الأحد، 23 أغسطس 2026

04:33 م

تحيةً للعالِم والداعية الدكتور. غريب جمعة

د. أميمة منير جادو تكتب: قلبٌ يُغرِّدُ للحياةِ.. قراءة نقدية في قصيدة محمد الشرقاوي

الأحد، 23 أغسطس 2026 03:27 م

د. أميمة منير جادو

د. أميمة منير جادو

قلبٌ يُغرِّدُ للحياةِ

مدخل: حين يتحول المديح إلى شهادة

عرف الشعر العربي منذ القديم أن يجعل من القصيدة وسيلةً لتخليد أصحاب الفضل، فلم يكن المديح مقصورًا على الملوك والأمراء وأهل السلطان، وإن كان هذا هو الباب الأشهر في القصيدة العربية القديمة؛ فقد اتجه الشعر كذلك إلى مدح العلماء والفقهاء والأدباء والمصلحين، حين أصبح العلم ذاته قيمةً تستحق الاحتفاء، وأصبح العالم نموذجًا أخلاقيًّا واجتماعيًّا تتطلع الجماعة إلى الاقتداء به.

ومن أجمل ما في هذا اللون أن الممدوح لا يُمدح لأنه صاحب سلطة، وإنما لأنه صاحب أثر.

ومن هنا يمكن وضع قصيدة محمد الشرقاوي في سياق ذلك الامتداد؛ فهي لا تقول لنا: هذا رجل عظيم فحسب، وإنما تحاول أن تجيب عن سؤال أعمق:

ما صورة العالم الذي تستطيع الأمة أن تستعيد به عافيتها؟

وهذا السؤال هو الذي يمنح القصيدة مشروعيتها الفكرية، وينقلها من دائرة المجاملة إلى دائرة الشهادة الأدبية.

وليس غريبًا أن يلتقي هذا المعنى مع تقليد قديم في الثقافة العربية الإسلامية؛ فمدح العلماء ارتبط في الشعر بفكرة العلم المقترن بالتقوى والعمل والإصلاح، لا بالمعرفة المجردة. وتقدم قصائد البوصيري في مدح العلماء مثالًا واضحًا على هذا المسار؛ إذ جعل العلم والتقوى والسيادة الأخلاقية عناصر متداخلة في صورة الممدوح.

أما في العصر الحديث، فإن نموذج العالم المصلح اكتسب أبعادًا جديدة؛ إذ لم يعد العالم مجرد حافظ للمعرفة، بل صار في المخيال الإصلاحي حارسًا للهوية، ومقاومًا للجهل، ومشاركًا في بناء المجتمع.

وهنا تحديدًا تتصل قصيدة الشرقاوي بهذا التراث، مع انتقالها من مدح الشخص إلى الدفاع عن وظيفة العالم في الحياة.

أولًا: العنوان ودلالته

يأتي العنوان:

«قلبٌ يُغرِّدُ للحياةِ»

وهو عنوان لافت؛ لأن الشاعر لم يقل: قلب العالم، أو في مدح الدكتور غريب جمعة، وإنما اختار تركيبًا استعاريًّا يجمع بين القلب والتغريد والحياة.

القلب هنا ليس العضو الجسدي، وإنما مركز الوجدان والضمير.

أما «يغرّد» فهي مفردة تنتمي إلى حقل صوتي غنائي، بينما «الحياة» تنتمي إلى حقل وجودي واسع.

وبذلك يصبح العالم في تصور الشاعر صاحب قلب حيٍّ منتج للحياة.

والعنوان يكتسب أهميته أيضًا من أن القصيدة نفسها تبدأ بالقلب:

«لِلقَلْبِ سِرٌّ مُحكَمٌ وعجيبُ بيدِ الإلهِ وما لهُ تَسريبُ»

فتبدو هناك علاقة دائرية بين العنوان والمطلع؛ فالعنوان يعلن «القلب»، والمطلع يفتح أسراره.

الدكتور غريب جمعة

وهذا البناء يمنح القصيدة وحدةً دلالية؛ إذ لا يكون العنوان مجرد تسمية خارجية، وإنما يصبح مفتاحًا لقراءة الشخصية الممدوحة.

