الدكتورة رانية يوسف صافي تكتب: ومن الحب ما قتل من منظور القانون الجنائي الدولي
السبت، 26 سبتمبر 2026 12:14 م
الدكتورة رانية يوسف صافي
ليس كل حبٍّ يُفضي إلى الحياة، ولا كل قلبٍ يعرف كيف يحمل مشاعره دون أن تتحول إلى نارٍ تلتهم ما حولها. فقد يبدأ الحب وعدًا بالخلود، وينتهي في بعض الأحيان مأساةً تتجاوز حدود الأفراد، لتلامس القانون الجنائي الدولي حين تتشابك العاطفة مع الحرب والسلطة والانتقام، ومن هنا تأتي العبارة القديمة: «ومن الحب ما قتل»، لا باعتبارها وصفًا أدبيًا فحسب، وإنما باعتبارها مدخلًا لفهم كيف يمكن لنزعة شخصية أن تنزلق، في ظروف استثنائية، إلى جريمة تمس الإنسانية ذاتها.
تبدأ الحكاية في دولةٍ أنهكتها الحرب، حيث أحب ضابطٌ شاب امرأةً تنتمي إلى الطرف الآخر من النزاع، كان الحب بينهما سرًا محرّمًا في زمنٍ أصبحت فيه الهوية السياسية والانتماء العسكري أقوى من الروابط الإنسانية.. تعاهدا على الهرب بعيدًا عن أصوات المدافع، غير أن الحرب لم تمنحهما فرصة النجاة.
اكتشف أحد قادة الجماعة المسلحة علاقتهما، فاشتعلت في نفسه الرغبة في الانتقام. لم يكن هدفه إنهاء علاقة عاطفية فحسب، بل أراد أن يجعل من المرأة ومن المدنيين المحيطين بها عبرةً لكل من يفكر في مخالفة أوامر الجماعة، فأصدر أوامر باستهداف القرية التي لجأت إليها، مع علمه بوجود عدد كبير من المدنيين فيها.
في ليلةٍ حالكة، تحولت القرية إلى مسرح للموت.. قُتل مدنيون، وأُصيب آخرون، ودُمّرت منازل لا علاقة لأصحابها بالقتال، أما الحبيبان فقد افترقا تحت وطأة القصف، وتحول الوعد بالهروب إلى مأساة لا يستطيع الزمن محو آثارها.
ومن الناحية القانونية: لا يكفي أن نقول إن الجريمة كانت نتيجة «الحب» أو «الغيرة» حتى نضفي عليها وصف الجريمة الدولية، فالقانون الجنائي الدولي ينظر إلى طبيعة الفعل وسياقه والعناصر المكونة له. ويحدد نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الجرائم الداخلة في اختصاصها، وهي الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة العدوان.
فإذا ارتُكبت عمليات القتل في سياق نزاع مسلح، واستهدفت أشخاصًا محميين بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني، فقد يدخل الفعل في نطاق جرائم الحرب متى توافرت شروطها القانونية. أما إذا كان القتل جزءًا من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد سكان مدنيين، مع علم الجاني بهذا الهجوم، فقد يندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية وفق المادة السابعة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية..
وهنا يظهر الفارق الدقيق بين القانون الجنائي الوطني والقانون الجنائي الدولي. ففي مصر، يعالج قانون العقوبات جريمة القتل العمد، وتتناول المادة 230 القتل العمد المقترن بسبق الإصرار أو الترصد بمعاقبة الجاني بالاعدام، بينما عرّفت المادة 231 مفهوم الإصرار السابق بأنه القصد المصمم عليه قبل الفعل لإرتكاب جنحة أو جناية يكون غرض المصر منها إيذاء شخص معين، أو أي شخص غير معين وجد أو صادفه سواء كان ذلك القصد معلقًا علي حدوث أمر أو موقوفًا علي شرط ، وبيّنت المادة 232 معنى الترصد بأنه تربص الإنسان لشخص في جهة أو جهات كثيرة مدة من الزمن طويلة كانت أو قصيرة ليتوصل إلى قتل ذلك الشخص أو إيذاءه بالضرب ونحوه، ومتي وقعت وصدقت الدولة علي الاتفاقية الدولية ووافق عليها مجلس النواب بأغلبية أعضاءه ونشرتها بالجريدة الرسمية أصبحت الاتفاقية ملزمة للأفراد.
أما القانون الدولي الجنائي، فلا يكتفي بمجرد إثبات وقوع القتل؛ إذ يبحث أيضًا عن السياق الدولي أو النزاع المسلح والعناصر الخاصة بالجريمة الدولية، ولذلك فإن قتل شخص بدافع الغيرة، ولو كان بشعًا ومتعمدًا، يظل في الأصل جريمة جنائية وطنية ما لم تتوافر الشروط التي تجعل الفعل جريمة تدخل في نطاق الجرائم الدولية.
