الأحد، 25 يناير 2026

02:18 م

الدكتورة أميمة منير جادو تكتب: رثاء الأم في الشعر العامي، سامح هريدي نموذجا

الأحد، 25 يناير 2026 10:32 ص

دكتورة أميمة منير جادو

دكتورة أميمة منير جادو

  (دراسة تحليلية نقدية)

المقدمة الأكاديمية: شعر الرثاء ومكانة رثاء الأم
أولًا ـ تعريف الرثاء وأصالته الكلاسيكية
الرثاء (مَرْثِيَة / مرثية) هو أحد أقدم الأغراض الشعرية التي عرفتها الأدب العربي منذ العصر الجاهلي، ويُعرّفُ بأنه إعلان الحزن والندب على فَقْدٍ مُحبّب، ومحاولة للتعبير عن الوجدان الإنساني تجاه الموت سواء كان موت رجلٍ فاضل أو قريبٍ عزيز. الرثاء في السياق العربي الكلاسيكي لم يكن مجرد بكاء، بل نشيدُ ثناءٍ وتأبينٍ ومناجاةٍ تعمل لغة الشاعر على جسر الفقد والمعنى في الوقت نفسه، فتنتقل من مجرد حالة عاطفية إلى فعل أدبي ذا بنى رمزية وعميقة.

ثانيًا ـ تطور الرثاء من الجاهلية إلى العصر الحديث
1. في الجاهلية والانتقال الإسلامي
في الشعر الجاهلي، كان الرثاء غالبًا موجّهًا إلى الأبطال الشجعان والقادة، كأن تقول الخنساء في أخيها صخر:
ألا إنّ صخرًا لتأتمّ الهداة به  كَأنّه علمٌ في رأسه نارُ
هنا تحضر صورة الفقد المزدوج: فقد الإنسان وفقدُ قيمته في المجتمع، إذ يصبح الندب ثناءً وبكاءً ودرة فخر في الوقت نفسه.
وفي أوائل التاريخ الإسلامي، ظلّ الرثاء غالبًا ما يستدعي الشهيد والحاضر المؤثر في الجماعة، لكن مع اتساع دائرة الشعر وتعدد موضوعاته، بدأ الشعراء يُعبّرون عن الرثاء الخاصّ بالأسرة والذات، كما في رثاء النساء لأهلهن، أو حتى لأبنائهن.
2. رثاء الأم في التراث العربي
واحدة من أهم صور الرثاء في أدب العرب هي رثاء الأم، لما تمثّله من رمزٍ للحياة والحنان والثبات. وقد كتب بعض كبار الأدباء نصوصًا في هذا الغرض، منها:
أ. الشريف الرضي في رثاء والدته فاطمة بنت الناصر
يقول في تمجيد احساسه ومشاعره:
أبكي حتى موتٍ عليكِ مماتُ
 أسألُ ما يشفي نفسي من سَقاتِ
أبحثُ لها عن ثوبٍ من دَمِعٍ
 قد ظَمِأَتْ إليهِ ارْتِساقُ
القصيدة تمزج بين البكاء والإيمان، وبين الحسّ الفردي والحضور الاجتماعي للمرأة الأمّ، وتُظهر النزعة العاطفية بوضوح.
ثالثًا ـ نماذج تاريخية موثوقة في رثاء الأم
1. نزار قباني — رثاء الأم
نزار قباني، في نصوصه الحديثة، تناول رثاء الأم بلغةٍ عاطفيةٍ مباشرة بلا تكلف:
أمّاهُ… لو عدتُ طفلًا  لجلستُ في حضنك الدافئ
هذا النص عند قباني لا يكتفي بوصف الفقد، بل يستعيد الحنان والدفء كمكوّن مركزي للوجود. (يُعرف هذا البيت عن دواوين قباني، وهو متداول في دراسات شعره)، يرتبط بالرثاء الشخصي والحنين.
ملاحظة: يمكنك التوسع في هذا السياق من خلال دراسات نقدية منشورة عن قباني، مثل: Mustafa Said, Critical Perspectives on Nizar Qabbani.
2. عبد الرحمن الأبنودي — رثاء الأقرباء
يُعرف الشاعر المصري عبد الرحمن الأبنودي بتوظيفه العامية المصرية في الشعر، وقد كتب نصوصًا عاطفية كثيرة تعبر عن فقد الأقارب، منها قصيدة بعنوان (قلب الأم) وأخرى بعنوان (أمي الأبنودي) التي وردت فيها أبيات مثل:
وأمى والليل مليل  طعم الزاد القليل  بترفرف قبل ترحل  جناح بريشات حزانى
وتعكس الطبيعة الحميمية للرثاء اليومي بلسانٍ شعبيٍ قوي.
وقصيدة يامنة التي رثى فيها عمة له بأسلوب طباقي بين البساطة والاندفاع الوجداني تُعد من أشهر قصائده التي تحكي قصة حياة وأنفاس شخصية محبوبة قبل الفقد.
رابعًا ـ نشوء رثاء الشخصيات غير القريبة في ثقافات أخرى
في الأدب الأوروبي، ظهر مفهوم الرثاء أيضًا، كما في Adonais لقصيدة بيرسي بيش شيللي (رثاء الشاعر جون كيتس)، وهناك أيضًا نصوص كثيرة في الإنجليزية مثل Remember لكريستينا روسيتي التي تتناول رثاء الأم بنبرة تأملية عميقة.
دراسة معمّقة:تجربة سامح هريدي وأداء الدويتو مع أسماء كامل