ثانيًا: القلب بوصفه مدخلًا إلى شخصية العالم

الشاعر محمد الشرقاوي

يبدأ الشرقاوي من منطقة روحية لا من منطقة سيرة ذاتية:

«لِلقَلْبِ سِرٌّ مُحكَمٌ وعجيبُ بيدِ الإلهِ وما لهُ تَسريبُ»

وهنا نلاحظ أن الشاعر لا يزعم الدخول إلى سر القلب، بل يقرر أن سره «بيد الإله».

وهذا مهم جدًا؛ لأنه يؤسس منذ البداية لخطاب يقوم على التواضع أمام الغيب.

ثم ينتقل إلى العلامات:

«لَكِنْ لهُ بَعضُ الدلائلِ إنْ بَدَتْ  

فاعلمْ بأنَّكَ للنجاةِ قَريبُ»

فالإنسان لا يُعرف بما يدّعيه عن نفسه، وإنما بما يظهر من أثره.

وهذه الفكرة ستصبح محورًا أساسيًا في القصيدة كلها:

العالم يُعرف بأثر علمه في الناس والحياة.

ثالثًا: ثنائية النور والجهل

من أجمل المقاطع دلالةً:

«النورُ بعدَ النورِ يَمضي في المدى  

فيخافُ منهُ الجهلُ والتغريبُ»

هنا يقيم الشاعر ثنائية واضحة:

النور / الجهل

ويضيف إليها:

النور / التغريب

والنور ليس مجرد ضوء حسي؛ إنه رمز للعلم والهداية والوعي.

والتعبير «النور بعد النور» يحمل تناصًا قرآنيًّا واضحًا أو على الأقل استدعاءً قويًّا للبنية القرآنية في قوله تعالى:

﴿نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾

من سورة النور، الآية 35.

والشاعر لا يكرر الآية، وإنما يعيد بناء مفهومها داخل سياقه؛ فالنور عنده متحرك:

«يمضي في المدى»

أي يتحول من قيمة فردية إلى قوة ممتدة في المجتمع.

وهنا يتحول الدكتور غريب جمعة من شخص ممدوح إلى حامل للنور المعرفي.

رابعًا: شجرة المعرفة: الجذور والثمر والظل

من أكثر الصور نجاحًا في القصيدة:

«غُصنٌ تَمَسَّكَ بالجذورِ فسارعتْ  

منهُ الثمارُ تقولُ من سيجيبُ»

ثم:

«ويعودُ تحتَ الغُصنِ ظلٌّ باسمٌ

 يدنو لمن يدنو إليهِ نصيبُ»

لدينا هنا بناء تصويري متكامل:

الجذور ؛ الغصن ؛ الثمار ؛الظل

وهو ليس مجرد تشبيه عابر.

الجذور ترمز إلى الأصول.

والغصن إلى العالِم الحامل لهذه الأصول.

والثمار إلى نتاج العلم.

والظل إلى النفع الاجتماعي والإنساني.

وهذا من أجمل مفاتيح القصيدة؛ لأن الشاعر يرفض أن يكون العلم معرفةً مغلقة في الكتب.

العلم عنده:

أصل ؛ إنتاج ؛ نفع.

وهذا يتصل بصورة دقيقة بفكرة الدكتور غريب جمعة كما تقدمها أعماله المنشورة؛ إذ لا يظهر العلم عنده منفصلًا عن الدعوة والتربية والإصلاح والكتابة في الفكر الإسلامي. وقد وصفته مصادر منشورة بأنه طبيب انصرف إلى العلوم الدينية والفكر الإسلامي، وله أعمال في الإعجاز الطبي والعلوم الإسلامية.

خامسًا: العلم والدين في بنية واحدة

يقول:

«كَفُّ العلومِ تَخطُّ كُلَّ سلامةٍ

 والدينُ حِصنٌ شاهقٌ وطبيبُ»

وهذا من المفاتيح الفكرية المهمة في القصيدة.

فالشاعر لا يضع:

العلم في جهة والدين في جهة أخرى،

بل يجمعهما في منظومة واحدة.

واللافت هنا اختيار كلمة «طبيب»؛ لأنها تتصل مباشرة بمهنة الممدوح.