وهكذا تكشف قصة الحبيبين عن حقيقة قانونية وإنسانية بالغة الأهمية: المشاعر لا تُنشئ الجريمة الدولية، وإنما قد تكون الدافع الذي يقود إلى ارتكاب فعل تتوافر فيه أركانها القانونية، فالغيرة قد تشعل الرغبة في الانتقام، والحب قد يتحول إلى ذريعة، والسلطة قد تمنح الجاني القدرة على تنفيذ ما عجز عنه الفرد العادي؛ لكن الوصف القانوني النهائي لا تحدده العاطفة، وإنما تحدده الأدلة والأركان والظروف المحيطة بالفعل.
وختامًا.. قد يبدأ الأمر بقلبٍ أحب، ثم بقلبٍ غار، ثم بيدٍ امتدت إلى السلاح، فإذا بالمأساة تتجاوز حدود قصة عاطفية لتصبح قضيةً تمس أمن الإنسان وكرامته. ولعل أبلغ ما تعلمنا إياه هذه القصة أن الحب حين يفقد إنسانيته يتحول إلى امتلاك، والغيرة حين تنفصل عن العقل تتحول إلى انتقام، والانتقام حين تتكئ عليه السلطة قد يتحول إلى جريمة تهز ضمير الإنسانية.
فالقانون لا يحاكم الحب، ولا يجرّم المشاعر، وإنما يحاكم الفعل حين يتحول الشعور إلى اعتداء على الحق في الحياة. ولذلك تبقى العدالة هي الحد الفاصل بين عاطفةٍ عابرة وجريمةٍ لا ينبغي أن يسمح المجتمع، وطنيًا أو دوليًا، بأن تمر بلا مساءلة؛ لأن الحياة الإنسانية أسمى من أن تكون ثمنًا لحبٍ ضلّ طريقه، أو غيرةٍ فقدت رشدها، أو انتقامٍ ارتدى ثوب العاطفة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عضو الجمعية المصرية للقانون الدولي والجمعية المصرية للأمم المتحدة
الرابط المختصر
آخبار تهمك
آخر موعد لحجز شقق «سكن لكل المصريين 9».. تعرف على شروط التقديم وأنواع الوحدات
26 سبتمبر 2026 08:30 ص
أسعار الفراخ اليوم السبت 26 سبتمبر 2026.. البيضاء والبلدي والساسو والبيض
26 سبتمبر 2026 04:30 ص
تراجع أسعار القمح في أوروبا مع ترقب استئناف صادرات البحر الأسود
25 سبتمبر 2026 04:07 م
مواعيد غلق المحلات والمطاعم اليوم.. تفاصيل العمل بالتوقيت الشتوي
25 سبتمبر 2026 02:46 م
ستاربكس تغلق 250 فرعًا في أمريكا وكندا ضمن خطة لإعادة هيكلة المتاجر
25 سبتمبر 2026 02:35 م
موعد تغيير الساعة في مصر 2026.. متى يبدأ التوقيت الشتوي وتأخير الساعة؟
25 سبتمبر 2026 02:33 م
الأكثر قراءة
-
الدكتورة رانية يوسف راغب صافي تكتب: الحماية الجنائية للمرأة ضد العنف الدولي والوطني
-
الأهلي: تصريحات المدير الفني للمنتخب غير مسئولة وتعكِسُ رؤية محدودة
-
طقس مصر السبت 26 سبتمبر.. حار رطب نهارًا وأمطار خفيفة على السواحل الشمالية
-
مواعيد مباريات اليوم السبت 26 سبتمبر 2026.. إنجلترا وإسبانيا الأبرز وصدام السعودية وعمان
-
رابط نتيجة تنسيق طلاب الثانوية الأزهرية للقبول بالمعاهد وكليات الجامعات الحكومية
-
موعد مباراة إنجلترا وإسبانيا في دوري الأمم الأوروبية والقنوات الناقلة
-
مواعيد مباريات اليوم السبت 26 سبتمبر 2026.. إنجلترا وإسبانيا الأبرز وصدام السعودية وعمان
-
الأهلي: تصريحات المدير الفني للمنتخب غير مسئولة وتعكِسُ رؤية محدودة
-
خاص | بيراميدز يراهن على نذير بن بوعلي.. وحقيقة خلافه مع موكوينا
-
ترتيب مجموعة مصر في تصفيات أمم إفريقيا 2027 بعد التعادل مع أنجولا
-
الدكتورة رانية يوسف صافي تكتب: ومن الحب ما قتل من منظور القانون الجنائي الدولي
-
موعد مباراة السعودية وعمان في خليجي 27
-
موعد مباراة إنجلترا وإسبانيا في دوري الأمم الأوروبية والقنوات الناقلة
-
مواعيد مباريات اليوم السبت 26 سبتمبر 2026.. إنجلترا وإسبانيا الأبرز وصدام السعودية وعمان
-
رحمة محسن تستعد لإطلاق أول ألبوماتها الغنائية "ملوش تاني"
أكثر الكلمات انتشاراً