الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

09:42 م

محمد رياض في ختام «القومي للمسرح».. من الوقوف على الخشبة إلى قيادة مهرجان يحتفي بأبو الفنون

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026 09:03 م

محمد رياض

محمد رياض

يسدل المهرجان القومي للمسرح المصري، اليوم، الستار على فعاليات دورته التاسعة عشرة، التي ترأسها الفنان محمد رياض، بعد أيام حافلة بالعروض المسرحية والندوات الفكرية والورش التدريبية والفعاليات الفنية، وضعت المسرح المصري بمختلف أجياله واتجاهاته في دائرة الضوء، وقدمت صورة واسعة عن الحراك الذي تشهده خشبات المسارح في مصر.

ومع وصول الدورة إلى محطتها الأخيرة، تبدو تجربة محمد رياض في رئاسة المهرجان جديرة بالتوقف أمامها، خاصة أن الرجل الذي عرفه الجمهور لسنوات طويلة ممثلًا يقف أمام الكاميرا وعلى خشبة المسرح، وجد نفسه في موقع مختلف تمامًا، يتحمل مسؤولية إدارة حدث يحتفي بالفنانين الذين اختاروا المسرح طريقًا للإبداع.

فبالنسبة لرياض، لم تكن رئاسة المهرجان مجرد مهمة إدارية أو منصبًا مرتبطًا بإدارة دورة سنوية، وإنما جاءت امتدادًا لعلاقة طويلة مع المسرح، جعلته يتعامل مع تفاصيل المهرجان من منظور فنان عاش التجربة بنفسه، ويعرف جيدًا معنى أن يقف الممثل أمام الجمهور، وأن يتحول النص إلى عرض حي، وأن تتداخل لحظة الإبداع مع ضغوط الإنتاج والتنظيم والاستعداد.

محمد رياض.. فنان يعرف تفاصيل الخشبة

تكتسب تجربة محمد رياض في رئاسة المهرجان خصوصيتها من خلفيته الفنية، فهو ليس مسؤولًا إداريًا ينظر إلى المسرح من بعيد، وإنما فنان خاض التجربة بنفسه، وعرف رهبة الوقوف أمام الجمهور، والتحديات التي تواجه الفنان منذ اختيار النص وحتى لحظة إسدال الستار.

وهذا الانتقال من موقع الممثل إلى موقع المسؤول عن مهرجان بحجم «القومي للمسرح» يفرض تحديات مختلفة تمامًا؛ فالممثل يتحمل مسؤولية الشخصية التي يؤديها، بينما يتحمل رئيس المهرجان مسؤولية منظومة كاملة تشمل اختيار العروض، وإدارة البرنامج، والتنسيق بين الجهات المشاركة، ومتابعة الفعاليات، والتعامل مع الفنانين والنقاد والجمهور.

ومن هنا جاءت أهمية تجربة رياض، الذي وجد نفسه مطالبًا بالموازنة بين رؤيته كفنان وبين متطلبات الإدارة والتنظيم، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الهدف الأساسي للمهرجان، وهو الاحتفاء بالمسرح المصري وإبراز تجاربه المختلفة.

الجمهور في مقدمة المشهد

كان الجمهور أحد الملفات المهمة التي فرضت نفسها خلال الدورة، انطلاقًا من أن نجاح أي حركة مسرحية لا يقاس فقط بعدد العروض أو الجوائز، وإنما بقدرتها على الوصول إلى المشاهد وإعادة المسرح إلى مكانته باعتباره فعلًا ثقافيًا وجماهيريًا في الوقت نفسه.

وشهدت الدورة اهتمامًا بتنظيم عملية حضور الجمهور، والاستفادة من أنظمة الحجز الإلكتروني، إلى جانب العمل على تطوير التجربة المرتبطة بالمسارح والعروض، بما يجعل زيارة المسرح أكثر سهولة وتنظيمًا.

وتكشف هذه الخطوة عن رؤية تتجاوز فكرة إقامة مهرجان لفترة محددة، إلى محاولة خلق علاقة أكثر استمرارية بين الجمهور والمسرح، خاصة في ظل المنافسة الكبيرة التي تفرضها المنصات الرقمية ووسائل الترفيه الحديثة.

الشباب.. الرهان على المستقبل

ولم تغب المواهب الشابة عن خريطة الدورة التاسعة عشرة، حيث احتلت الأجيال الجديدة مساحة مهمة من خلال العروض والورش والفعاليات المصاحبة، إلى جانب إتاحة الفرصة للحوار حول مستقبل المسرح المصري والتحديات التي تواجه صناعته.