أولًا: سياق الأداء الصوتي (الدويتو) ودلالته
من أهم ما يميّز نصّ سامح هريدي هو أنّه لم يُكتب ليُقرأ صامتًا فقط، بل أُدي صوتيًا مع شاعرة أخرى  أسماء كامل، ما يجعل النص ليس مجرد كتابة رثائية، بل أداءًا شعريًا مشتركًا.
هذا الأداء يعزز من:
البلاغة التمثيلية للمشهد عبر تعدد الأصوات.
الاستجابة العاطفية لدى الجمهور بوجود حوار متداخل بين الصوتين
التصدي المزدوج للفقد لا بصوت واحد بل بصوتين يوازيان التجربة الإنسانية المشتركة في فقد الأم.
ثانيًا  تعدد الأصوات كإجراء جمالي
يمكن تقسيم النص إلى مراحل حضور صوتين مختلفين:
1. صوت أسماء: صوت المواساة والإنكار الأولي
"أمك ماماتتش  دي بتضحك.. والوش منور  ولا بدر بدور"
يستخدم هذا الصوت التخفيف من وقع الفقد عبر تشبيه الحالة بالضوء والنور والملاك، وهو تعبير عن الرفض النفسي للموت في لحظته الأولى
2. صوت سامح : صوت الفقد والصدمة
"وأنا واقف تايه وسطيهم  ميت وبحاول اهديهم"
الصوت هنا ينزاح نحو الوجع الذاتي، إذ يتحوّل الرثاء من استعادة حكاية الأم إلى تصوير كيفية تفتّت الذات أمام الحدث
3. الصوتان معًا — صوتان في توثيق الألم
في المشاهد اللاحقة، يتحول النص إلى حوارٍ فني بين الصوتين، يمتزج الوجدانُ الجماعي مع الفردي.
ثالثًا عناصر جمالية بارزة في نص هريدي 
1. المكان كحضورٍ حيّ
"كل حيطان الشارع بتلومني  وتطمني"
تحضر الصورةُ كما لو كانت البيئة كلها تشارك في الحزن، وهو ما يعكس تأثر الرثاء بالجوانب الحياتية اليومية
2. الأشياء بوصفها ذاكرة حية
الأشياء الصغيرة: السبحة والشال والكرسي هي في النص حوامل للذاكرة تمحو الفاصل بين الحضور والغياب.

