الخميس، 22 يناير 2026

08:29 م

فن تجليد الكتب حرفة تقاوم الاندثار في زمن التكنولوجيا

الخميس، 22 يناير 2026 06:34 م

فن تجليد الكتب

فن تجليد الكتب

تعد حرفة وفن تجليد الكتب واحدة من أعرق الحرف اليدوية التي ارتبطت ارتباطا وثيقا بتاريخ الانسان والكتب والمعرفة، فهي ليست مجرد وسيلة لحماية الصفحات، بل فن يعكس احترام المجتمعات للعلم والكتاب. 

ولا يزال هذا الفن الذي يعطي لمسة إنسانية لغلاف الكتاب يحاول الاستمرار عبر طباعة الرسائل العلمية لطلبة الماجستير والدكتوراه و بعض المكتبات العامة و المهتمون بتجبيد المصاحف و بعض الحرفيين في مجال صناعة البومات صور الذكريات وألبومات صور الفرح.

فن تجليد الكتب

وعلى مدار قرون طويلة، لعب فنان التجليد  دورا محوريا في حفظ المخطوطات والكتب من التلف والضياع، وساهم في انتقال المعرفة من جيل الى اخر. الا ان هذه الحرفة العريقة تواجه اليوم خطر الاندثار في ظل التغيرات التكنولوجية والاقتصادية المتسارعة.

الجذور التاريخية لفن تجليد الكتب

ترجع بدايات تجليد الكتب الى الحضارات القديمة، حيث عرف المصريون القدماء تسجيل النصوص على ورق البردي، وكانت هذه النصوص تحفظ في لفائف توضع داخل اغلفة بسيطة من الجلد او القماش للحماية.

فن تجليد الكتب 

 وفي حضارات وادي الرافدين، استخدمت الالواح الطينية التي كانت تحفظ داخل صناديق، وهو شكل بدائي من اشكال الحفظ والتجميع.

ومع تطور الكتابة وانتشارها في الحضارتين اليونانية والرومانية، ظهر شكل جديد للكتاب عرف بالكودكس، وهو عبارة عن صفحات مطوية ومخاطة تشبه الكتاب الحديث. 

وكان هذا التحول نقطة فارقة في تاريخ تجليد الكتب، حيث اصبح من الممكن اضافة اغلفة خشبية مغطاة بالجلد، ما وفر حماية اكبر وسهولة في الاستخدام.

فن تجليد الكتب 

ازدهار تجليد الكتب في الحضارة الاسلامية

بلغ فن تجليد الكتب ذروة ازدهاره في الحضارة الاسلامية، خاصة مع انتشار العلم وحركات الترجمة والنسخ في بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة. لم يكن التجليد في هذا العصر عملا وظيفيا فحسب، بل فنا جماليا يعكس روح الحضارة الاسلامية وامتزج الجلد بالقماش والورق. 

قد يهمك: هواية وأسواق الانتيك تزدهر في مصر بالنحاس والبرونز واللوحات

استخدم فنان التجليد قديما وحديثا الجلود الطبيعية المصبوغة أو الأقمشة المزخرفة، وزينوها بزخارف هندسية ونباتية دقيقة، وظهر الغلاف ذو اللسان الذي يطوى لحماية الكتاب من الاتربة والعوامل الخارجية.

كما عرف التذهيب والضغط الحراري، وكتابة العناوين على كعب الكتاب، وهي تقنيات تتطلب مهارة عالية ودقة كبيرة.

 وكانت المصاحف والمخطوطات العلمية والادبية تجلد بعناية فائقة، وهي سبب استمرار هذا الفن لكل هذه السنوات ما جعل كثيرا منها يصل الينا حتى اليوم في حالة جيدة رغم مرور قرون طويلة.

تجليد الكتب في اوروبا والعصور الوسطى

في اوروبا خلال العصور الوسطى، ارتبط تجليد الكتب بالاديرة والكنائس، حيث كانت المخطوطات الدينية تحظى بعناية خاصة. استخدمت الاغلفة الخشبية السميكة المغطاة بالجلد، وزينت احيانا بالمعدن والاحجار، في دلالة على القيمة الدينية والعلمية للكتاب. 