ويظل دعم الشباب أحد الملفات الأساسية لأي مهرجان يسعى إلى الاستمرار، لأن المسرح لا يعيش فقط من خلال أسماء صنعت تاريخها، وإنما يحتاج باستمرار إلى دماء جديدة تحمل أفكارًا مختلفة وتعيد اكتشاف أدوات العرض والكتابة والإخراج والتمثيل.

ومن هذه الزاوية، حاولت الدورة أن تفتح مساحات أمام المواهب الجديدة، وتمنحها فرصة الاحتكاك بأسماء أكثر خبرة، بما يخلق حالة من التواصل بين أجيال المسرح المختلفة.

34 عرضًا ترسم ملامح المسرح المصري

وشهدت الدورة التاسعة عشرة مشاركة 34 عرضًا مسرحيًا ضمن المسابقة الرسمية، قدمت نماذج متنوعة من التجارب المسرحية، واختلفت في أساليبها ورؤاها ومدارسها الفنية.

هذا العدد الكبير من العروض وضع إدارة المهرجان أمام مسؤولية مضاعفة، ليس فقط من الناحية التنظيمية، وإنما فيما يتعلق بتقديم صورة متوازنة عن واقع المسرح المصري، بما يتيح للجمهور والنقاد اكتشاف تنوع التجارب الموجودة على الساحة.

فالمسرح المصري لا ينتمي إلى مدرسة واحدة، ولا يتحرك في اتجاه فني واحد، وإنما يضم تجارب مختلفة تتراوح بين الكلاسيكي والمعاصر، وبين العروض ذات الطابع الجماهيري والتجارب التجريبية، وهو التنوع الذي يمنح المهرجان أهميته باعتباره مرآة للحركة المسرحية في مصر.

الندوات والورش.. المهرجان مساحة للحوار

ولم تقتصر فعاليات الدورة على العروض المسرحية، إذ شكلت الندوات والورش جزءًا أساسيًا من البرنامج، باعتبار المهرجان مساحة للحوار وتبادل الخبرات، وليس مجرد منافسة بين العروض على الجوائز.

وتتيح هذه الفعاليات لصناع المسرح من أجيال واتجاهات مختلفة مناقشة قضايا الصناعة، والتحديات التي تواجه الفنان، ومستقبل المسرح، إلى جانب تطوير مهارات الشباب من خلال الورش التدريبية المتخصصة.

وبذلك يتحول المهرجان من مجرد حدث فني مؤقت إلى ملتقى يجمع الفنانين والنقاد والباحثين والجمهور، ويفتح نقاشًا حول حاضر المسرح وما يمكن أن يكون عليه في المستقبل.

الستارة الأخيرة.. ومرحلة التقييم

ومع إقامة حفل الختام على المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، وإعلان الجوائز وتكريم الفائزين، تصل الدورة التاسعة عشرة إلى نهايتها الرسمية، لكن نهاية المهرجان لا تعني بالضرورة انتهاء التجربة.

فالختام يمثل أيضًا لحظة للتقييم، وقراءة ما تحقق خلال أيام الدورة، وما نجح في الوصول إلى الجمهور، وما يحتاج إلى تطوير في الدورات المقبلة، خاصة أن المهرجان القومي للمسرح أصبح واحدًا من أهم المواعيد التي ينتظرها صناع المسرح المصري كل عام.

وبالنسبة لمحمد رياض، فإن إسدال الستار لا يعني انتهاء المهمة، وإنما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفكير في ما يمكن تقديمه لاحقًا، وكيف يمكن البناء على ما تحقق، ومعالجة التحديات التي ظهرت خلال الدورة.

محمد رياض.. من أمام الكواليس إلى خلفها

يعرف الجمهور محمد رياض من خلال أدواره الفنية ومسيرته الطويلة في التمثيل، لكن رئاسته للمهرجان أضافت إلى صورته جانبًا آخر، فلم يعد الفنان الذي يقف على الخشبة أو أمام الكاميرا فقط، وإنما أصبح جزءًا من المنظومة التي تعمل على حماية حضور المسرح واستمرار تأثيره.

وبين الممثل الذي يعرف معنى الوقوف تحت أضواء المسرح، والمسؤول الذي يعمل خلف الكواليس من أجل إنجاح مهرجان كامل، تتشكل تجربة محمد رياض في «القومي للمسرح»، لتؤكد أن العلاقة بالمسرح يمكن أن تتغير أدوارها، لكنها تظل في جوهرها علاقة شغف وانتماء.

ومع إسدال الستار على الدورة التاسعة عشرة، يبقى التحدي الحقيقي هو الحفاظ على هذا الحضور، وتحويل أيام المهرجان إلى أثر ممتد طوال العام، بحيث لا يصبح المسرح حاضرًا فقط خلال موسم المهرجان، وإنما يظل جزءًا أساسيًا من المشهد الثقافي والجماهيري المصري.

الرابط المختصر

search