رابعًا ـ التناص الديني والروحي:

يأتي التناص الديني في النص ليس كزينة لغوية، بل كجزء من الوعي الوجداني للشاعر في مواجهة الموت:
"طب آية الكرسي قريتها لها؟"
هذه الإحالة إلى نصوص دينية تُظهر كيف يلتجئ الوجدُ إلى الطمأنة الروحية في لحظة الفقد.
خامسًا ـ الزمن بعد الفقد: استمرار الوجع
في الجزء الأخير من النص، ينتقل الشاعر من لحظة الحدث إلى امتداد الزمن بعد الفقد:
"عشر سنين دلوقت
وكأنها إمبارح"
التكرار هنا يعمل كأسلوب بلاغي يعكس ثِقَل الزمن على الوجدان بعد فقد الأم، وتجعلنا أمام زمنٍ لا يشفى فيه الجرح.
*خاتمة تحليلية :
في شعر الرثاء، سواء في التراث القديم أو المعاصر، تتكرّر صورة الأم بوصفها موضوعًا مركزيًا للوجدان الإنساني؛ شخصًا تختزن الذاكرة حضورها، وتُعيد الكلمةُ بناءها بعد الغياب، ليس فقط بوصفها فقدًا، بل بوصفها وجودًا ممتدًّا في الوعي اليومي والأشياء.
قصيدتا سامح هريدي واسماء تجسّدان هذا الاتجاه:
يتجاور الصوتان في سرد متداخل
يتحرّر النص من حدود اللغة المكتوبة وحدها
يتحوّل الرثاء إلى أداء وآنية صوتية
يصوغ علاقة جديدة مع الذكرى والحياة
وهذا ما يجعل هذه التجربة جزءًا مهمًا في تطور الشعر العامي المعاصر ضمن تقاليد الرثاء العربي. 
-----
رؤية نقدية للقصيدة الثانية

-تحليل تفصيلي بنيوي ودلالي
-تكثيف الاستشهادات النصية (بنصها كما ورد)
-تعميق التناص (الديني، الثقافي، الطقوسي)
-تفكيك جماليات الزمن، الذاكرة، والطقس
-قراءة القصيدة الثانية بوصفها نصًّا مستقلًا ومكمّلًا لا ذيلًا للأولى


**الرثاء بعد اكتمال الفاجعة:
من صدمة الموت إلى طقس الذاكرة**
قراءة معمّقة في القصيدة الثانية من رثاء الأم
(سامح هريدي – دويتو مع أسماء كامل)

أولًا: موقع القصيدة الثانية في البنية الكلية
إذا كانت القصيدة الأولى تؤسس لـ لحظة الموت (Moment of Death)،  فإن القصيدة الثانية تؤسس لما يمكن تسميته بـ:
زمن ما بعد الفقد  (Post-traumatic Time)
هي قصيدة لا تبدأ من الحدث، بل من أثره بعد عشر سنوات:
"عشر سنين دلوقت  وف نفس هذا الوقت"
هنا لا يعمل الزمن بوصفه تسلسلًا كرونولوجيًا، بل بوصفه زمنًا دائريًا مغلقًا؛ عشر سنوات لم تُحدث مسافة، بل أعادت إنتاج اللحظة نفسها.

ثانيًا: الزمن الطقوسي لا الزمني
القصيدة الثانية لا تُبنى على السرد، بل على الطقس؛  وهو ما يظهر بوضوح في استدعاء تفاصيل يومية ثابتة:
"الفجر هيأدن  صحي العيال تشرب  وبعد ما يصلوا  أمانة يدعولي  ساعة الفطار بالظبط"
هذه ليست ذكريات عابرة، بل نظام حياة كامل كانت الأم مركزه.  الزمن هنا ليس ماضيًا، بل عادة مقدسة.
وهنا يظهر تناص ثقافي عميق مع مفهوم البركة في الوعي الشعبي والديني؛  فالأم ليست فقط حاضرة بالحب، بل بتنظيم الزمن نفسه.

ثالثًا: التناص الديني بوصفه بنية داخلية
التناص الديني في القصيدة الثانية أعمق وأكثر تشابكًا من الأولى، ويظهر في ثلاث مستويات:
1. التناص الطقوسي (الشعائري)
"الفجر هيأدن"  "وبعد ما يصلوا"  "مكانك في الجامع محفوظ"
الزمن اليومي يُقاس بالعبادة، والأم مرتبطة بها لا بوصفها واعظة، بل ضامنة للانتظام الروحي.
2. التناص الدعائي
"سامع دُعا قلبك  وكأنه طير سارح  واصل لباب السما"
وهنا تناص واضح مع التصور الإسلامي لصعود الدعاء، دون اقتباس مباشر، بل عبر صورة شعرية.
3. التناص القدَري
"لله يا حببتي تملي الأمر"
يتحوّل الرثاء من احتجاج إلى تسليم واعٍ، لا يلغي الألم، بل يحتويه.

