ترفع فيه أعمال العباد إلى الله عز وجل
شعبان شهر ختام السنة الإيمانية
السبت، 24 يناير 2026 03:36 م
شعبان ترفع فيه أعمال العباد
ذكرت وزارة الأوقاف المصرية، أن شهر شعبان، يبرز في هذا الزمن الذي تشتد فيه الملهيات، كمحطة لمراجعة النفس وتصفية الحسابات الإيمانية قبل دخول الموسم الأكبر “شهر رمضان المبارك”، وقد أشار الله تعالى في كتابه إلى شرف الزمان وأهمية تقديره في قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، وشهر شعبان من الأوقات التي يغفل عنها كثير من الناس، رغم أنه يمثل جسرًا روحيًا حيويًا بين شهر رجب الحرام وشهر رمضان المبارك.

وقالت إنه محطة إيمانية فارقة وجسر روحي، يربط بين عظمة شهر رجب وبركات شهر رمضان، حيث ترفع فيه أعمال العباد السنوية إلى الله عز وجل وتُطوى فيه صحائف العام، وتكمن أهميته في كونه فرصة ذهبية للمؤمن، لمراجعة نفسه وتصحيح مساره، بعيدًا عن غفلة الناس، مما يجعله الاختبار الحقيقي لصدق العبودية، والتهيؤ النفسي لاستقبال نفحات شهر الصيام، لذا يبرز شهر شعبان كبوابة للفوز وموسم لتطهير القلوب وتأهيل الأبدان، ليدخل المسلم مدرسة رمضان بقوة ونشاط وهو في أوج عطائه الإيماني.
وأوضحت أن حكمة الله تتجلى في جعل هذا الشهر "منفسحًا" للأعمال، حيث يقع بين شهر حرام (رجب) وشهر صيام (رمضان)، مما يجعله وقتًا للاختبار الحقيقي في العبادة بعيدًا عن ضجيج المواسم المشهورة، وهذا ما أكده النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن كثرة صيامه فيه، ليوجه الأنظار إلى قيمة "الوقت المنسي" الذي يغفل عنه الناس، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلمَ أراد أن يسعد الزمان بأن يشيع فيه لونا من العبادة فلا يجعله أقل من الأزمنة الأخرى. [تفسير الشعراوي، ٢/٨٨٤].
وقد ورد عن السلف تعظيم هذا الشهر لكونه المقدمة الطبيعية لرمضان، فكانوا يرون فيه فرصة لتطهير القلوب وتأهيل الأبدان، يقول لؤلؤ بن عبد الله الساكت: "سمعت أبا بكر الوراق البلخي يقول: شهر رجب شهر للزرع، وشعبان شهر سقي الزرع، ورمضان شهر حصاد الزرع". [لطائف المعارف، ابن رجب الحنبلي، ص ١٢١].
كما أن خصوصية شعبان تأتي من كونه شهرًا "محفوفًا" بموسمين عظيمين، مما يجعل الطاعة فيه أشق على النفس وأعظم في الأجر، لأن العبادة في وقت الغفلة من فضائل الأعمال التي يختص بها المقربون، وقد قال ابن رجب الحنبلي: " أفضل التطوع ما كان قريبًا من رمضان قبله وبعده وذلك يلتحق بصيام رمضان لقربه منه وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها فيلتحق بالفرائض في الفضل وهي تكملة لنقص الفرائض". [لطائف المعارف، ابن رجب الحنبلي، ص ١٢٩].
شعبان يمثل الحصاد السنوي والشامل
وقالت إن شهر شعبان يرتبط بحدث عظيم يهتز له وجدان المؤمن، وهو "الرفع السنوي للأعمال" إلى الله عز وجل، فالأعمال تُرفع في كل يوم وليلة (رفع يومي)، وتُرفع كل اثنين وخميس (رفع أسبوعي)، ولكن شعبان يمثل الحصاد السنوي والشامل، وقد ورد ذلك صراحة في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما حين قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ! قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ». [سنن النسائي، رقم ٢٣٥٧].
ومشيرة إلى أن هذا الرفع يعني أن صحيفة العام الإيماني تُطوى لتعرض على ملك الملوك، مما يجعل من شعبان "نهاية السنة الإيمانية" بامتياز، فالمؤمن الحريص هو من يجتهد في إغلاق ملفاته السنوية بأحسن حال، مستحضرًا عظمة الله الذي لا يخفى عليه شيء، كما قال سبحانه ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ﴾ [يونس: ٦١]
وعن الحسن البصري رحمه الله في ذكر عرض الأعمال، كان يبكي ويقول: "يا ابن آدم، إنما أنت صحيفة، فإذا طويت جف القلم، فانظر ما الذي يرفع في صحيفتك"، وهذا الرفع السنوي هو بمثابة التقرير النهائي للعبد قبل دخول مدرسة رمضان، فمن ختم سنته بالتوبة والصيام، نال القبول في بدايته الجديدة. [ابن أبي الدنيا، كتاب التوبة، ج ١، ص ٨٨].
