الجمعة، 31 يوليو 2026

12:00 ص

القومي للمسرح المصري يناقش «مسرح المجتمعات المحلية» ضمن مسار «وصلة»

الخميس، 30 يوليو 2026 11:09 م

ندوة مسرح المجتمعات المحلية

ندوة مسرح المجتمعات المحلية

ضمن فعاليات الدورة التاسعة عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري، برئاسة الفنان محمد رياض، أقيمت ندوة بعنوان «مسرح المجتمعات المحلية»، ضمن مسار «وصلة»، وأدارها الشاعر والباحث الدكتور مسعود شومان، بمشاركة المخرج أحمد إسماعيل، والمخرج أسامة عبد الرؤوف، والفنان شنودة عادل، حيث ناقشت الندوة مفهوم مسرح المجتمعات المحلية، وتجارب تطبيقه في الأقاليم المصرية، ودوره في التنمية الثقافية، وتعزيز المشاركة المجتمعية، واكتشاف الطاقات الإبداعية داخل البيئات المحلية.

مسعود شومان: المجتمع شريك في صناعة العرض وليس مجرد متفرج

استهل الدكتور مسعود شومان الندوة مؤكدًا أن عنوانها يثير العديد من الإشكاليات، خاصة ما يتعلق بمصطلح «مسرح المجتمعات المحلية»، الذي أثار نقاشات واسعة حتى قبل انعقاد الندوة، موضحًا أن المصطلح ليس جديدًا، وإنما يقابله عالميًا مفهوم Community Theatre، وله جذور راسخة في الدراسات المسرحية، ويتقاطع مع عدد من المفاهيم، مثل المسرح الشعبي، والمسرح الإقليمي، ومسرح الجماهير، كما يرتبط في بعض جوانبه بالمسرح الأنثروبولوجي.

وأوضح أن المقصود بمسرح المجتمعات المحلية هو ممارسة مسرحية تشاركية تنطلق من واقع مجتمع بعينه، يشارك أفراده في صناعة العمل المسرحي، بهدف التعبير عن قضاياهم وإيجاد حوار بينهم وإحداث أثر اجتماعي وثقافي وتنموي، مشيرًا إلى أن المجتمع في هذا النموذج لا يكون مجرد جمهور يتلقى العرض، بل يصبح شريكًا في إنتاجه وصناعته.

وأضاف أن هذا الاتجاه يستند إلى عدد من الروافد، من بينها المسرح الشعبي، والمسرح التربوي، والمسرح التنموي، ومسرح المقهورين، والأفكار المرتبطة بالتربية التحررية، التي تقوم على الحوار والمشاركة بدلاً من التلقين، لافتًا إلى أن هذا النوع من المسرح انتشر منذ سبعينيات القرن الماضي في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، قبل أن يصبح إحدى أدوات التنمية الثقافية في العديد من الدول.

وأشار إلى أن من أبرز سمات مسرح المجتمعات المحلية أنه ينطلق من احتياجات الناس أنفسهم، ويعتمد على مشاركة الأهالي في جمع الحكايات وكتابة النصوص والتمثيل والموسيقى، كما يستثمر التراث المحلي من أمثال وأغانٍ وحكايات ورقصات وطقوس وسير شعبية، ولا يشترط وجود مسرح مجهز، إذ يمكن تقديمه في ساحة قرية أو مركز شباب أو مدرسة أو شارع أو جمعية أهلية.

وأكد أن هذا المسرح لا يستهدف الترفيه فقط، بل يعمل على الحفاظ على الهوية الثقافية، وتنمية المشاركة المجتمعية، ورفع الوعي، ومعالجة القضايا المحلية، واكتشاف المواهب، وإحياء التراث، وتعزيز الانتماء للمكان، فضلًا عن تناوله موضوعات مثل التعليم، والبيئة، والمياه، والهجرة، والبطالة، والعنف، وحقوق المرأة، والحرف التقليدية، والتعايش المجتمعي.

كما استعرض الفروق بين المسرح التقليدي ومسرح المجتمعات المحلية، موضحًا أن الأخير يُصنع مع الجمهور وليس من أجله فقط، وأن نصوصه تتطور بالمشاركة الجماعية، وقد يشارك في تقديمها أبناء المجتمع أنفسهم، بينما يعتمد المسرح التقليدي غالبًا على نصوص ثابتة وممثلين محترفين، مؤكدًا في الوقت نفسه أن هذا النموذج يواجه تحديات تتعلق بالتمويل، واستدامة الفرق، والتوازن بين الجودة الفنية والمشاركة المجتمعية، إلى جانب صعوبة توثيق العروض التي تعتمد على الارتجال.

أحمد إسماعيل: علاقتي بالمجتمع بدأت من قريتي قبل أن تبدأ من خشبة المسرح

وتحدث المخرج أحمد إسماعيل عن تجربته الممتدة مع المسرح المجتمعي، موضحًا أن اهتمامه بعلاقة المسرح بالجمهور بدأ منذ سنوات دراسته بالمعهد العالي للفنون المسرحية، عندما أجرى بحثًا حول جمهور المسرح في مصر، واكتشف أن نسبة رواد المسرح مقارنة بعدد السكان كانت محدودة للغاية، وهو ما دفعه إلى التساؤل حول كيفية وصول المسرح إلى الناس خارج العاصمة.