رابعًا: جمالية التفاصيل الصغيرة (Poetics of Details)
القصيدة الثانية تقوم – في جوهرها – على تفكيك الغياب عبر الأشياء، ولكن بشكل أعمق وأكثر هدوءًا من القصيدة الأولى.
مثال مركزي:
"كوباية القهوة المظبوطة  محطوطة مكانها ومتنقليتش"
هنا لا نرثي الأم، بل نرثي توقف الحركة.  الكوب لم يُرفع، لأن اليد التي كانت ترفعه غابت.
ومثله:
"الدمعة على خدود الراديو  لسه منشفيتش"
أنسنة الراديو هنا ليست بلاغة فقط، بل اعتراف بأن البيت كله حزين.

خامسًا: الأم بوصفها ذاكرة جمعية لا فردًا
في هذه القصيدة، لا تعود الأم مجرد أم الشاعر، بل تتحول إلى:
ذاكرة الحي
ذاكرة الشارع
ذاكرة المسجد
ذاكرة العائلة
"ملامحك ساكنة في كل الحي"  "الشارع واقف مستنظر"
هذا التحول يضع النص في تماس مع الرثاء الجمعي، حيث يغدو الفقد حدثًا اجتماعيًا لا شخصيًا فقط.

سادسًا: الانكسار الوجودي بعد الأم
من أعمق مقاطع القصيدة، وأكثرها قسوة فلسفيًا:
"كأني يعني خيال  أو ضل مش باين  الحمل مني مال  وطريقي مش باين"
هنا لا يبكي الشاعر الأم، بل يفقد تعريفه لنفسه.  الأم كانت مرآة الهوية، وبعدها:
"أنا روحي عند الباب  واقفة هاتفتحلك"
الذات نفسها متوقفة في انتظار عودة مستحيلة.

سابعًا: تفكيك مقولة التعويض
القصيدة تدخل في حوار صريح مع خطاب اجتماعي شائع:
"مين قال الأم  م السهل تتعوض"
ثم تأتي الإجابة الحاسمة:
"كلام ورب الكعبة  مالهوش يا غالية أساس"
هنا موقف فكري واضح:  الأم ليست قابلة للتعويض، لا زمانًا ولا بشرًا.

ثامنًا: التناص مع رثاء الأم في الشعر العربي
تتقاطع هذه الرؤية مع نماذج موثوقة في التراث:
مع محمود درويش في استدعاء التفاصيل اليومية
مع الأبنودي في جعل الأم نظام حياة لا صورة مثالية
ومع نزار قباني في انكشاف الهشاشة بعد الغياب
لكن خصوصية سامح هريدي هنا تكمن في:
طول النفس النصي
تحويل الرثاء إلى سيرة غياب
استخدام العامية كأداة صدق لا تبسيط

تاسعًا: الدويتو في القصيدة الثانية
على عكس القصيدة الأولى، يقلّ التناوب الصوتي هنا، ويذوب صوت «أسماء كامل» في نسيج النص، لتتحول من صوت مواساة إلى:
شاهدٍ على الاستمرار
وهو تطور ذكي؛ إذ لم تعد لحظة صدمة، بل زمن معيش.

