دكتور إيهاب أنور يكتب: الذكاء الاصطناعي يرتدي حلة فرويد
الإثنين، 23 فبراير 2026 02:28 م
دكتور إيهاب أنور
التعامل مع الذكاء الاصطناعي كـ“طبيب نفسي”، قد يتحول من أداة مساعدة إلى مخاطرة،
خصوصًا في حالات الاكتئاب الحاد، اضطرابات الشخصية، الذهان، أو الأفكار الانتحارية.
لأنك ببساطة تستبدل كيانًا بشريًا مدرّبًا على قراءة الإشارات الدقيقة (النبرة، التردد، التناقضات، لغة الجسد)، بخوارزمية تعتمد على نص مدخل. النص لا ينقل الارتعاشة في الصوت ولا نظرة الانطفاء في العين.
لم يتحول الذكاء الاصطناعي إلى طبيب نفسي، لأنه أدرك أعماق النفس البشرية، بل لأن الإنسان وجد في التكنولوجيا مهربا من صعوبة قرار العلاج النفسي من الأساس، والانتظار المطول، وازدحام العيادات، إضافة إلى التكلفة والوصمة الاجتماعية التي لا تزال تثقل كاهل من يحتاج المساعدة.
في ظل إحصاءات تكشف أن أكثر من نصف الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية خفيفة إلى متوسطة، لا يحصلون على رعاية متخصصة. ظهرت تطبيقات الذكاء الاصطناعي كبديل سريع: محادثة فورية، متاحة في أي وقت، دون أسئلة محرجة أو أحكام مسبقة. لكنها في النهاية تبقى ملجأ مؤقتًا للراحة، وليس بديلًا عن العلاج الجذري الذي يقدمه الإنسان للإنسان.
الاحصائيات تقول إن معدلات القلق والاكتئاب عالميًا، ارتفعت بأكثر من 25% خلال السنوات الاخيرة، وفي المقابل ارتفع استخدام تطبيقات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لاغراض "الدعم النفسي" بوتيرة اسرع من أي خدمة علاجية تقليدية. السوق قرر ببساطة أن الالم النفسي فرصة للاستغلال التقني، وأن الجلسة يمكن اختصارها في نافذة دردشة.
لكن خلف هذه الأرقام اللامعة، توجد قصص مأساوية.
في إحدى الحالات التي نوقشت إعلاميًا في أوروبا، اعتمد شاب في العشرينات على دردشة ذكية لعدة أشهر بدل مراجعة مختص نفسي، رغم معاناته من اكتئاب متصاعد وأفكار ايذاء ذاتي. الردود كانت دائمًا هادئة، متفهمة، ومطمئنة. ومع تأخر التدخل البشري حدثت لحظة الانهيار الكامل. المشكلة لم تكن في "رد خاطئ"، بل في رد مطمئن في الوقت الخطأ.
وفي حالة أخرى تداولتها تقارير تقنية، استخدمت سيدة تعاني من قلق حاد، الذكاء الاصطناعي كبديل للعلاج بسبب تكلفة الذهاب لمعالج نفسي. ومع الوقت، بدأت تلجأ إليه قبل أي قرار، وأصبحت تشعر بالارتباك والذعر عند غيابه. هذه ليست راحة نفسية، هذا اعتماد عاطفي على نظام لا يعرف متى يتوقف.
المشكلة تبدأ عندما نخلط بين التعاطف اللغوي والفهم الحقيقي. الذكاء الاصطناعي لا يفهمك، هو فقط يجيد ترتيب كلمات تبدو وكأنها فهم. هو لا يشعر بالقلق وأنت تحكي، ولا يلاحظ التناقض حين تغير روايتك، ولا ينتبه للصمت الذي يقول اكثر مما تقوله الجمل.
ومع ذلك، يخرج المستخدم من المحادثة مقتنعًا أن هناك من "فهمه أخيرا". هذا الوهم بالذات أخطر من الاهمال، لأنه يمنح شعورا زائفًا بالأمان، والأمان الزائف يجعل الناس يتأخرون في طلب المساعدة الحقيقية.
ثم تأتي الطمأنة، ذلك المخدر الرقمي الأنيق. الذكاء الاصطناعي مبرمج ليكون لطيفا دائما، غير صدامي، متفهما مهما قلت. وهذه ميزة رائعة في خدمة العملاء، لكنها كارثة في العلاج النفسي. العلاج الحقيقي لا يربت على كتفك طوال الوقت، بل احيانا يهدم الصورة التي تحبها عن نفسك. الذكاء الاصطناعي لا يهدم شيئا، لأنه مصمم ليتجنب أي احتكاك. النتيجة أن المستخدم يشعر بتحسن مؤقت، بينما المشكلة الاساسية تترك لتنمو بهدوء، مثل مرض تم تسكين ألمه دون علاجه.
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. الاعتماد النفسي على تطبيقات الذكاء الاصطناعي يتسلل بهدوء. في البداية فضفضة، ثم استشارة، ثم عادة يومية. الذكاء الاصطناعي موجود دائما، لا يضع حدودًا، لا يقول "توقف"، ولا يشعر بأنك أصبحت تعتمد عليه اكثر مما ينبغي. في علم النفس، أي علاقة بلا حدود واضحة هي علاقة مختلة، لكن هنا لا يوجد شخص يلاحظ الاختلال، ولا طرف يتحمل المسؤولية.