فالدكتور غريب جمعة طبيب من جهة، وعالم في الفكر الإسلامي من جهة أخرى، ولذلك تصبح كلمة «طبيب» ذات مستويين:

طبيب للجسد، وطبيب للروح والعقل.

وهذه من أجمل مناطق التوافق بين حياة الممدوح الواقعية والصورة الشعرية التي يرسمها الشاعر.

سادسًا: العالم بوصفه «فارسًا»

يقول:

«والحقُّ يَمنحُ للعصورِ فوارسًا

 منهم هنالك عالمٌ وخطيبُ»

استدعاء مفردة «الفوارس» ينقلنا من صورة العالم الهادئ في مكتبته إلى صورة العالم المجاهد بالكلمة والمعرفة.

وهذا مفهوم قديم في الثقافة العربية الإسلامية:

القلم في مواجهة السيف، والعلم في مواجهة الجهل.

لكن الشاعر لا يلغي البطولة القديمة، وإنما يعيد تعريفها.

فالفارس في عصر المعرفة هو:

العالم والخطيب والمصلح.

وهذا يقرب القصيدة من مفهوم «العالِم الرسالي» الذي لم يكن بعيدًا عن صورة الإمام محمد الخضر حسين نفسه؛ فالمصادر الرسمية للأزهر تبرز دوره في التدريس والتأليف والدعوة والإصلاح، بل وتشير إلى أنه نظم شعرًا يدعو إلى إصلاح التعليم في جامع الزيتونة.

ومن هنا يمكن القول إن القصيدة تتحرك ضمن نموذج ثقافي إصلاحي لا ضمن مديح شخصي محدود.

سابعًا: صورة العالم في الليل

من أجمل الثنائيات الزمنية في القصيدة:

«يَطوي المدائنَ في الصباحِ مُعلِّمًا»

ثم:

«في الليلِ يَمكثُ طالبًا مستبصرًا  

حولَ الكنوزِ ودأبُهُ التنقيبُ»

هذه صورة شديدة الدلالة.

فالعالم:

في الصباح معلّم.

و:

في الليل طالب علم.

وهنا يزيل الشاعر فكرة «العالم المكتمل» الذي توقف عن التعلم.

إنه عالم يعلّم ويتعلم.

والأجمل أن «التنقيب» تتناسب مع «الكنوز»؛ فالمعرفة عند الشاعر ليست شيئًا سطحيًّا، وإنما كنز يحتاج إلى بحث وصبر.

وفي هذا معنى تربوي رفيع:

العالم الحقيقي ليس من انتهى من طلب العلم، وإنما من ظل طالبًا له حتى وهو يعلّمه للآخرين.

ثامنًا: العلم باعتباره مشروع نجاة للأمة:

يتجاوز الشاعر الممدوح إلى الوطن:

«هلْ يُنقذُ الأوطانَ إلّا عالمٌ

اللهُ قصدٌ والرسولُ حبيبُ؟!»

ثم:

«هلْ ينفعُ الأجيالَ إلا مخلصٌ  

في سعيهِ الإصلاحُ والتهذيبُ؟!»

وهنا تتغير زاوية القصيدة بصورة واضحة.

فهي لم تعد:

قصيدة عن د غريب جمعة.

بل أصبحت:

قصيدة عن وظيفة العالم في الأمة.

والاستفهام هنا ليس استفهامًا حقيقيًّا؛ وإنما هو استفهام إنكاري تقريري.

فالجواب الضمني:

لا ينقذ الأوطان إلا العلم المخلص.

ولا ينفع الأجيال إلا الإصلاح.

وهذه النقلة هي التي تمنح النص قيمته الفكرية.

تاسعًا: من الفرد إلى الجماعة:

يقول:

«هيَّ دعوةٌ للمسلمين جميعهم

 ألّا يكونَ بأرضهم منكوبُ»

ثم:

«ألّا يعيشَ الذئبُ بينَ صفوفِنا  

ألّا تسيرَ إلى الديارِ حروبُ»

يتحول المديح هنا إلى دعاء اجتماعي وأخلاقي.

فالشاعر لا يريد للعالِم أن يكون صاحب مجد فردي، وإنما يريد لعلمه أن يؤدي إلى:

الأمن.

وحدة الصف.

نبذ العدوان.