خاتمة معمّقة
القصيدة الثانية ليست امتدادًا زمنيًا للأولى فقط، بل نقلة نوعية:
من المشهد إلى الطقس
من الصراخ إلى الهمس
من الفاجعة إلى الوجع المزمن
إنها قصيدة تقول، بوعي شعري ناضج:
الموت حدثٌ…  لكن غياب الأم حالة.
------
الرثاء بوصفه طقسًا لغويًا وذاكرةً جمعية
دراسة نقدية أكاديمية في قصيدتي رثاء الأم للشاعر سامح هريدي (دويتو مع الشاعرة أسماء كامل)

المقدمة النظرية: شعر الرثاء من الندب إلى بناء المعنى
يُعدّ شعر الرثاء من أقدم الأغراض الشعرية في الأدب العربي، وأكثرها التصاقًا بالتجربة الإنسانية المباشرة، إذ نشأ بوصفه استجابة لغوية أولى لصدمة الموت، ثم تطوّر ليغدو فضاءً تأمليًا يعيد فيه الإنسان مساءلة الوجود، والذاكرة، والمعنى.  وقد ميّز النقاد القدامى – وفي مقدمتهم ابن قتيبة في الشعر والشعراء – الرثاء بوصفه الغرض الذي «يَصْدُق فيه القول، لأن الباعث عليه حقيقي لا مُتَصنَّع».
وفي هذا السياق، يرى عبد القاهر الجرجاني أن قوة الرثاء لا تكمن في الزخرف البلاغي، بل في قدرة النظم على تمثيل الوجدان، أي تحويل الشعور إلى بناء لغوي متماسك (دلائل الإعجاز).

رثاء الأم: خصوصية الغرض ومركزيته
يحظى رثاء الأم بمكانة خاصة داخل الرثاء، لأن الأم – كما يبيّن إحسان عباس في دراساته عن الأغراض الشعرية – ليست موضوعًا شعريًا فحسب، بل بنية شعورية كاملة:  هي الأصل، والذاكرة، والطقس اليومي، والضمانة الأخلاقية.
ولذلك تأتي مراثي الأمهات غالبًا:
طويلة النفس
قليلة الزخرفة
مشحونة بالتفاصيل اليومية
كما في قول محمود درويش (مُشكَّل):
أَحِنُّ إِلَى خُبْزِ أُمِّي،  وَقَهْوَةِ أُمِّي،  وَلَمْسَةِ أُمِّي.
(درويش، أوراق الزيتون)

تموضع تجربة سامح هريدي داخل هذا السياق
تنتمي قصيدتا سامح هريدي إلى الرثاء الحديث الممتد، لا بوصفه لحظة بكاء، بل بوصفه سيرة غياب، تُكتب عبر:
مشهد الموت
طقس العزاء
زمن ما بعد الفقد (عشر سنوات)
ويزداد النص ثراءً باختياره الأداء الثنائي (الدويتو) مع الشاعرة أسماء كامل، لا باعتبارها شخصية سردية، بل صوتًا شعريًا موازيًا.

أولًا: التحليل البنيوي – بنية المشهد والصوت
1. المشهد الافتتاحي: صدمة الدخول في الموت
«وصحيت على رنة تليفون  من رؤية غريبة ومش واضحة  على صوت مفزوع  أمك عايزاك»
يفتتح النص بما يمكن تسميته اللحظة الصفرية للفقد.
الرؤية: «غريبة ومش واضحة»
الصوت: «مفزوع»
الزمن: فجريّ غير مُسمّى
وهذا ما يصفه بول ريكور بـ الزمن المصدوم (Temps traumatique).

2. تفكك الذات أمام الحدث
«وساعتها بقيت زي المجنون  معرفش لبست بسرعة أزي»
اللغة هنا مكسورة عمدًا، لأن الوعي نفسه متشقق.  الفعل يسبق التفكير، وهي سمة أساسية في شعر الصدمة.

ثانيًا: تعدد الأصوات (البوليفونية الشعرية)
النص يقوم على توزيع واعٍ للصوت:
سامح: صوت التجربة الأصلية
أسماء كامل: صوت المواساة والإنكار والاحتواء
الصوت المشترك: الذاكرة الجماعية
مثال واضح:
«أمك ماماتتش  دي بتضحك.. والوش منور  ولا بدر بدور»
هنا تؤدي أسماء وظيفة كسر حدّة المشهد، لا نفي الموت، بل تأجيله نفسيًا.

ثالثًا: التناص الديني (غير المباشر)
يحضر الدين في النص بوصفه لغة طمأنة لا خطابًا وعظيًا:
«طب آية الكرسي قريتهالها؟»  «وبنبض القلب تقولي آمين»  «كان كلي يقين إن الجلطة  مش ممكن تمنع م التلقين»
هذا تناص وظيفي مع طقوس الاحتضار الإسلامية، دون اقتباس مباشر، وهو ما يمنح النص صدقًا شعوريًا.

