السبت، 22 أغسطس 2026

08:35 م

علاء ثابت مسلم يكتب: نُرضي الجميع ونخسر أنفسنا.. لماذا أصبح الإنسان أسيرًا لنظرة الآخرين؟

السبت، 22 أغسطس 2026 07:59 م

علاء ثابت مسلم

علاء ثابت مسلم

هل تتذكر آخر مرة قلت فيها «لا» دون أن تشعر بالذنب؟

ربما أصبحت الإجابة صعبة.

فالكثيرون يعيشون اليوم وهم يحسبون كلماتهم قبل أن ينطقوا بها، ويختارون تصرفاتهم وفقًا لما سيقوله الآخرون. نبتسم حين نريد البكاء، ونوافق حين نريد الرفض، ونقول «أنا بخير» بينما في الداخل أشياء كثيرة ليست بخير.

لماذا أصبح رضا الآخرين أهم من راحتنا؟

ولماذا نخشى أن يسيء أحد فهمنا أكثر مما نخشى أن نخسر أنفسنا؟

حين يتحول إرضاء الآخرين إلى أسلوب حياة

المشكلة لا تبدأ عندما نساعد الآخرين أو نحترم مشاعرهم.

المشكلة تبدأ عندما يصبح الإنسان غير قادر على اتخاذ قرار دون البحث عن موافقة المحيطين به.

يقبل ما لا يناسبه حتى لا يغضب أحدًا.

ويتحمل ما يفوق طاقته حتى لا يقال عنه أناني.

ويصمت عن حقه حتى لا يدخل في خلاف.

ثم يعود إلى منزله مثقلًا بأسئلة لا يسمعها أحد.

هل كان يجب أن أرفض؟

لماذا وافقت؟

ولماذا أهتم دائمًا بما يريده الآخرون أكثر مما أريد أنا؟

هنا تتحول المجاملة من قيمة جميلة إلى عبء ثقيل.

لماذا نخاف من نظرة الآخرين؟

منذ الصغر يتعلم الإنسان أن نظرة المجتمع مهمة.

نسمع عبارات مثل: «ماذا سيقول الناس؟» و«لا تفعل حتى لا يتحدث عنك أحد».

ومع مرور السنوات تتحول هذه العبارات إلى صوت داخلي يرافقنا في كل قرار.

نختار أحيانًا وظيفة لا نحبها لأن الآخرين يرونها أفضل.

ونتمسك بعلاقات انتهت لأن الانفصال عنها سيجعل البعض يتحدث.

وقد نشتري ما لا نحتاج إليه فقط حتى لا نشعر أننا أقل من غيرنا.

حتى أفراحنا أصبحت أحيانًا مرتبطة بنظرة الآخرين.

نريد أن نبدو ناجحين.

نريد أن نبدو سعداء.

نريد أن نبدو أقوياء.

لكن السؤال الأهم هو:

هل نحن فعلًا سعداء؟

السوشيال ميديا صنعت حياة مثالية لا وجود لها

تفتح هاتفك فتجد الجميع سعداء.

هذا تزوج.

وهذه سافرت.

وهذا اشترى سيارة جديدة.

وتلك بدأت مشروعًا.

وآخر يحتفل بنجاحه.

فتنظر إلى حياتك وتسأل نفسك: ماذا فعلت أنا؟

لكن الحقيقة التي ننسى رؤيتها أن مواقع التواصل تعرض اللحظة التي يريد صاحبها أن يراها الآخرون، وليس حياته كاملة.

أنت ترى الصورة.

ولا ترى القلق الذي سبقها.

ترى الاحتفال.

ولا ترى الأيام الصعبة.

ترى النجاح.

ولا ترى سنوات المحاولة.

وهنا تبدأ المقارنة الظالمة.

نقارن حياتنا كاملة بلحظة منتقاة من حياة شخص آخر.

ثم نحكم على أنفسنا بالفشل.

أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان

أخطر شيء ليس أن يرفضك الآخرون.

الأخطر أن ترفض أنت نفسك حتى تحصل على قبولهم.

عندما يصبح الإنسان معتادًا على إرضاء الجميع، يبدأ تدريجيًا في فقدان صوته الخاص.

لا يعرف ماذا يريد.

ولا يعرف ماذا يحب.

ولا يعرف أين تنتهي حدود الآخرين وتبدأ حدوده.

