الأحد، 01 مارس 2026

03:57 ص

د.أميمة منير جادو تكتب: المفارقة الأخلاقية بين الواجب والمصلحة عند د.سمير القاضي

الأحد، 01 مارس 2026 12:26 ص

د.أميمة منير جادو

د.أميمة منير جادو

هي قراءة في بنية الاحتجاج الاجتماعي في قصيدة «الطناش المبين»
(من ديوان أنا وبوسي والحبة الزرقاء للشاعر سمير القاضي)
وهي قصيدة لافتة فعلًا… وفيها نفس السخرية المرة  ،  بدلا من العاطفة الرومانسية فيها نقد اجتماعي مباشر وقاسٍ.
القصيدة تنتمي إلى شعر الاحتجاج الاجتماعي ذي النزعة الواقعية الساخرة؛ حيث تتحول العلاقة الطبية من رسالة إنسانية إلى علاقة نفعية مزدوجة المعايير. النص لا يهاجم فردًا بعينه، بل يكشف نموذجًا أخلاقيًا مأزومًا في البنية المؤسسية.
اللافت أن الشاعر لا يصرّح بالحكم الأخلاقي مباشرة، بل يبنيه عبر تراكم المشاهد اليومية: مظهر، سلوك مهني، خطاب تبريري، ثم مفارقة ختامية. هذه تقنية درامية أقرب إلى المشهد المسرحي القصير.

أولًا: بنية الخطاب الاحتجاجي (الاستفهام الاتهامي)

القصيدة تقوم على توالي الأسئلة التي لا تنتظر جوابًا، بل تؤسس إدانة أخلاقية:
“وليه تشخط وتتأمر… وتبقى كل يوم قرفان”  “وليه بتطنش المرضى… وإيه أغلى من الإنسان؟”
هنا يتحول الاستفهام إلى أداة محاكمة؛ إذ يضع المخاطَب داخل دائرة مساءلة عامة.  السؤال الأخير تحديدًا يصوغ معيارًا قيميًا مطلقًا: الإنسان أعلى من كل المبررات، وهو ذروة الحجاج في النص.

ثانيًا: ثنائية الظاهر والباطن (المفارقة السلوكية)
أقوى مستويات الدلالة تتجلى في التضاد بين سلوك الطبيب صباحًا وليلاً:
“شغلك ليه بتهمل فيه… وبتقول الجهاز عطلان ؟”  “وبالليل إنت في عيادتك… تبقى سعيد وزي عادتك”
المفارقة هنا ليست لغوية فقط، بل مؤسساتية:
في المستشفى العام → إهمال وتبرير.
في العيادة الخاصة → نشاط ورضا.
هذه البنية تكشف تحوّل الخدمة الصحية من حق اجتماعي إلى سلعة فردية.  وهو طرح نقدي واضح لاقتصاد الرعاية الصحية، لكن بلغة يومية لا تنظير فيها.

ثالثًا: الواقعية اللغوية بوصفها أداة إدانة
الشاعر يتعمّد العامية القريبة من خطاب الشارع:
“بتكشَّر” — “قرفان” — “مرتبك تعبان”
هذه المفردات ليست للزينة، بل لتأكيد أن الأزمة معاشة يوميًا وليست فكرة نظرية.  اللغة هنا تقوم بدور توثيقي، أشبه بما تفعل الأغنية الاجتماعية المباشرة التي تحبينها عند فريد أو عبد الوهاب حين يلتقطان وجع الناس دون تعقيد بلاغي.

رابعًا: تفكيك خطاب التبرير
القصيدة تعرض حُجج الطبيب ثم تُسقطها أخلاقيًا:
“قلت الشغل مش عاجبك… لأن مرتبك تعبان”
النص لا ينكر صعوبة الواقع، لكنه يرفض أن تتحول المعاناة الاقتصادية إلى مبرر لإهدار قيمة الإنسان.  هنا يتجلى البعد الفلسفي: صراع الواجب المهني مع المصلحة الفردية.

خامسًا: الرمز المادي بوصفه علامة فساد وظيفي
تفصيلة “جهاز الضغط” ليست تفصيلة عابرة:
“(جهاز الضغط) بتخبيه… ولا مرة بتكشف بيه”
الأداة الطبية تتحول إلى رمز للمعرفة المعطَّلة عمدًا.  أي أن الإهمال ليس عجزًا بل قرارًا.

سادسًا: البناء الإيقاعي ووظيفته
التكرار الصوتي في القوافي العامية (“قرفان – عطلان – العيان – الإنسان – تعبان – سهران”) يصنع إيقاعًا دائريًا خانقًا يعكس رتابة الأزمة واستمرارها.  هذا الإيقاع البسيط يخدم وظيفة دلالية: المشكلة ليست حادثة، بل نمط متكرر.

التقييم الاحترافي
نقاط القوة
وضوح الرؤية الأخلاقية دون خطاب مباشر وعظي.
استخدام المفارقة بوصفها محركًا دلاليًا رئيسيًا.
اقتصاد لغوي يخدم الفكرة ولا يزاحمها.
نجاح الاستفهام الاحتجاجي في بناء توتر درامي.
ملاحظة نقدية موضوعية  النص يعتمد على المباشرة الدلالية أكثر من الرمز المركّب؛ وهذا يمنحه قوة تأثير جماهيري، لكنه يقلل من احتمالات التأويل المتعدد التي تميز الشعر الرمزي العميق. ومع ذلك، هذا خيار فني منسجم مع طبيعة الاحتجاج.

خلاصة الرؤية
القصيدة ليست عن طبيب بعينه، بل عن انقسام الضمير المهني حين تتغلب المنفعة على الرسالة.  الإنسان — كما يصرّ النص — ليس بندًا إداريًا بل قيمة عليا لا يجوز تعطيلها تحت أي ذريعة.
-----
ملحق القصيدة
الطناش المبين .**
د سمير القاضي

بتيجي الصبح متكدَّر  بدون أسباب وبتكشَّر
وليه تشخط وتتأمر  وتبقى كل يوم قرفان

(جهاز الضغط) بتخبيه  ولا مرة بتكشف بيه
وشغلك ليه بتهمل فيه  وبتقول الجهاز عطلان

ومش عاوز تلمِّ الدور  وليه طنشت يا دكتور
ولا بتكشف هنا بالدور  ولا بتريَّح العيان

ومين يقبل ومين يرضى  ومين يتحمِّل الفوضى؟
وليه بتطنش المرضى  وإيه أغلى من الإنسان؟

وليه أهملت في واجبك  وهو تقيل على قلبك؟
وقلت الشغل مش عاجبك  لأن مرتبك تعبان

وبالليل إنت في عيادتك  بتبقى سعيد وزي عادتك
تحب الشغل وسيادتك  في نص الليل تكون سهران

**من ديوان انا وبوسي والحبة الزرقاء  
----

الرابط المختصر

search