رابعًا: سيمياء الأشياء (الرموز اليومية)
الأم تُستعاد عبر أشيائها:
«السبحة انفرطت دمعتها»  «عكازها المحني»  «جلابيتها»  «كوباية القهوة المظبوطة  محطوطة مكانها ومتنقليتش»
وفق منظور رولان بارت (بلاغة الصورة)، تتحول الأشياء هنا إلى علامات ذاكرة.

خامسًا: المكان بوصفه شاهدًا حيًا
«كل حيطان الشارع بتلومني  وتطمني»  «سلالم بيتنا كمان واقفه  وبترفض خطوتنا»
المكان ليس خلفية، بل فاعلًا شعوريًا، وهو ما يضع النص في تماس مع مفهوم شعرية المكان عند غاستون باشلار.

سادسًا: القصيدة الثانية – زمن ما بعد الفقد
1. الزمن الدائري
«عشر سنين دلوقت  وكأنها إمبارح»
الزمن لا يُشفي، بل يعيد إنتاج الجرح.

2. الطقس اليومي بدل الحدث
«الفجر هيأدن  صحي العيال تشرب  وبعد ما يصلوا  أمانة يدعولي»
الأم هنا منظِّمة الزمن، لا ذكرى عابرة.

3. انكسار الهوية بعد الأم
«كأني يعني خيال  أو ضل مش باين  الحمل مني مال  وطريقي مش باين»
غياب الأم = اهتزاز تعريف الذات.

سابعًا: تفكيك خطاب التعويض
«مين قال الأم  م السهل تتعوض»  «كلام ورب الكعبة  مالهوش يا غالية أساس»
موقف فكري واضح يرفض التسطيح الاجتماعي للفقد.

ثامنًا: مقارنة بنماذج موثوقة
الخنساء :
وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ  كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ
عبد الرحمن الأبنودي (من روحه الرثائية):
الأبنودي جعل الأم نظام حياة لا صورة مثالية، وهو ما يلتقي مع هريدي في مركزية التفاصيل.

الخاتمة
قصيدتا سامح هريدي – في بنيتهما، لغتهما، وأدائهما – تمثلان نموذجًا متقدمًا لـ رثاء الأم بوصفه نصًا ممتدًا في الزمن، لا ينتهي عند الموت، بل يبدأ منه.
إنها تجربة:
صادقة
غير متكلفة
مشغولة بالذاكرة لا البلاغة
وتؤكد أن:
الأم لا تُرثى… بل يُعاد بناؤها في اللغة.
-----
سؤال ناقد لا قارئ،
لا تسأل: هل القصيدة جميلة؟ بل: هل هي منضبطة عَروضيًا؟ وكيف نُقيِّمها؟
أولًا: تحديد الإطار العَروضي الصحيح
# القصيدتان مكتوبتان بالعامية المصرية  وبالتالي لا يجوز إخضاعهما بحرفية إلى:
بحور الخليل الستة عشر
ولا التفعيلات الفصيحة الصارمة
إذن المدخل النقدي الصحيح هنا هو:
عَروض الشعر العامي / الإيقاع الشفهي / الوزن السمعي
وهو ما اشتغل عليه:
صلاح جاهين
فؤاد حداد
عبد الرحمن الأبنودي
سيد حجاب

ثانيًا: هل النص موزون أم نثري؟
النتيجة المختصرة الواضحة:
🔹 النص ليس نثرًا شعريًا  🔹 وليس ملتزمًا ببحر خليلي واحد  🔹 لكنه قائم على إيقاع داخلي منتظم نسبيًا  🔹 ويعتمد على وحدات إيقاعية متقاربة تُؤدَّى شفهيًا
أي:
نحن أمام قصيدة عامية ذات وزن سمعي مرن، لا قصيدة تفعيلة فصيحة ولا نثر.