حماية الأوطان.

رفع الظلم.

ومن هنا يتضح أن عنوان «قلب يغرد للحياة» ليس عنوانًا عاطفيًّا فقط؛ فالحياة المقصودة هي الحياة الآمنة العادلة التي يصنعها العلم والوعي والإصلاح.

عاشرًا: الشمس والكسوف:

يقول:

«أنْ تصمدَ الشمسُ الكريمةُ دونما يدنو كسوفٌ نحوها وغروبُ»

الشمس هنا رمز مركب:

النور + الحضارة + الأمة + الأمل.

أما الكسوف والغروب فيمثلان:

الانطفاء + التراجع + الجهل + الانهيار.

وهنا يستمر الحقل الدلالي الذي بدأه الشاعر منذ:

«النور بعد النور»

ثم:

«الشمس الكريمة»

إذن هناك شبكة من الرموز المتصلة:

النور ؛ الشمس ؛ الصمود ؛ مقاومة الكسوف.

وهذا يمنح القصيدة قدرًا من الوحدة التصويرية.

الحادي عشر: القيم الأخلاقية في صورة حسية:

من أجمل الأبيات:

«فالحرفُ مِسكٌ والفؤادُ رحيبُ

والعزمُ ليثٌ والثيابُ طهارةٌ

 والصدقُ تاجٌ ثابتٌ ورقيبُ»

هنا يتعامل الشاعر مع القيم المعنوية وكأنها أشياء محسوسة.

الحرف = مسك

العزم = ليث

الصدق = تاج

الطهارة = ثياب

وهذا ما يسمى بتحويل المجرد إلى محسوس.

فالقارئ لا يتلقى «العلم والصدق والعزم والطهارة» كمفاهيم مجردة، وإنما يراها في صور حسية:

المسك يُشم.

والليث يُرى.

والتاج يُلبس.

والثياب تُرتدى.

وهذا يمنح القيم جسدًا شعريًّا.

الثاني عشر: الوفاء بوصفه محورًا أخلاقيًّا:

يقول:

«والعهدُ في دربِ المحبةِ خالدٌ  

برهانُ ذلكَ في القصيدِ وجوبُ»

وهنا يكشف الشاعر عن الدافع المباشر للقصيدة:

الوفاء.

فهو لا يكتب لأن الممدوح صاحب سلطة أو منفعة، وإنما لأن له فضلًا يستحق الاعتراف.

وهذه النقطة مهمة للغاية في سياق قصيدة موجهة إلى عالم؛ لأن مدح العالم يفقد قيمته إذا تحول إلى تملق.

والشرقاوي يحاول أن يجعل القصيدة شهادة وفاء.

وهذا المعنى ليس بعيدًا عن الثقافة الإسلامية في الاحتفاء بسير العلماء؛ بل إن الدكتور غريب جمعة نفسه، في مقدمته لعمله عن الإمام محمد الخضر حسين، يربط الحديث عن العلماء بالعرفان والوفاء لأصحاب الفضل. وقد نقل الشرقاوي عنه أن الحديث عن العظماء إحياء للدين والقيم والأمجاد الرفيعة.

وهنا توجد مفارقة جميلة:

الشاعر يكتب عن عالم يكتب عن العلماء.

أي أن فعل الوفاء نفسه ينتقل من شخص إلى آخر.

الثالث عشر: التناص القرآني:

التناص الديني في القصيدة واضح، لكنه في أغلب المواضع إيحائي لا اقتباسي حرفي.

وأبرز مستوياته:

1. «النور بعد النور»

«النورُ بعدَ النورِ يَمضي في المدى»

وهو استدعاء قوي لقوله تعالى:

﴿نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾

سورة النور: 35.

2. «النجاة»

«فاعلم بأنك للنجاة قريب»

و«النجاة» من المفردات المركزية في الخطاب القرآني والديني، وإن لم يكن هنا اقتباس من آية بعينها.

3. «الكتاب»

«فالأمنُ إنْ هُجِرَ الكتابُ سليبُ»

والكتاب هنا يُحيل بوضوح إلى القرآن بوصفه مصدرًا للهداية، ويصبح هجره سببًا رمزيًّا لفقدان الأمن.

