كيف تبني مصر مناعتها الاقتصادية؟
هشام عياد يكتب: قبل أن تتسع العاصفة (٢)
الخميس، 27 أغسطس 2026 12:24 م
هشام عياد
تحديات المرحلة القادمة لمواجهة الأزمات الاقتصادية العالمية
في المقال السابق، تناولت تحذيرات كبار الخبراء والمؤسسات الدولية حول احتمالية تعرض الاقتصاد العالمي لأزمة عنيفة، وموجة جديدة من الركود والتضخم. وإذا كانت التحديات الخارجية تفرض نفسها كأمر واقع لا يملك أحد تغييره، فإن طريقة التعامل معها هي المتغير الحقيقي.
هنا تحديداً، لا يمكن لمصر أن تكتفي بإدارات تقليدية للأزمات أو انتظار هبوب العاصفة، نحن بحاجة إلى خطة مختلفة، تقوم على استباقية التحرك الاقتصادي، وتدشين مناعة ذاتية تحمي الشارع قبل أن تباغتنا التحولات العالمية
فمصر تحتاج إلى خطة مختلفة، وليس مجرد إجراءات تقليدية في الأزمات الكبرى، ولا يكفي أن تتحرك الحكومة برد الفعل بعد وقوع المشكلة، لكن المطلوب هو الانتقال إلى "اقتصاد استباقي" يضع عدة سيناريوهات قبل وقوعها.
وأول خطوة يجب أن يتم تنفيذها هي إنشاء غرفة عمليات اقتصادية استراتيجية تعمل بصورة مستمرة، وتضم البنك المركزي ووزارات المالية والتخطيط والبترول والتموين والصناعة والتجارة والسياحة والنقل، وتراقب يومياً أسعار النفط، وأسعار الفائدة العالمية، وسعر الدولار، وحركة رؤوس الأموال، وأسعار السلع الأساسية، وحركة التجارة وقناة السويس.
ان الحل المستدام لأزمة العملة ليس في منع الاستيراد بصورة عشوائية، وإنما في زيادة قدرة الاقتصاد على توليد العملة الأجنبية.
وهنا يجب أن تتحول الأولوية إلى خمسة قطاعات رئيسية وهي الصادرات الصناعية، دعم السياحة، الخدمات الرقمية، اللوجستيات، وتحويلات المصريين بالخارج.
وينبغي وضع برنامج طموح لزيادة الصادرات الصناعية، ولا سيما المنتجات التي تمتلك مصر فيها مميزات نسبية، مع تقديم حوافز حقيقية مرتبطة بحجم الصادرات والقيمة المضافة المحلية، وليس بمجرد إنشاء المصانع.
الجانب الثاني هو تصنيع ما نستطيع استيراده، فربما تكون هذه أهم قاعدة اقتصادية للمرحلة المقبلة، فكل دولار يتم توفيره نتيجة تصنيع منتج كان يتم استيراده هو بمثابة دولار جديد يضاف إلى قوة الاقتصاد المصري. ولهذا يجب تحديد قائمة سنوية بأكبر السلع التي تستنزف العملة الأجنبية، ثم اختيار السلع التي يمكن تصنيعها محلياً اقتصادياً، وإطلاق برامج استثمارية واضحة لتوطينها.
ولكن يجب تجنب خطأ التصنيع بأي تكلفة، فالهدف ليس إنتاج سلعة محلية أغلى وأقل جودة، وإنما بناء صناعة قادرة على المنافسة والتصدير.
الجانب الثالث هو الطاقة.. وتحويلها من مصدر للضغط إلى مصدر للقوة، فإن ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً يمكن أن يتحول من تهديد إلى فرصة إذا نجحت مصر في تسريع مشروعات الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر، وزيادة كفاءة استهلاك الطاقة، والاستمرار في إعطاء الأولوية لزيادة إنتاج النفط والغاز المحليين، وتحسين كفاءة معامل التكرير والبتروكيماويات، وهو ماتقوم به الأن وزارة البترول في استراتيجيتها الجديدة، والمثال علي ذلك هو تطوير مصفاة الإسكندرية للبترول والتي انشأت عام ١٩٥٤.
فالقاعدة الجديدة يجب أن تكون مبنية علي استراتيجية لا نصدر المادة الخام إذا كان بإمكاننا تحويلها إلى منتج ذي قيمة أعلى.
أما الجانب الرابع فهو ضرورة إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي، ففي الظروف العادية يمكن تنفيذ عدد كبير من المشروعات بالتوازي، لكن في أوقات الأزمات يجب أن تكون الأولوية للمشروعات التي تحقق عائداً اقتصادياً سريعاً، وتوفر العملة الأجنبية، وتخلق فرص عمل، وتخفض فاتورة الاستيراد.
أما المشروعات الأقل إلحاحاً أو ذات العائد البطيء، فيمكن إعادة ترتيب توقيتها.
هذه ليست دعوة إلى وقف الاستثمار، وإنما إلى تغيير نوعية الاستثمار الحكومي.
أيضاً لا بد من ضرورة حماية الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل، فإن أي برنامج اقتصادي يفشل اجتماعياً إذا لم يقم بحماية القوة الشرائية للمواطن. ولذلك يجب أن تتحول الحماية الاجتماعية من الدعم العام إلى دعم أكثر استهدافاً وذكاء، مع التوسع في قواعد البيانات والرقمنة وربط الدعم بمستحقيه. وفي الوقت نفسه، يجب عدم ترك المواطن فريسة للزيادات غير المبررة في الأسعار، والمطلوب هو مواجهة التضخم من جذوره عبر زيادة المعروض، وتطوير سلاسل التوزيع، وتقليل الحلقات الوسيطة، وتشجيع المنافسة، ومواجهة الاحتكار.