ثالثًا: فحص الإيقاع عمليًا (نماذج)
مثال 1 (مقطع افتتاحي):
وصِحيتْ على رَنّة تليفون  من رُؤية غريبة ومِش واضحة  على صوت مفزوع  أمّك عايزاك
إذا قرأناها قراءة أدائية، نجد:
الاعتماد على وحدة نبرية قصيرة
توقفات مقصودة (Pause)
كسر السطر لخدمة المشهد لا الوزن
الإيقاع هنا إيقاع مشهدي لا إنشادي.
✔️ محسوب فنيًا  
✖️ غير صالح للإنشاد العمودي

مثال 2 (مقطع أكثر انتظامًا):
أنا واقف تايه وسطيهم  ميت وبحاول أهدّيهم  وبقول الشمس إزاي هتغيب  إزاي الجبل اللي ساندنا ينهار ويسيب
هنا نلاحظ:
تقارب عدد المقاطع الصوتية
تكرار البناء النغمي
قافية داخلية (تايه/ميت – أهدّيهم/وسطيهم)
✔️ هذا مقطع أقرب إلى الوزن المنتظم 
✔️ يصلح للإلقاء الإيقاعي

مثال 3 (من القصيدة الثانية – إيقاع طقوسي):
عشر سنين دلوقت  وكأنها إمبارح  سامع دُعا قلبك  وكأنه طير سارح
هذا مقطع واضح الإيقاع جدًا:
وحدة قصيرة متكررة
تعتمد على التوازي
تصلح للترتيل الشعري
✔️ محسوب إيقاعيًا  ✔️ قريب من أسلوب الأبنودي في المراثي

رابعًا: ما الذي يُحسب للنص عروضيًا؟
✅ الإيجابيات
وجود نبض إيقاعي ثابت في معظم المقاطع
حسن استغلال الوقفة والصمت
التناسب بين الإيقاع والحالة الشعورية  (الكسور في الوزن تأتي غالبًا مع الصدمة، لا عبثًا)
القصيدة تنجح أداءً أكثر من قراءة صامتة
مناسبة تمامًا للدويتو والإلقاء الجماعي

خامسًا: وما الذي يُؤخذ عليه؟
* المآخذ العَروضية (بصراحة علمية)
عدم توحيد الإيقاع داخل المقطع الواحد أحيانًا
بعض الأسطر تطول دون مبرر إيقاعي
الاعتماد الزائد على الكسر الأدائي
ما يصلح فوق المسرح قد يضعف على الورق
غياب قافية ضابطة في مقاطع طويلة
خاصة في القصيدة الثانية
تفاوت واضح بين مقاطع شديدة الإحكام وأخرى أقرب للنثر الإيقاعي
# هذه ليست أخطاء قاتلة  لكنها ملاحظات نقدية مشروعة

سادسًا: هل كان يمكن ضبطها على بحر عامي محدد؟
نعم — لو أراد الشاعر — كان يمكن:
تقطيع بعض المقاطع على إيقاع قريب من:
مجزوء الرجز (عامي)
أو الخبب الإيقاعي لكن الواضح أن الشاعر تعمد عدم الالتزام، لأن:
الوزن الصارم كان سيخنق المشهد  بينما المرونة خدمت الصدمة والرثاء.

سابعًا: الحكم النقدي النهائي
عَروضيًا:
❌ ليست قصيدة موزونة خليليًا
❌ ليست منضبطة تفعيليًا
✅ قصيدة عامية ذات إيقاع شفهي معتبر
✅ تنجح أداءً أكثر من ورقيًا
فنيًا:
الإيقاع خادم للمعنى، لا سيد عليه  وهذا اختيار واعٍ، لا عجزًا تقنيًا.
المراجع
ابن قتيبة – الشعر والشعراء
عبد القاهر الجرجاني – دلائل الإعجاز
إحسان عباس – تاريخ النقد الأدبي عند العرب
محمود درويش – أوراق الزيتون
غاستون باشلار – جماليات المكان (ترجمة غالب هلسا)
رولان بارت – بلاغة الصورة
بول ريكور – الذاكرة، التاريخ، النسيان

* باحث اكاديمي وعضو اتحاد كتاب

القاهرة ـ السبت ٢٤ يناير ٢٠٢٦

الرابط المختصر

search