4. «الله قصدٌ والرسول حبيب»

«اللهُ قصدٌ والرسولُ حبيبُ»

وهذه صياغة عقدية وجدانية تقوم على مركزية التوحيد والاتباع النبوي، لكنها ليست اقتباسًا قرآنيًّا مباشرًا.

5. «الدار»

«في الدارِ ثم الدارِ أرفعَ منزِلٍ

يبقى النعيمُ ولن يراهُ شُحوبُ»

هنا يحضر بوضوح معنى الدار الآخرة، ويمكن أن نستدعي في خلفية النص قوله تعالى:

﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾

وقوله:

﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾.

لكن من المهم نقديًا ألا نسمي كل لفظة دينية «تناصًّا»؛ فالتناص الأقوى في القصيدة هو تناص النور، أما بقية المفردات فهي جزء من المعجم الإسلامي العام.

الرابع عشر: التناص مع التراث الأخلاقي:

القصيدة تستدعي أيضًا صورة قديمة جدًا للعالم الذي يجمع:

العلم + التقوى + العمل + الإصلاح.

وهذه ليست صورة اخترعها الشرقاوي، وإنما هي من صميم الموروث الثقافي الإسلامي.

وفي هذا السياق يمكن مقارنتها بقصيدة البوصيري في مدح أهل العلم والتقى، حيث يجمع بين السيادة والعلم والفضل، في مثل قوله:

«أهلُ التُّقَى والعلمِ أهلُ السُّؤْدُدِ»

وهذا النموذج قريب من البنية الدلالية التي يقيمها الشرقاوي بين العلم والفضيلة والصدق والعزم.

لكن الفرق أن البوصيري يركز بصورة أكبر على صفات الممدوح ومناقبه، بينما يميل الشرقاوي إلى توسيع صورة الممدوح حتى يصبح وظيفة اجتماعية وإصلاحية.

الخامس عشر: المقارنة مع تقليد مدح العلماء:

مدح العلماء في الشعر العربي ليس بابًا طارئًا؛ فقد ظهرت له صور في عصور مختلفة، وتؤكد الدراسات الحديثة التي تناولت هذا الغرض أنه ارتبط غالبًا بصورة العالم الذي يجمع العلم والتقوى وخدمة المجتمع.

ومن النماذج اللافتة قصائد البوصيري في العلماء، ثم ما نجده في العصر الحديث من تقدير المعلم والعالم والمصلح.

ومن أشهر النماذج الحديثة قصيدة أحمد شوقي:

«قُمْ للمعلِّمِ وفِّهِ التبجيلا  

كادَ المعلِّمُ أن يكونَ رسولًا»

وهنا نلمس قربًا دلاليًّا من قصيدة الشرقاوي؛ فكلتاهما تنقلان المعلم من مجرد صاحب مهنة إلى صاحب رسالة.

لكن هناك فرقًا جوهريًّا:

شوقي يحتفي بالمعلم بوصفه صانع الإنسان:

«يبني وينشئ أنفسًا وعقولًا»

أما الشرقاوي فيوسع الوظيفة:

العالم ينقذ الوطن، ويهذب الأجيال، ويحارب الجهل، ويحفظ الدين، ويعيد الأمن.

أي أن نموذج الشرقاوي أكثر التصاقًا بمفهوم العالم المصلح.

السادس عشر: التناص الشخصي مع الدكتور غريب جمعة:

وهذا من أجمل مستويات النص.

فالقصيدة لا تكتفي بوصف الممدوح، وإنما تستدعي بعض عناوين عالمه الفكري:

«(قبسٌ مِن الإعجازِ في قرآنِنا)»

وهذه ليست صورة عامة؛ إنها إحالة مباشرة إلى عمل للدكتور غريب جمعة في مجال الإعجاز القرآني. وقد وثقت مصادر صحفية نشر مادة عن كتابه قبس من إعجاز القرآن الكريم، وذكرت اهتمامه المبكر بالإعجاز الطبي والفكر الإسلامي.

ومن ثم تصبح القصيدة في جزء منها قصيدة ببليوغرافية شعرية؛ أي أن الشاعر يحوّل مؤلفات الممدوح إلى علامات داخل النص.