يعيش وفق جدول غير مكتوب صنعه المجتمع.

يجب أن تتزوج في وقت معين.

ويجب أن تعمل في مكان معين.

ويجب أن تحقق دخلًا معينًا.

ويجب أن تظهر دائمًا بصورة ناجحة.

وإذا خرجت عن هذا القالب، تبدأ الأسئلة.

وهنا يحتاج الإنسان إلى شجاعة حقيقية.

ليس لكي يعادي الناس.

بل لكي يعيش حياته دون أن يطلب إذنًا دائمًا من الجميع.

ليس كل رفض قسوة

هناك فرق كبير بين أن تكون شخصًا أنانيًا، وبين أن تعرف حدودك.

رفض طلب لا تستطيع تنفيذه ليس جريمة.

الابتعاد عن علاقة تؤذيك ليس خيانة.

اختيار طريق مختلف ليس فشلًا.

تغيير رأيك عندما تكتشف أنك أخطأت ليس ضعفًا.

والأهم أن راحتك ليست شيئًا يجب أن تعتذر عنه طوال الوقت.

نحن لا نعيش لإرضاء الجميع.

لأن الجميع ببساطة لن يرضوا.

حتى لو فعلت كل شيء بطريقة صحيحة، سيجد شخص ما سببًا لانتقادك.

فلماذا تمنح هذا الشخص سلطة كاملة على حياتك؟

متى يصبح كلام الناس بلا قيمة؟

عندما تدرك أن الناس الذين يخاف الإنسان من كلامهم اليوم، قد ينسون قصته غدًا.

قد يتحدثون عن قرارك أسبوعًا.

وقد ينتقدونك شهرًا.

ثم ينشغل كل شخص بحياته.

لكن أنت وحدك ستعيش نتائج القرارات التي اتخذتها.

لذلك لا تجعل جمهورًا مؤقتًا يقرر مصير حياتك الدائم.

اسأل نفسك قبل كل قرار:

هل أفعله لأنني أريده فعلًا، أم لأنني أخشى أن يرفضه الآخرون؟

هذا السؤال وحده يمكن أن يغير أشياء كثيرة.

لا تنتظر أن يفهمك الجميع

هناك معركة خاسرة يدخلها الإنسان كل يوم دون أن يدرك.

يحاول أن يشرح نفسه للجميع.

يبرر قراراته.

يدافع عن نواياه.

ويحاول إثبات أنه ليس سيئًا.

لكن الحقيقة أن بعض الناس لن يفهموك مهما شرحت.

وليس مطلوبًا منك أن تقدم ملف دفاع عن نفسك في كل مرة تختار فيها ما يناسب حياتك.

يكفي أن تكون واضحًا مع نفسك.

وأن تكون عادلًا مع الآخرين.

وأن تعرف أنك لا تستطيع التحكم في تفسير الناس لك.

في النهاية.. لا تخسر نفسك كي لا تخسر الآخرين

الحياة أقصر من أن تقضيها في مراقبة عيون الآخرين.

وأقصر من أن تستنزف عمرك في محاولة الحصول على إعجاب الجميع.

سيختلفون معك.

سينتقدونك.

قد يسيئون فهمك.

وربما يبتعد بعضهم.

لكن هذا لا يعني أنك أخطأت.

أحيانًا تكون خسارة بعض العلاقات هي الثمن الطبيعي لاستعادة علاقتك بنفسك.

وأحيانًا يكون قول «لا» هو أول قرار حقيقي تتخذه منذ سنوات.

وأحيانًا تحتاج فقط أن تتوقف عن محاولة الظهور بخير أمام الجميع، وأن تسأل نفسك في هدوء:

ماذا أريد أنا؟

ليس ماذا يريد أبي.

ولا ماذا تريد أمي.

ولا ماذا يريد أصدقائي.

ولا ماذا سيقول الناس.

ماذا أريد أنا؟

فربما تكون الإجابة التي تهرب منها منذ سنوات هي بداية الحياة التي تستحق أن تعيشها.

لا تجعل خوفك من كلام الناس يدفعك إلى أن تعيش حياة لا تشبهك.

فالناس سيتحدثون في كل الأحوال.

فاختر على الأقل أن يكون الكلام عن حياة اخترتَها أنت.

الرابط المختصر

search