الإثنين، 10 أغسطس 2026

12:29 م

إبراهيم الشقنقيري.. مخرج الحكايات الهادئة التي صنعت مكانها في ذاكرة الجمهور

الإثنين، 10 أغسطس 2026 10:16 ص

المخرج إبراهيم الشقنقيري

المخرج إبراهيم الشقنقيري

تحل اليوم، 10 أغسطس، ذكرى ميلاد المخرج إبراهيم الشقنقيري، أحد الأسماء التي تركت بصمة مميزة في تاريخ الدراما والسينما المصرية، بعدما قدم على مدار سنوات طويلة مجموعة من الأعمال التي اتسمت بالاهتمام بالتفاصيل الإنسانية والاجتماعية، ونجح من خلالها في بناء أسلوب إخراجي خاص، بعيدا عن الاستعراض، وقريبا من الشخصيات والحكايات التي تمس حياة الجمهور.

ولد إبراهيم الشقنقيري عام 1936، ورحل عن عالمنا في 8 فبراير 2018، عن عمر ناهز 81 عاما، بعد مسيرة فنية امتدت لعقود، تنقل خلالها بين السينما والتليفزيون والأفلام التسجيلية وأعمال الفيديو، تاركا وراءه رصيدا فنيا متنوعا يعكس اهتمامه بالإنسان والمجتمع.

من شغف السينما إلى عالم الإخراج

منذ سنواته الأولى، اختار إبراهيم الشقنقيري أن يسلك طريق الفن، ولم يكن اهتمامه بالسينما مجرد هواية عابرة، وإنما تحول مع الوقت إلى مشروع فني عمل على تطويره بالدراسة والممارسة.

وحصل الشقنقيري على ليسانس الآداب تخصص سينما من جامعة كاليفورنيا بأوكلاند عام 1960، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة في حياته، اتجه خلالها بصورة أكثر احترافية إلى عالم الإخراج، مستفيدا من دراسته الأكاديمية في تطوير أدواته ورؤيته الفنية.

ومع عودته إلى العمل الفني، خاض تجارب متعددة في مجالات الإخراج، وقدم أفلاما تلفزيونية وتسجيلية، إلى جانب الأعمال الدرامية والسينمائية، ليصبح مع مرور الوقت واحدا من المخرجين أصحاب التجربة المتنوعة.

أعمال سينمائية صنعت اسمه

في السينما، قدم إبراهيم الشقنقيري مجموعة من الأفلام التي حملت طابعا خاصا، من بينها فيلم «عين الحياة» عام 1970، ثم «أنا لا أكذب ولكني أتجمل» عام 1981، و«محاكمة علي بابا» عام 1984، و«فوزية البرجوازية» عام 1985.

وكان فيلم «أنا لا أكذب ولكني أتجمل» من الأعمال اللافتة في مسيرته، إذ تناول مجموعة من القضايا المرتبطة بالمجتمع والعلاقات الإنسانية، وهو ما كان يتقاطع مع اهتمام الشقنقيري بتقديم حكايات تحمل أبعادا اجتماعية وتتوقف عند تفاصيل الشخصية المصرية.

كما جاءت أعماله السينمائية لتؤكد قدرته على التعامل مع أنماط مختلفة من القصص والشخصيات، دون أن يفقد المخرج هويته الخاصة التي ارتبطت بالهدوء والتركيز على البناء الدرامي.

بصمة واضحة في الدراما التليفزيونية

لم تتوقف تجربة إبراهيم الشقنقيري عند السينما، بل كان للتليفزيون نصيب كبير من مشواره، حيث أخرج عددا من المسلسلات التي حققت حضورا لدى الجمهور، ومن أبرزها «علي الزيبق» عام 1985، إلى جانب «ساكن قصادي»، و«أرض النفاق»، و«حكايات مستر أيوب ومسز عنايات»، و«حكايات البنات».

واعتمد الشقنقيري في عدد من تجاربه الدرامية على الحكايات التي تنطلق من الواقع، وتضع الشخصيات في مواجهة ظروف اجتماعية وإنسانية مختلفة، وهو ما منح أعماله مساحة للتعبير عن هموم الناس وتفاصيل حياتهم اليومية.