اعتقد أن هذه القراءة لهذا الواقع تحتم أن مصر تحتاج إلى «اقتصاد الطوارئ ».
فالمرحلة المقبلة تتطلب إنشاء احتياطيات استراتيجية ليس فقط من العملات الأجنبية، وإنما أيضاً من السلع والطاقة والمدخلات الصناعية المهمة.
ويجب أن تعرف الدولة مسبقاً ماذا يحدث إذا ارتفع النفط إلى أرقام تتجاوز 120 دولاراً؟ وماذا يحدث إذا انخفضت إيرادات قناة السويس؟ وماذا يحدث إذا ارتفعت تكلفة الاقتراض العالمي؟ وماذا يحدث إذا تراجع الاستثمار الأجنبي؟
كل سيناريو يجب أن تكون له خطة جاهزة قبل وقوعه.
من ناحية أخرى، فإن مصر تحتاج إلى الاستثمار الأجنبي، لكن المطلوب هو الانتقال من مجرد جذب رؤوس الأموال إلى جذب الاستثمار، الذي ينتج ويصدر ويوظف وينقل التكنولوجيا.
ويجب أن يحصل المستثمر الذي ينشئ مصنعاً للتصدير، أو يوفر مكوناً محلياً أو يحقق إحلالاً حقيقياً للواردات على حوافز أكبر من المستثمر الذي يكتفي بالنشاط الاستهلاكي، بمعنى آخر، فإن الحوافز يجب أن تذهب إلى القيمة المضافة، وليس فقط إلى رأس المال.
إن المعركة الحقيقية هي معركة الإنتاج..
ربما يكون أهم درس من الأزمات الاقتصادية العالمية أن الدول التي تنتج غذاءها وجزءاً كبيراً من احتياجاتها وتمتلك قاعدة صناعية قوية وقدرة تصديرية، تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات. ولذلك فإن مصر لا تحتاج فقط إلى خطة تقشف، كما أنها لا تستطيع الاعتماد على الاقتراض لتمويل احتياجاتها بصورة مستمرة.
المطلوب هو نموذج اقتصادي جديد يقوم على الإنتاج والتصدير والاستثمار والإنتاجية، اقتصاد ينتج أكثر، ويستورد بذكاء، ويصدر أكثر، ويستهلك الطاقة بكفاءة، ويوجه الدعم إلى مستحقيه، ويستخدم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لتقليل التكلفة وزيادة الإنتاج.
الخطر الأكبر ليس الأزمة.. وإنما التأخر في الاستعداد
العالم لم يدخل حتى الآن في أزمة يمكن وصفها بأنها الأسوأ في التاريخ، والمؤشرات الأساسية لا تدعم هذا الرأي .
لكن الاقتصاد العالمي يقف أمام مجموعة من المخاطر المتزامنة التي يمكن أن تتحول إلى أزمة أكبر إذا اجتمعت واستمرت.
والدرس الأهم لمصر هو أن الاستعداد يجب أن يبدأ قبل وصول الموجة، وليس بعد أن تضرب الشاطئ.
فالأزمات الاقتصادية لا تقتل الدول القوية بالضرورة، وإنما تكشف نقاط ضعفها.
وقد تكون الأزمة العالمية المقبلة، إذا اتسعت، فرصة لمصر لإعادة بناء اقتصاد أكثر إنتاجاً وأقل اعتماداً على الاستيراد وأكثر قدرة على توليد العملة الأجنبية.
المطلوب ليس انتظار العاصفة، ولا تخويف المواطنين منها، وإنما بناء مناعة اقتصادية حقيقية. ففي عالم تتغير فيه موازين القوة الاقتصادية بسرعة، لن تكون الدولة الأقوى هي التي تمتلك أكبر احتياطي نقدي فقط، وإنما الدولة التي تستطيع إنتاج غذائها، وتأمين طاقتها، وتصنيع احتياجاتها، وتصدير منتجاتها، وحماية عملتها، وخلق فرص العمل، والتحرك بسرعة عندما تتغير قواعد اللعبة.
وهنا تحديداً تقع أمام مصر فرصة تاريخية، في أن تتعامل مع الأزمة العالمية المقبلة ـ إن وقعت ـ باعتبارها تهديداً يجب احتواؤه، وفي الوقت نفسه فرصة لإعادة صياغة الاقتصاد المصري على أسس أكثر قوة وصلابة واستقلالاً وقدرة على المنافسة.
الرابط المختصر
آخبار تهمك
الإسكان تعلن منظومة جديدة لتخصيص الأراضي.. ضوابط جديدة لجدية المستثمرين ومرونة في السداد
27 أغسطس 2026 12:38 م
سعر الدولار مقابل الجنيه اليوم الخميس 27 أغسطس.. تحديث جديد
27 أغسطس 2026 12:16 م
الغرف التجارية تطلق «أهلاً مدارس» في مطروح بخصومات تصل إلى 50%
27 أغسطس 2026 11:18 ص
الذهب يستقر في مصر بعد انخفاض حاد.. ماذا يحدث في الأسواق؟
27 أغسطس 2026 10:37 ص
أسعار النفط اليوم الخميس.. برنت يواصل التراجع وسط آمال بإعادة فتح مضيق هرمز
27 أغسطس 2026 10:37 ص
أسعار الذهب اليوم الخميس 27 أغسطس 2026.. عيار 21 بكام؟
27 أغسطس 2026 08:30 ص
الأكثر قراءة
أكثر الكلمات انتشاراً