وهذا واضح كذلك في:

«تلكَ التراجمُ للنجومِ يصونُها  

صوتُ الوفاءِ وفَيضُهُ المكتوبُ»

فهنا تنتقل القصيدة من شخصية غريب جمعة إلى مشروعه في الكتابة عن الأعلام.

وتزداد المفارقة جمالًا حين نعرف أن من الأعمال البارزة التي كتب عنها محمد الشرقاوي للدكتور غريب جمعة مجلدًا ضخمًا عن الإمام محمد الخضر حسين، وقد وصفه بأنه عمل يقترب من ثمانمائة صفحة، وأنه استغرق من المؤلف أكثر من أربع سنوات، واهتم بسيرة الإمام وحياته وأعماله ومواقفه وآرائه ومؤلفاته.

إذن:

غريب جمعة يكتب عن أعلام الأمة، والشرقاوي يكتب عن غريب جمعة.

وهذه واحدة من أجمل الدوائر الدلالية في النص:

العالِم يُخلِّد العلماء، والشاعر يُخلِّد العالِم.

السابع عشر: البنية الحركية للقصيدة

يمكن تقسيم القصيدة دلاليًّا إلى خمس حركات:

الحركة الأولى: سر القلب والنور

من:

«للقلب سر محكم وعجيب»

إلى:

«والدين حصن شاهق وطبيب».

وهي مرحلة تأسيس الصورة الروحية والمعرفية.

الحركة الثانية: العالم حامل رسالة

من:

«والحق يمنح للعصور فوارسًا»

إلى:

«حول الكنوز ودأبه التنقيب».

وفيها تتشكل صورة العالم المجاهد والباحث والمعلم.

الحركة الثالثة: العالم والأمة

من:

«يستقبل الفجر الأمين بدعوة»

إلى:

«يدنو كسوف نحوها وغروب».

وهنا تتحول الشخصية إلى مشروع إنقاذ جماعي.

الحركة الرابعة: أخلاق العالم

من:

«أنعم بجمع الصالحين إذا بدوا»

إلى:

«برهان ذلك في القصيد وجوب».

وهي منطقة الصفات الأخلاقية.

الحركة الخامسة: التسمية والتعيين

ثم تأتي المفاجأة:

«فانظر بفخر نحو وجه فصيحنا يروي المسائل بالدليل (غريب)»

ثم:

«هذا ابن جمعة عالم ومفسر»

فتنتقل القصيدة من النموذج المجرد إلى الشخص المحدد.

وهذه تقنية جيدة؛ لأن الشاعر يؤخر الكشف الكامل عن الممدوح حتى يكون قد بناه أولًا في وعي القارئ بوصفه نموذجًا.

الثامن عشر: جمال الالتفات من «هو» إلى «أنت»

في أجزاء من القصيدة يستخدم الشاعر الغائب:

«هذا ابن جمعة عالم ومفسر»

ثم يتحول إلى المخاطب:

«أهديت للإنسان علمًا ساطعًا»

ثم:

«أبشر وأبشر يا غريب برفعة»

وهذا الانتقال من الغائب إلى المخاطب يحقق حضورًا وجدانيًّا.

فالممدوح كان في البداية شخصية نتأملها من الخارج، ثم أصبح شخصًا يخاطبه الشاعر مباشرة.

وبذلك تتحول القصيدة من:

وصف

إلى:

تحية

ثم:

دعاء.

التاسع عشر: القفلة والدعاء:

تنتهي القصيدة:

«أبشِر وأبشِر يا غريبُ برفعةٍ

 فبكلِّ حرفٍ سار منك تُصيبُ»

ثم:

«في الدارِ ثمَّ الدارِ أرفعَ منزِلٍ  

يبقى النعيمُ ولن يراهُ شُحوبُ»

القفلة تعود إلى المنظور الأخروي.

وهذا مناسب جدًا لقصيدة ذات مرجعية دينية؛ فالمجد الحقيقي ليس مجد الشهرة الدنيوية وحدها، وإنما الأجر وبقاء الأثر.

ومن هنا يمكن أن نقرأ كلمة «حرف» في:

«فبكل حرف سار منك تصيب»

على مستويين:

الحرف بوصفه كتابة.

والحرف بوصفه أثرًا علميًّا ينتقل من إنسان إلى آخر.