وعندما نصل إلى الحالات الحرجة، تصبح السخرية سوداء. الاكتئاب الحاد، الأفكار الانتحارية، الهذيان، ونوبات الهلع كل ذلك لا يمكن شرحه كاملا كنصوص. المختص النفسي هو فقط من يقرأ ما لا يقال، يلاحظ التردد، ونبرة الصوت، ولحظة الانسحاب. الذكاء الاصطناعي لا يرى شيئًا من هذا. تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا تعرف متى يوقف الحوار ويقول إن الأمر أخطر من محادثة. أي تأخير هنا ليس خللا تقنيًا، بل فشلا إنسانيا كاملًا.
الحقيقة غير المعلنة أن الذكاء الاصطناعي في هذا الدور، هو قرار اقتصادي اكثر منه قرارًا علاجيًا. هو أرخص، أسرع، وقابل للتوسع بلا حدود. السوق يحبه، والاحصائيات تشجعه، لكن الذات البشرية ليست منتجًا رقميًا.
في النهاية، الذكاء الاصطناعي لا يدمرك لأنه خبيث، بل لأنه محايد اكثر من اللازم. هو لا يشعر بالخطر، لا يقلق عليك، ولا يتحمل أي مسؤولية. يواصل الحديث بأدب شديد، بينما الازمة الحقيقية تحتاج إنسانًا يلاحظ، يتدخل، ويتحمل العواقب. أخطر ما في الذكاء الاصطناعي كطبيب نفسي أنه لا يخطئ بصوت عالٍ، بل يطمئنك بهدوء.. ويتركك تكتشف الحقيقة متأخرًا.
فعلى أي انسان يجد نفسه بحاجة إلى مساعدة، أن لا يتردد في الذهاب والحديث مع مختص ومعالج نفسي، حتى لا يقع في فخ مدعي فرويد العصر الحديث "الذكاء الاصطناعي".
- دكتوراه بالصحة النفسية من المملكة المتحدة ومعالج بالفن.
الرابط المختصر
آخبار تهمك
الرقابة المالية تشكل لجنة لإعداد نظام موحد لـ5 مجمعات تأمين
11 سبتمبر 2026 03:28 م
سعر الذهب اليوم في مصر.. آخر تحديث لعيار 21 والجنيه الذهب
11 سبتمبر 2026 02:05 م
طرح 21 وحدة صناعية جاهزة بالفيوم بنظام الإيجار والتقديم إلكترونيًا
11 سبتمبر 2026 11:57 ص
سعر اليورو اليوم أمام الجنيه في البنوك واستقرار نسبي بالأسواق
11 سبتمبر 2026 11:48 ص
وزير التخطيط: الاقتصاد المصري يحقق نموًا 5.1%.. و5 قطاعات تقود التحول الاقتصادي
11 سبتمبر 2026 10:53 ص
سعر الذهب عيار 21 اليوم الجمعة.. تحديث جديد للأسعار في مصر
11 سبتمبر 2026 10:49 ص
الأكثر قراءة
-
هنا جودة تودع السلسلة العالمية لتنس الطاولة بعد خسارة مثيرة أمام تشينتونج تشين
-
دي زيربي يهاجم الإعلام بسبب ريتشارليسون
-
سفيان بن جديدة غاضب في الأهلي.. المهاجم المغربي يشتكي من عدم تعاون زملائه
-
جامعة دمنهور تستعرض الخريطة الأكاديمية لكلية التربية وتعلن عن 9 أقسام علمية و18 برنامجا لإعداد معلم متميز
-
طلاب هندسة اتصالات بطيبة العالي يبتكرون روبوت ذكي للرعاية الطبية
-
من الأهلي إلى أوروبا وأمريكا.. 10 لاعبين رحلوا عن القلعة الحمراء وأين يلعبون الآن؟
-
3 مدربين خارج الدوري المصري بعد 4 جولات.. قرارات مبكرة تفرض نفسها على الأندية
-
هنا جودة تودع السلسلة العالمية لتنس الطاولة بعد خسارة مثيرة أمام تشينتونج تشين
-
خاص.. جلسة مرتقبة بين ياسين منصور وعموتة بحضور عبدالحفيظ لمناقشة تراجع الأداء
-
سفيان بن جديدة غاضب في الأهلي.. المهاجم المغربي يشتكي من عدم تعاون زملائه
-
من الأهلي إلى أوروبا وأمريكا.. 10 لاعبين رحلوا عن القلعة الحمراء وأين يلعبون الآن؟
-
رابط نتيجة المرحلة الثالثة لتنسيق القبول بالجامعات 2026
-
3 مدربين خارج الدوري المصري بعد 4 جولات.. قرارات مبكرة تفرض نفسها على الأندية
-
أسعار الفاكهة والخضروات اليوم في الأسواق المصرية
-
طقس السبت 12 سبتمبر 2026.. استمرار الانخفاض الطفيف في درجات الحرارة
أكثر الكلمات انتشاراً