إقرأ المزيد 

صلاح مصطفي رائد فن المشكاوات والزجاج اليدوي - حوار

ومع اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر، ازداد الطلب على الكتب، وظهرت ورش متخصصة في تجليدها، وبدأ التجليد يتحول من نشاط محدود الى حرفة مستقلة تمارس في المدن والاسواق وفي كثير من المدن المصرية كان حتي تسعينيات القرن الماضي في كل مدينة من يمتهنون هذا الفن نظرا لزيادة الطلب عليه بسبب الكتب المدرسية التي تسببت في رواج المهنة في مصر خلال الفترة من 1800 وحتي 2000.

 

فن تجليد لبكتب

مراحل تجليد الكتب التقليدية

تمر عملية تجليد الكتب التقليدية بعدة مراحل دقيقة، تبدأ بفرز صفحات الكتاب وترتيبها وفق تسلسلها الصحيح، ثم تسوية الحواف واصلاح الصفحات التالفة. بعد ذلك تخاط الصفحات يدويا فيما يعرف بالملازم، باستخدام خيوط قوية تضمن تماسك الكتاب لفترات طويلة.

تلي مرحلة الخياطة مرحلة تثبيت الغلاف الداخلي المصنوع من الورق المقوى، ثم تغطيته بالجلد الطبيعي او القماش او الورق المزخرف، حسب نوع الكتاب وقيمته. وفي المرحلة الاخيرة، يوضع الكتاب داخل مكبس خاص لفترة زمنية محددة حتى يثبت الغلاف ويأخذ شكله النهائي المتين.

طريقة التجليد اليدوي وادواته

يعتمد التجليد اليدوي على مجموعة من الادوات البسيطة لكنها فعالة، مثل الابرة والخيط والمقص والسكاكين الخاصة والمكبس. ويقوم المجلد بقياس الكتاب بدقة متناهية قبل البدء، ثم يخيط الملازم بعناية، ويثبت الغلاف دون ان يؤثر على حركة فتح الكتاب او اغلاقه.

 وفي بعض الاعمال الفنية، تضاف زخارف يدوية او عناوين مكتوبة على كعب الكتاب باستخدام الذهب او الالوان، وهي مرحلة تحتاج الى خبرة طويلة وحس فني رفيع.

التحول الى التجليد الصناعي

مع الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، شهد فن تجليد الكتب تحولا جذريا، حيث دخلت الالات الحديثة التي سرعت عملية الانتاج وخفضت التكلفة. وظهر التجليد الالي الذي يعتمد على المواد الصناعية مثل الغراء الجاهز والاغلفة المصنعة. 

ورغم ان هذا التحول ساهم في نشر الكتب على نطاق واسع، الا انه ادى الى تراجع كبير في الاعتماد على التجليد اليدوي.

اسباب اندثار حرفة تجليد الكتب

يرجع اندثار حرفة تجليد الكتب الى عدة عوامل متداخلة، من اهمها التطور التكنولوجي وانتشار الطباعة الحديثة التي تعتمد على التجليد الالي منخفض التكلفة. كما اسهمت الكتب الرقمية والوسائط الالكترونية في تقليل الطلب على الكتب الورقية بشكل عام.

و يعاني الحرفيون من ضعف العائد المادي وقلة فرص التدريب، ما جعل كثيرا من الشباب يعزفون عن تعلم هذه الحرفة.

فن تجليد ابكتب

 كما ان اختفاء الورش القديمة من الأحياء التاريخية أسهم في تراجع حضور هذه المهنة في الحياة اليومية.

الاثار الثقافية لاندثار الحرفة

لا يقتصر اندثار حرفة تجليد الكتب على فقدان مهنة تقليدية، بل يمتد اثره الى فقدان جزء من الذاكرة الثقافية والتراث غير المادي. فكل كتاب مجلد يدويا يحمل بصمة انسانية تعكس عصره وبيئته، وهو ما لا يمكن تعويضه بالانتاج الالي.

جهود الحفاظ على فن التجليد

في السنوات الاخيرة، بدأت بعض المؤسسات الثقافية والمتاحف في الاهتمام بتوثيق فن تجليد الكتب، وتنظيم ورش تدريبية ومعارض للحرف اليدوية، كما ظهرت مبادرات فردية لاعادة احياء التجليد اليدوي، خاصة في مجال ترميم المخطوطات والكتب النادرة.

 

الرابط المختصر

search