فتصبح الكتابة نفسها نوعًا من الصدقة المعرفية.

عشرون: الموسيقى الشعرية

القصيدة مكتوبة على نظام القافية الموحدة، وتنتهي أبياتها غالبًا بالروي:

الباء المضمومة: ـبُ

مثل:

عجيبُ قريبُ التغريبُ طبيبُ خطيبُ التنقيبُ مجيبُ رحيبُ رقيبُ شحوبُ

وهذا يمنح القصيدة وحدة موسيقية واضحة.

كما أن تكرار البنية الصوتية «ـيبُ» يخلق نغمة متصلة، مناسبة لطبيعة النص الاحتفائية.

أما الوزن، فالإيقاع العام ينتمي إلى القصيدة العمودية ذات النفس الخليلي٠

واحد وعشرون: المعجم الشعري

المعجم الغالب في القصيدة يمكن توزيعه على حقول:

حقل الدين:

الله، الرسول، الكتاب، الدعوة، المسلمين، الصالحين، الطهارة، النعيم.

حقل العلم:

العلوم، عالم، مفسر، المسائل، الدليل، الكنوز، التنقيب، الحرف.

حقل النور:

النور، الشمس، الفجر، ساطع، قبس.

حقل الحرب والمواجهة:

فوارس، الذئب، حروب، معاند، كسوف.

حقل الطبيعة:

الغصن، الجذور، الثمار، الظل، الغيث، الفلاة، الشمس، الليل، الفجر.

واللافت أن حقل الطبيعة يخدم حقل المعرفة؛ فالغصن يصبح العلم، والغيث يصبح العالم، والنور يصبح المعرفة، والشمس تصبح الحضارة أو الهداية.

اثنان وعشرون: أجمل الاستعارات في النص

يمكن التوقف عند مجموعة من الصور الناجحة:

«النور بعد النور يمضي في المدى»

استعارة تجعل العلم نورًا متحركًا.

«فيخاف منه الجهل»

تشخيص للجهل؛ فالجهل يصبح كائنًا يخاف.

«غصن تمسك بالجذور»

تصوير للعالم المتصل بالأصول.

«الثمار تقول من سيجيب»

تشخيص للثمار.

«ويعود تحت الغصن ظل باسم»

تحويل العلم إلى ظل يحمي.

«الحق يمنح للعصور فوارس»

تشخيص الحق وجعله مانحًا للبطولة.

«العزم ليث»

تشبيه بليغ.

«الصدق تاج»

تشبيه بليغ يجعل الصدق تاجًا للإنسان.

«فالحرف مسك»

تشبيه بليغ شديد الكثافة.

هذه الصور، مجتمعة، تصنع معجمًا احتفاليًّا مشرقًا.

ثلاثة وعشرون: مواطن القوة الفنية

أبرز نقاط القوة في القصيدة، في رأيي:

أولًا: صدق الدافع العاطفي؛ فالنص يبدو مكتوبًا من موقع الوفاء لا المجاملة.

ثانيًا: ارتباط صورة الممدوح بمشروعه العلمي، لا بشخصه فقط.

ثالثًا: وحدة الحقول الرمزية، خاصة النور والغيث والشمس والجذور.

رابعًا: نجاح الشاعر في الانتقال من الشخص إلى القضية.

خامسًا: حضور التناص القرآني بصورة طبيعية في أغلب المواضع.

سادسًا: توظيف بعض عناوين أعمال الممدوح داخل النسيج الشعري، وهي تقنية تمنح القصيدة خصوصيتها.

سابعًا: القفلة الدعائية مناسبة تمامًا لطبيعة النص.