ويضيف العلماء في شرح "الرفع" أن الله عز وجل بفضله جعل هذه المواعيد (اليومية، والأسبوعية، والسنوية) ليتدارك العبد ما فاته، فشهر شعبان هو الفرصة الأخيرة قبل الجرد الكبير، وكأن المؤمن يقول: يا رب، إن قصرت في رجب أو ما قبله، فها أنا في شعبان أختم عامي بالصيام والقيام. [فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، ج ٤، ص ٢١٥].
شهر شعبان في الهدي النبوي
وأوضحت الأوقاف أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يخص شعبان بعبادة مكثفة لم تكن تظهر في غيره من الشهور، حتى قالت السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: «فَما رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَكْمَلَ صِيامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَما رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيامًا منه فِي شَعْبانَ»، وفي رواية أخرى: «فَإِنَّهُ كانَ يَصُومُ شَعْبانَ كُلَّهُ». [البخاري، (١٩٦٩)، (١٩٧٠)].
والحكمة من هذا الصيام النبوي المكثف، هي تعظيم شأن "رفع الأعمال"، وتزيين اللحظة الختامية للعام الإيماني بعبادة الصيام التي هي سر بين العبد وربه، وقد فسر العلماء هذا الحرص النبوي بأنه نوع من "التمرين" لرمضان، ومن جهة أخرى هو تقديم "حسن ختامي" لأعمال العام، فإذا رُفعت الصحيفة وكان آخرها صيامًا وطاعة، كان ذلك أرجى للقبول والمغفرة. [فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، ج ٤، ص ٢١٣].
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ» [سنن الترمذي، الإمام الترمذي، (٧٣٦)]، وهذا التتابع يشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يربط ختام العام الإيماني (شعبان) ببداية الموسم الأكبر (رمضان)، ليكون العبد في حالة اتصال دائم بربه دون انقطاع، وليؤكد أن المسلم لا ينبغي أن يفتر قبل الوصول إلى الغاية.
شعبان في حياة الصحابة والسلف الصالح
وعن أهمية شعبان في حياة الصحابة والسلف الصالح، قالت وزارة الأوقاف: لم يكن الصحابة والتابعون ينظرون لشعبان كشهر عادي، بل كانوا يلقبونه بـ "شهر القراء"، حيث كانوا يتفرغون فيه لقراءة القرآن وتهيئة القلوب، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان المسلمون إذا دخل شعبان انكبوا على المصاحف فقرأوها، وأخرجوا زكاة أموالهم تقوية للضعيف والمسكين على صيام رمضان". [لطائف المعارف، ابن رجب الحنبلي، ص ١٤٣].
ويروى عن عمرو بن قيس الملائي أنه كان إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن، وكان يقول: "طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان"، [تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، الزيلعي، ج ١، ص ٣٣١]، وهذا الفعل يدل على أن السلف فهموا أن "نهاية السنة الإيمانية" تتطلب عزلة مؤقتة عن شواغل الدنيا لإتمام الجرد الروحي.
وعن سلمة بن كهيل قال: "كان يقال شهر شعبان شهر القراء"، [لطائف المعارف، ابن رجب الحنبلي، ص ١٤٣]، وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال: "هذا شهر القراء"، فكانوا يستعدون بختمات القرآن الكريم ليكون لسانهم رطبًا بذكر الله عند دخول رمضان، وليضمنوا أن أعمالهم التي ترفع في شعبان مزينة بكلام الله.
وقال المعلى بن الفضل عن حال السلف مع هذه الشهور: "كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعون ستة أشهر أن يتقبل منهم"، وهذا يضع شعبان في قلب هذه الدعوات، فهو الشهر الذي يسبق رمضان مباشرة، وفيه يشتد الإلحاح بالدعاء والعمل الصالح ليكون الختام مسكًا والبدء نورًا". [لطائف المعارف، ابن رجب الحنبلي، ص ٢٠٤].
وعن ختام السنة الإيمانية في شعبان، أكدت وزارة الأوقاف أن ذلك يتطلب خطة عملية تبدأ بالتوبة النصوح ومراجعة المظالم مع الخلق، فالله تعالى يقول: ﴿وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، فالتوبة هي المسح الشامل لذنوب العام قبل أن ترفع الصحف، لتكون صحيفة المؤمن بيضاء نقيّة عند العرض على الرحمن.
