الخميس، 20 أغسطس 2026

07:46 م

علاء البدري يكتب: “الكيان” فوق القانون والعدالة الدولية تحت الحصار

الخميس، 20 أغسطس 2026 07:26 م

رئيس التحرير

رئيس التحرير

البداية لن أطرحها ولن أصف ملامحها كما هي عادتي في الكتابة والسرد، ولن أتطرق فيها إلى بيانات الحكومات، وتصريحات السياسيين، وحسابات الجيوش، فقط دعونا ننظر سويا إلى المشهد بعين الإنسان العادي.

ماذا يرى هذا الإنسان “العادي” في ما تمارسه إسرائيل في غزة والضفة الغربية والجنوب اللبناني؟

يرى طفلاً تحت الأنقاض، وأسرة فقدت منزلها، ومستشفى تحول إلى مكان للموت، ومدينة كاملة تبحث عن ملامحها بين الركام. ويرى في غزة مشاهد تتكرر أمام عينيه كل يوم، ثم يرى في جنوب لبنان دمارا، يطال المنازل والمنشآت والبنية التحتية، ويمتد في بعض المناطق إلى معالم تاريخية وتراثية.

القارئ الذي يتابع هذه المشاهد لا يحتاج إلى خبير عسكري، أو وصفا صحفيا ليعرف أن هناك مأساة إنسانية كبرى.

ولا يحتاج إلى متخصص في القانون الدولي ليسأل سؤالا بسيطا: أين العدالة؟

ومن واقع سنوات طويلة أمضيتها في الصحافة، وفي متابعة الحروب والصراعات، والبحث في العلوم السياسية وقضايا الأمن، تعلمت أن أخطر ما تفعله الحروب ليس فقط تدمير المدن، وإنما إعادة تشكيل وعي الشعوب تجاه الحق والقوة والعدالة.

وهنا، في تقديري، تبدأ الحكاية الأخطر.

فالقضية لم تعد فقط في حجم الدمار الذي خلفته الحرب، وإنما في الصورة التي ترسخت في وعي الشعوب عن النظام الدولي نفسه.

لقد قيل لنا طوال عقود، إن هناك قانونا دوليا، ومحاكم دولية، واتفاقيات تحمي المدنيين، وقواعد تحرم استهدافهم، ومؤسسات يفترض أن تكون قادرة على محاسبة من يتجاوز هذه القواعد.

وخلال دراستي للقانون وعملي الصحفي الطويل، أدركت أن القانون لا يعيش في النصوص وحدها، بل يحتاج إلى مؤسسات لديها الإرادة على حمايته وقدرة على تطبيقه، وإلا تحول من قاعدة ملزمة إلى مجرد كلمات جميلة في الكتب والوثائق.

لكن ماذا يحدث عندما يكون الطرف المتهم إسرائيل؟

هنا تبدو الصورة مختلفة تماما.

فالولايات المتحدة، الحليف الأكبر لإسرائيل، لم تكتفِ بتقديم الدعم السياسي والعسكري والدبلوماسي، وإنما ذهبت إلى مواجهة المحكمة الجنائية الدولية، عندما اقتربت إجراءاتها من مسؤولين إسرائيليين، وصولا إلى فرض عقوبات أمريكية سافرة على مسؤولين مرتبطين بالمحكمة.

أما محكمة العدل الدولية، فقد أصدرت في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل تدابير مؤقتة تتعلق بالتزامات إسرائيل بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، وأصدرت أحكاما على الورق بحق حكام الكيان وبعض قياداته العسكريين.

ومع ذلك يبقى السؤال الذي يفرض نفسه علينا جميعاً: إذا كان القانون الدولي لا يستطيع أن يحمي قراراته، فمن يحمي القانون نفسه؟

لا أعتقد أن المواطن العربي وحده هو الذي يطرح هذا السؤال.

فالمشهد أصبح عالمياً.

المظاهرات في العواصم والجامعات، والأصوات التي خرجت من مجتمعات غربية قبل غيرها، تؤكد أن جزءا كبيرا من الرأي العام لم يعد يقبل بسهولة فكرة أن هناك قانونا للضعفاء وقواعد مختلفة للأقوياء.

وهنا تكمن خطورة ما يحدث.

إسرائيل تستطيع أن تحصل على الدعم الأمريكي، وهذا حق الولايات المتحدة في بناء تحالفاتها كما ترى مصالحها. لكن المشكلة تبدأ عندما يبدو هذا الدعم وكأنه يتقدم على اعتبارات القانون والإنسانية، والحق والعدل والإنصاف.

وعندما أقول ذلك، فأنا لا أقرأ المشهد من زاوية سياسية مجردة، وإنما من زاوية صحفي تابع الحروب والصراعات، ودرس العلوم السياسية، وقرأ القانون، وعرف أن أخطر شيء يمكن أن يحدث للنظام الدولي، هو أن تفقد الشعوب ثقتها في قواعده.

عندها لا تصبح القضية دفاعاً عن حليف فقط، وإنما تصبح اختبارا لمصداقية النظام الدولي كله.

وأنا هنا لا أطلب من القارئ أن يتبنى موقفاً سياسياً بعينه.

أطلب منه فقط أن ينظر إلى الصورة بعين الإنسان.

هل حياة الطفل في غزة أقل قيمة من حياة طفل آخر؟

هل المستشفى الذي يعالج المدنيين يفقد حمايته القانونية بسبب موقعه الجغرافي؟

هل التاريخ والآثار ودور العبادة تصبح بلا قيمة عندما تدخل السياسة والحرب إلى المشهد؟

هذه الأسئلة، في رأيي، أهم من كل البيانات السياسية.

لأن الحروب تنتهي في النهاية، والجيوش تعود إلى ثكناتها، والمدن يمكن أن تعيد بناء ما تهدم.

لكن هناك شيئاً أصعب في إعادة بنائه: ثقة الشعوب في العدالة.

ومن خلال تجربة صحفية امتدت لسنوات طويلة في متابعة ملفات الصراع والحروب، أستطيع القول إن فقدان الثقة أخطر أحيانا من فقدان المباني، لأن الركام يمكن رفعه، أما عندما يسقط الإيمان بالعدل والحق والإنصاف، فإن إعادة بنائه تحتاج إلى أجيال.

وإذا فقد الإنسان البسيط إيمانه بأن القانون يحميه، وأن العدالة لا تعرف حليفا أو خصما، فإن الخطر لن يكون على غزة وحدها، بل سيكون على العالم كله.

لذلك فإن ما يحدث في غزة ولبنان ليست فقط معركة على الأرض، وإنما معركة على معنى القانون، وعلى صورة العدالة، وعلى مستقبل النظام الدولي.

وفي النهاية.. دعونا نتفق على قاعدة واحدة لا تحتاج إلى سياسي ولا إلى قاضي أو جنرال:

العدل لا يكون عدلا إذا كان له معياران، والقانون لا يكون قانونا إذا كان يخضع لمن يملك القوة، هنا تحديدا، يقف ضمير العالم الجريح أمام الاختبار الأصعب.

وأخيرا أنهي كلماتي بمقولة قرأتها منذ سنوات طويلة ووقفت عند معناها متحسرا، رغم صغر سني حينها للمرحوم الكاتب الكبير أحمد بهجت في عموده الشهير "صندوق الدنيا": “إن مأساة النوع البشري، أن الذين يملكون القوة لا يملكون الحق، بينما الذين يملكون الحق لا يملكون القوة”.

الرابط المختصر

search