----------

ملحق نص القصيدة

قَلبٌ يُغرِّدُ للحياةِ

قصيدة للشاعر محمد الشرقاوي 

(تحية للطبيب والعالم الداعية د غريب جمعة)

------------

لِلقَلْبِ سِرٌّ مُحكَمٌ وعجيبُ 

بيدِ الإلهِ وما لهُ تَسريبُ

لَكِنْ لهُ بَعضُ الدلائلِ إنْ بَدَتْ

فاعلمْ بأنَّكَ للنجاةِ قَريبُ

النورُ بعدَ النورِ يَمضي في المدَى

فيخافُ مِنهُ الجهلُ والتغريبُ 

غُصنٌ تَمَسَّكَ بالجذورِ فسارعتْ 

مِنهُ الثمارُ تَقُولُ مَن سيجيبُ

ويَعودُ تحتَ الغُصنِ ظِلٌّ باسِمٌ

يدنو لِمَن يدنو إليهِ نَصيبُ

كَفُّ العلُومِ تَخطُّ كُلَّ سَلامةٍ

والدينُ حصنٌ شاهِقٌ وطبيبُ

والحقُّ يَمنحُ للعصورِ فَوارِسًا 

مِنهُمْ هُنالِكَ عالمٌ وخَطيبُ

يتفكرونَ بِكلِّ أمرٍ قادِمٍ

إنَّ القياسَ يَصونُهُ التقريبُ

هُمْ مِثْلُ غَيثٍ في فَلاةٍ أفلَسَتْ

وقَضى عليها القَيظُ والتخريبُ

لكِنَّها عادتْ بمنحةِ خالقٍ

حتى يَزولَ مُعانِدٌ ومُرِيبُ 

حتى يَسيرَ العدلُ بينَ دروبِنا

فالأمنُ إنْ هُجِرَ الكتابُ سَليبُ 

والليلُ دُوْنَ الذكْرِ كَهفٌ مُوحِشٌ 

ثَوبٌ حزينٌ تَعتريهِ ثُقوبُ 

هلْ يُنقِذُ الأوطانَ إلَّا عالِمٌ

اللهُ قصدٌ والرسولُ حبيبُ؟!

هلْ يَنفعُ الأجيالَ إلَّا مُخلِصٌ

في سَعيهِ الإصلاحُ والتهذيبُ؟!

يَطوي المدائنَ في الصباحِ مُعلِّمًا

فتفِرُّ مِن كُلِّ النفوسِ عيوبُ

وتلينُ في شتى الأُمورِ مَصاعِبٌ

وتغيبُ عن سعيّ الرجالِ خُطوبُ 

في الليلِ يَمكثُ طالبًا مُستَبصِرًا 

حولَ الكنوزِ ودأْبُهُ التنقيبُ 

يَستقبِلُ الفَجرَ الأمينَ بدعوةٍ

اللهُ مِن فوقِ السماءِ مُجيبُ

هيَّ دعوةٌ للمسلمِينَ جميعِهِمْ

ألَّا يكونَ بأرضِهِمْ مَنكوبُ

ألَّا يَعيشَ الذئبُ بينَ صفوفِنا

ألَّا تسيرَ إلى الديارِ حروبُ

أنْ تَصمدَ الشمسُ الكريمةُ دونَما

يدنو كُسوفٌ نحوَها وغُروبُ

أنعِمْ بجمعِ الصالحينَ إذا بَدَوا

فالحرفُ مِسْكٌ والفؤادُ رحيبُ

والعزمُ ليثٌ والثيابُ طهارةٌ

والصدقُ تاجٌ ثابتٌ ورقيبُ

والعهدُ في دربِ المحبةِ خالدٌ

بُرهانُ ذلكَ في القصيدِ وجوبُ

فانظرْ بِفَخرٍ نحو وجهِ فصيحِنا 

يروي المسائلَ بالدليلِ (غَريبُ)

هَذا ابنُ (جمعةَ) عالِمٌ ومُفَسِّرٌ 

جمعَ المحاسِنَ فِكرُهُ المحبوبُ

أهديتَ للإنسانِ عِلمًا ساطِعًا

هذا إلى دربِ العلا تَرغيبُ

(قبسٌ مِن الإعجازِ في قُرآنِنا)

نَبعٌ طهُورٌ سائِغٌ مطلوبُ

تلكَ التراجمُ للنجومِ يصونُها 

صوتُ الوفاءِ وفَيضُهُ المكتوبُ

أبشِر وأبشِر يا (غريبُ) برِفعةٍ 

فبكُلِّ حرفٍ سار مِنك تُصيبُ

في الدارِ ثُمَّ الدارِ أرفعَ مَنزِلٍ

يبقَى النعيمُ ولنْ يراهُ شُحوبُ

الرابط المختصر

search