وأشار إلى أن بداياته الحقيقية تعود إلى قريته «شبرا بخوم»، حيث شارك منذ طفولته في فرقة للهواة، قبل أن يعيد إحياء نشاطها أثناء دراسته بالمعهد، من خلال جمعية تنمية المجتمع، مقدمًا عروضًا مسرحية شارك فيها أبناء القرية من مختلف الأعمار والمهن، حتى أصبحت التجربة جزءًا من الحياة الثقافية للمكان.

وأوضح أن تلك التجربة تطورت تدريجيًا، بداية من الحفلات المسرحية القصيرة، وصولًا إلى تقديم عروض كاملة، نجحت في تكوين جمهور محلي يؤمن بقيمة المسرح، مؤكدًا أن التجربة أثبتت أن بناء الجمهور يحتاج إلى تراكم واستمرارية، وليس إلى عروض موسمية.

وأضاف أن دراسته في فرنسا أتاحت له تعميق البحث في العلاقة بين العرض المسرحي والجمهور، حيث ركز على الخصائص الجمالية والاجتماعية لجمهور الريف، وهو ما انعكس لاحقًا على مشروعاته المسرحية التي سعت إلى إنتاج عروض تنطلق من خصوصية المكان وثقافته، وتستجيب لاحتياجات جمهوره.

أسامة عبد الرؤوف: المسرح المجتمعي وسيلة للتنمية واكتشاف الإنسان

واستعرض المخرج أسامة عبد الرؤوف تجربته مع مشروع «مسرح الجرن»، مؤكدًا أنه يمثل واحدًا من أهم المشروعات التي آمن بها، وسعى إلى تطبيقها في عدد من المحافظات، ومنها كوم أمبو، والوادي الجديد، وقنا، وشلاتين، وقوص، بهدف التنمية الثقافية، واكتشاف الطاقات الإبداعية داخل المجتمعات المحلية.

وأوضح أن التجربة لم تكن تقتصر على تقديم عروض مسرحية، وإنما كانت تنطلق من دراسة احتياجات كل مجتمع، والعمل مع أبنائه على إنتاج عروض تعبر عن قضاياهم اليومية، وتسهم في مواجهة التطرف، وتجفيف منابع الإرهاب، وترسيخ قيم الحوار والانتماء.

وتوقف عند عدد من المواقف التي عايشها خلال تلك التجارب، ومنها تجربة شلاتين، التي نجح خلالها في إشراك شباب المنطقة في صناعة عناصر العرض المسرحي، بدءًا من تصنيع الديكور وحتى المشاركة في الأداء، مؤكدًا أن نجاح المسرح المجتمعي يقاس بقدرته على إشراك الناس في الفعل الثقافي، وليس فقط بحجم الجمهور الذي يشاهد العرض.

كما روى تجربة مؤثرة في إحدى قرى محافظة قنا، حين قدم الأطفال عرضًا مسرحيًا تناول مشكلة غياب الخدمات الصحية، وانتهى بمبادرة أطلقتها طفلة صغيرة للتبرع من أجل إنشاء مستشفى بالقرية، وهو ما دفع الأهالي إلى التفاعل والمساهمة، معتبرًا أن تلك اللحظة جسدت قدرة المسرح على تحويل الوعي إلى فعل مجتمعي.

وأشار كذلك إلى تجربته في تأسيس «مهرجان مسرح الصعيد»، الذي استهدف دعم الفرق المسرحية المستقلة في محافظات الصعيد، من خلال مشاهدة العروض داخل المحافظات، واختيار أفضلها، وتنظيم ورش تدريبية في مجالات الإخراج والتمثيل والديكور والعرائس، بهدف تطوير الحركة المسرحية خارج العاصمة.

شنودة عادل: حولنا مقلب قمامة إلى مساحة ثقافية تجمع الأطفال والشباب

ومن جانبه، استعرض الفنان شنودة عادل تجربة «مركز الصخرة الثقافي» بقرية دير جبل الطير بمحافظة المنيا، موضحًا أن المشروع بدأ عام 2016 بهدف توفير أنشطة ثقافية وفنية داخل القرى المحرومة من الخدمات الثقافية، من خلال نادي سينما، وعروض مسرح العرائس، والسينما المتنقلة، وورش صناعة الأفلام باستخدام الهاتف المحمول.

وأوضح أن المبادرة انطلقت من شعور بمعاناة أبناء القرى، الذين يضطرون إلى السفر لمسافات طويلة للوصول إلى الفعاليات الثقافية، فكان الهدف هو نقل الثقافة إلى الناس داخل مجتمعاتهم، بدلًا من انتظار انتقالهم إليها.

وأضاف أن الفريق نجح، بالتعاون مع أهالي القرية، في تحويل أحد مقالب القمامة إلى حديقة ثقافية على مساحة نحو 600 متر، أصبحت تستضيف عروض السينما والمسرح والحكي والقراءة، واستقبلت آلاف الأطفال من القرية والقرى المجاورة، وأسهمت في خلق مساحة للتواصل بين الأهالي والشباب.

وأشار إلى أن المشروع توسع لاحقًا ليشمل عروضًا متنقلة لمسرح العرائس بعنوان «تياترو سلك»، يقوم الشباب والأطفال أنفسهم بتصميم العرائس وصناعتها وكتابة نصوصها وتسجيل أصواتها وتقديم عروضها داخل القرى، مؤكدًا أن هذه المشاركة عززت شعورهم بالمسؤولية والانتماء، ورسخت مفهوم الثقافة باعتبارها فعلًا مجتمعيًا يشارك الجميع في صناعته.

الرابط المختصر

search