر

search