وأضافت أنه يجب أن يتضمن هذا الختام، الاستعداد النفسي والبدني، فلا يُعقل أن يدخل المرء مضمار رمضان وهو مثقل بتبعات الغفلة في شعبان، لذا كان السلف يوصون بتطهير القلوب من الشحناء، ففي الحديث: «إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» [ابن ماجه، (١٣٩٠)]، وبذلك يكون شعبان هو الفرصة الأخيرة لترميم ما انكسر من عبادات طوال العام، ليرفع العمل والقلب سليم ومستعد للعطاء.
يقول ابن رجب الحنبلي في نصيحة بليغة: "يا من ضيع عمره في غير طاعة، يا من فرط في زرعه حتى ضاع، ارجع قبل أن يرفع العمل، فإن شعبان هو المهلة الأخيرة قبل الحصاد"، وهذا يوجب على المسلم ألا يمر عليه يوم في شعبان دون طاعة أو ذكر أو صلة رحم، لأن كل دقيقة قد تكون هي الكلمة الأخيرة في صحيفة عامه المنصرم. [لطائف المعارف، ابن رجب الحنبلي، ص ١٤٥].
وشددت على أن العبرة بالخواتيم، وأن شعبان هو خاتمة العام الإيماني قبل رمضان، فاجعل لسان حالك يقول مع النبي صلى الله عليه وسلم: «فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»، [عبد الرزاق، المصنف، (٨١٦٤)]، واجعل قلبك متعلقًا بقوله تعالى: ﴿وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ﴾ [التوبة: ١٠٥].
اقرأ أيضا:
دار الإفتاء ترد على منتقدي الدعاء المشهور بليلة النصف من شعبان
تعرف على حكم الاحتفالِ بليلة النصف من شعبان وصيامِ نهارها
مد فترة مسابقة الإعجاز البياني والحقائق العلمية في القرآن والسُّنَّة عن البحار
جناح الأزهر يقدم كتاب الأربعون الإدارية بمعرض الكتاب 2026
جناح الأزهر الشريف يبدأ أولى فعالياته الثقافية والفكرية بمعرض الكتاب 2026
منطقة القاهرة الأزهرية تفتتح فعاليات بانوراما الأزهر بمعرض الكتاب 2026
جناح الأزهر يعرض كتاب الزهرة العليا في التحذير من متاع الحياة الدنيا
خطبة الجمعة لوزارة الاوقاف غدا 23 يناير 2026م ـ 4 شعبان 1447هـ
دار الإفتاء تدرب طلاب ولاية صباح الماليزية على مناهج الفتوى المعتمدة
أمين عام هيئة كبار العلماء: ندرة المؤهلين أدت إلى تعذر الوصول إلى درجة المفتي المطلق
موعد أول أيام شهر رمضان المبارك 2026م فلكيا
استطلاع هلال شعبان الليلة، وما هو أول أيامه فلكيا؟
الإفتاء توضح حكم الصيام في رجب وشعبان
فتوى تاريخية عن حكم قراءة سورة الكهف يوم الجمعة للشيخ حسن مأمون
الرابط المختصر
آخبار تهمك
تعرف على أسعار الفراخ البيضاء والبلدي اليوم السبت 24 يناير
24 يناير 2026 04:00 ص
سعر الذهب يصل لرقم قياسي اليوم ويختم علي سعر غير مسبوق عالميًا
24 يناير 2026 02:30 ص
تحليل: الأسواق العالمية تبحث عن إشارات حاسمة في ظل خليط من محفزات متباينة
23 يناير 2026 02:43 م
ارتفاع جديد في أسعار الذهب اليوم الجمعة 23 يناير
23 يناير 2026 05:00 ص
ارتفاع جديد في أسعار الذهب اليوم الجمعة 23 يناير
23 يناير 2026 05:00 ص
تعرف على أسعار الفراخ البيضاء والبلدى اليوم الجمعة 23 يناير
23 يناير 2026 04:00 ص
الأكثر قراءة
-
عماد رجب يكتب: مصر في أفريقيا، تكامل وشراكة تاريخية موثوقة
-
موعد نتيجة الصف الأول الثانوي 2026 في الدقهلية الترم الأول
-
موعد نتيجة الصف الثاني الثانوي 2026 في الدقهلية الترم الأول
-
رابط نتيجة الصف السادس الابتدائي في الجيزة عبر بوابة التعليم الاساسي
-
تعرف على حكم الاحتفالِ بليلة النصف من شعبان وصيامِ نهارها
أكثر الكلمات انتشاراً