ومن الأعمال التي عكست هذا الاتجاه مسلسل «لقيطة»، المأخوذ عن قصة للكاتب محمد عبد الحليم عبد الله، وبطولة زيزي البدراوي ومحمود مرسي، حيث قدم العمل معالجة درامية لقضية إنسانية واجتماعية شديدة الحساسية، في إطار يعكس اهتمام المخرج بالقضايا التي تحمل بعدا إنسانيا.

السينما التسجيلية.. جانب آخر من تجربته

لم تقتصر رحلة الشقنقيري على الأفلام الروائية والدراما التليفزيونية، فقد امتدت تجربته أيضا إلى مجال الأفلام التسجيلية، وهو المجال الذي أتاح له مساحة مختلفة للتعامل مع الواقع ورصد التفاصيل.

وكانت هذه التجارب جزءا مهما من تكوينه الفني، وأسهمت في صقل أدواته الإخراجية، خاصة في ما يتعلق بالملاحظة والتقاط التفاصيل وتقديم الموضوع بصورة تحمل رؤية واضحة.

جوائز وتكريمات خلال مسيرة طويلة

لم تمر تجربة إبراهيم الشقنقيري دون تقدير، إذ حصل خلال مشواره على عدد من الجوائز التي عكست مكانة أعماله، خاصة في مجال الأفلام التسجيلية والدراما.

ومن أبرز الجوائز التي حصل عليها جائزة مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي عن فيلم «اللحظة الخالدة» عام 1964، كما حصل على جائزة الدراما عن فيلم «الكتاب ذو الغلاف الجميل» عام 1965.

وفي عام 1968، نال جائزة مهرجان لينبيرغ في ألمانيا عن مجمل أعماله في مجال الأفلام التسجيلية، لتضاف إلى رصيده من التكريمات التي صاحبت مسيرته.

كما حصل على جائزة أفضل إخراج عن فيلم «استقالة عالمة ذرة» عام 1980، ثم جائزة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عن فيلم «أنا لا أكذب ولكني أتجمل» عام 1981، ليؤكد حضوره كمخرج قادر على تقديم أعمال تجمع بين القيمة الفنية والبعد الإنساني.

أسلوب خاص بعيدا عن صخب الشهرة

ربما لم يكن إبراهيم الشقنقيري من المخرجين الذين تصدروا المشهد الإعلامي بصورة مستمرة، إلا أن ذلك لم يمنع أعماله من أن تكون حاضرة في ذاكرة الجمهور.

فقد اعتمد في تجربته على العمل نفسه، وعلى قدرة الحكاية والشخصيات على الوصول إلى المشاهد، ولم يكن بحاجة إلى الحضور الإعلامي المكثف كي يثبت اسمه، إذ جاءت أعماله لتكون شاهدا على تجربته.

وكان اهتمامه بالشخصيات الإنسانية أحد أبرز ملامح مشواره، حيث لم تكن الحكاية بالنسبة إليه مجرد أحداث متتالية، وإنما مساحة لاكتشاف الإنسان ودوافعه وصراعاته وعلاقته بالمجتمع المحيط به.

إرث فني لا يزال حاضرا

رحل إبراهيم الشقنقيري في فبراير 2018، لكنه ترك خلفه مجموعة من الأعمال التي تعكس مسيرة مخرج اختار أن تكون بصمته هادئة، وأن يتحدث من خلال الكاميرا بدلا من الظهور أمامها.

وبين السينما والتليفزيون والأفلام التسجيلية، تنوعت محطات مشواره، وظلت أعماله شاهدة على جيل من المخرجين الذين تعاملوا مع الفن باعتباره وسيلة لرصد المجتمع وتقديم حكايات الإنسان المصري بمشاعره وأزماته وأحلامه.

وفي ذكرى ميلاده، يبقى اسم إبراهيم الشقنقيري مرتبطا بتجربة إخراجية لم تعتمد على الصخب، وإنما على التفاصيل والحكايات والشخصيات، وهي العناصر التي منحت أعماله فرصة للاستمرار في ذاكرة الجمهور، لتؤكد أن بعض المخرجين قد يختارون الابتعاد عن الأضواء، لكن أعمالهم تظل قادرة على الحديث عنهم لسنوات طويلة.

الرابط المختصر

search