الإثنين، 21 سبتمبر 2026

12:23 ص

في ذكرى رحيلها.. تحية كاريوكا من راقصة «الكاريوكا» إلى أيقونة خالدة في تاريخ الفن

الإثنين، 21 سبتمبر 2026 12:10 ص

تحية كاريوكا

تحية كاريوكا

تحل اليوم الأحد 20 سبتمبر ذكرى رحيل الفنانة الكبيرة تحية كاريوكا، إحدى أبرز الأسماء التي صنعت لنفسها مكانة استثنائية في تاريخ الفن المصري والعربي، بعدما جمعت بين موهبة الرقص الشرقي وحضور الممثلة وقدرتها على تجسيد الشخصيات المختلفة، إلى جانب شخصية قوية جعلتها واحدة من أكثر نجمات جيلها حضورًا وتأثيرًا.

لم تكن تحية كاريوكا مجرد راقصة اشتهرت على خشبة المسرح وفي السينما، وإنما تحولت على مدار سنوات طويلة إلى فنانة متكاملة، استطاعت أن تنتقل من عالم الرقص إلى التمثيل، ومن الشاشة إلى المسرح والتلفزيون، وأن تحافظ على حضورها رغم تغير مراحل عمرها وطبيعة الأدوار التي قدمتها.

البداية من الإسماعيلية

ولدت تحية كاريوكا باسم تحية محمد علي النيداني عام 1915 في محافظة الإسماعيلية، وظهرت موهبتها الفنية في سن مبكرة، إذ انجذبت إلى الرقص والغناء والتمثيل، قبل أن تقرر الانتقال إلى القاهرة بحثًا عن فرصة حقيقية لدخول الوسط الفني.

وكانت القاهرة نقطة التحول الأهم في حياتها، بعدما التقت الراقصة الشهيرة بديعة مصابني، التي اكتشفت موهبتها وقررت ضمها إلى فرقتها عام 1935، لتبدأ تحية من خلالها مرحلة جديدة ساعدتها على صقل موهبتها والتعرف عن قرب على أجواء الفن والاستعراض.

سر لقب «كاريوكا»

وفي عام 1940، رشحها الفنان سليمان نجيب لتقديم رقصة منفردة حملت اسم «كاريوكا»، وصممها لها مصمم الرقصات إزاك ديكسون، وكانت الرقصة مستوحاة من الفيلم الأمريكي الشهير «الطريق إلى ريو».

وقدمت تحية الرقصة بطريقة لفتت أنظار الجمهور، حتى أصبح اسم «كاريوكا» مرتبطًا بها، وتحول اللقب تدريجيًا إلى الاسم الفني الذي عُرفت به طوال مسيرتها.

ورغم أنها لم تكن سعيدة باللقب في البداية، فإن موقفها تغير عندما سمعت أحد المهاجرين العرب في الولايات المتحدة يناديها باسم «تحية كاريوكا»، لتدرك أن شهرتها لم تعد محصورة داخل مصر، وأن اسمها أصبح معروفًا خارج حدودها.

سليمان نجيب ونجيب الريحاني في حياتها الفنية

لعب الفنان سليمان نجيب دورًا مهمًا في حياة تحية كاريوكا، ولم يقتصر دعمه لها على المجال الفني، إذ ساعدها على استكمال تعليمها في مدرسة فرنسية، بعدما لاحظ قدرتها على التحدث باللغة الفرنسية، وذلك بعد أن كانت قد تركت الدراسة في فترة سابقة لمساعدة أسرتها.

كما ساعدها في دراسة فن السولفاج الموسيقي، وكان من الشخصيات التي ساهمت في تقريبها من الفنان الكبير نجيب الريحاني، الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز الداعمين لها في بداياتها التمثيلية.

وتحدثت تحية كاريوكا في مناسبات مختلفة عن الفنانة ماري منيب، مؤكدة أنها كانت بمثابة أم ثانية لها، كما أشادت بنجيب الريحاني ودوره في احتوائها ومساندتها خلال خطواتها الأولى في عالم التمثيل.

وكانت مشاركتها أمام الريحاني في فيلم «لعبة الست» إحدى المحطات المهمة في مشوارها، خاصة أن الفنان الكبير ساعدها على التخلص من التوتر والخوف أمام الكاميرا، كما وصل أجرها في الفيلم إلى 2500 جنيه، وهو مبلغ كان ضخمًا بمقاييس ذلك الزمن.

من الرقص إلى التمثيل

مع مرور الوقت، أثبتت تحية كاريوكا أنها لا تعتمد على الرقص وحده، وإنما تمتلك موهبة تمثيلية حقيقية، وهو ما ظهر من خلال وقوفها أمام مجموعة من كبار نجوم السينما، ومن بينهم يوسف وهبي ونجيب الريحاني، إلى جانب شكري سرحان وعماد حمدي وغيرهما.

وكان فيلم «بنت الهوى» مع يوسف وهبي من المحطات المبكرة المهمة في مشوارها السينمائي، بينما ظل المسرح يحتل مكانة خاصة لديها، وكانت تعتبره الفن الأقرب إلى قلبها بسبب التواصل المباشر مع الجمهور والتفاعل اللحظي معه.

وكانت تشبه فريق العمل المسرحي بفريق كرة القدم، باعتبار أن نجاح العرض لا يعتمد على شخص واحد، وإنما يحتاج إلى التعاون والانسجام بين جميع عناصره.

زيجات متعددة وحياة شخصية حافلة

وعلى المستوى الشخصي، خاضت تحية كاريوكا تجربة الزواج عدة مرات، وكان من بين أبرز أزواجها المطرب محرم فؤاد، والفنان رشدي أباظة، والمخرج فايز حلاوة، الذي ارتبط اسمها به أيضًا بتجربة مسرحية مهمة.

ومع مرور السنوات، لم تتوقف عن تطوير أدواتها الفنية، بل انتقلت تدريجيًا إلى تقديم أدوار أكثر نضجًا، ونجحت في التعامل مع تغير طبيعة الشخصيات التي تعرض عليها.

نحو 200 عمل فني

قدمت تحية كاريوكا خلال مسيرتها ما يقرب من 200 عمل فني، تنوعت بين السينما والمسرح والتلفزيون، وهو رصيد يعكس طول مشوارها وقدرتها على الاستمرار في مراحل مختلفة من تاريخ الفن المصري.

ومن أبرز أعمالها السينمائية «لعبة الست»، و«شباب امرأة»، و«شاطئ الغرام»، و«السقا مات»، و«سمارة»، و«أم العروسة»، و«الفتوة»، إلى جانب «إسكندرية كمان وكمان».

ومع تقدمها في العمر، انتقلت إلى أدوار الأم والشخصيات الأكثر نضجًا، وقدمتها بحضور إنساني مميز، ومن أبرزها «خلي بالك من زوزو»، و«صباح الخير يا زوجتي العزيزة»، و«الجراج»، و«يا تحب يا تقب»، فضلًا عن «أم العروسة».

تجربتها المسرحية

لم يكن المسرح مجرد محطة عابرة في حياة تحية كاريوكا، بل كان أحد أهم المجالات التي منحتها مساحة للتعبير عن موهبتها.

وبدأت تجربتها المسرحية مع الفنان إسماعيل ياسين، قبل أن تؤسس مع زوجها السابق المخرج فايز حلاوة فرقة «تحية كاريوكا المسرحية»، التي قدمت من خلالها 18 مسرحية، من بينها «كل الرجالة كده»، و«يا الدفع يا الحبس»، و«حضرة صاحب العمارة»، و«روبابيكيا»، و«المعلمة»، و«يحيا الوفد».

كما امتدت تجربتها إلى التلفزيون، فشاركت في مجموعة من الأعمال، منها «سر الأرض»، و«المنزل الخلفي»، و«مخلوق اسمه المرأة»، و«صابر يا عم صابر»، و«حكايات هو وهي»، و«القلوب عند بعضها»، وغيرها.

قرار اعتزال الرقص

وفي خمسينيات القرن الماضي، اتخذت تحية كاريوكا قرارًا بالابتعاد عن الرقص والتفرغ للمسرح والتمثيل، انطلاقًا من رؤيتها الخاصة لطبيعة هذا الفن وضرورة معرفة الفنان للوقت المناسب للابتعاد عنه.

وقالت في أحد حواراتها: «على الراقصة أن تتحلى بالذكاء وتعلم جيدًا أن هناك سنًا معينًا للراقصة يجب الاعتزال فيه، حتى لا تشوه الصورة الجميلة التي عرفها بها الناس».

وبهذا القرار، بدأت مرحلة جديدة من حياتها الفنية، ركزت خلالها بصورة أكبر على التمثيل، وأثبتت أن نجوميتها لم تكن مرتبطة بالاستعراض فقط، وإنما بقدرتها على تقديم شخصيات مختلفة والتعامل مع أجيال متعاقبة من الفنانين.

الرحيل بعد مسيرة حافلة

وفي 20 سبتمبر عام 1999، رحلت تحية كاريوكا عن عمر ناهز 84 عامًا، بعد تعرضها لأزمة حادة في الجهاز التنفسي، نُقلت على إثرها إلى معهد ناصر الطبي، حيث لفظت أنفاسها الأخيرة.

وبعد رحيلها، فقدت الساحة الفنية واحدة من أكثر الشخصيات تميزًا في تاريخ الفن المصري، إلا أن غيابها الجسدي لم ينهِ حضورها، فقد بقيت أعمالها وشخصياتها شاهدة على مسيرة فنانة استطاعت أن تعبر أكثر من مرحلة فنية، وأن تنتقل من الرقص إلى السينما والمسرح والتلفزيون، لتظل تحية كاريوكا واحدة من الأسماء التي يصعب تجاوزها عند الحديث عن رموز الفن المصري.

الرابط المختصر

search