السبت، 26 سبتمبر 2026

10:35 م

د. أميمة منير جادو تكتب: التشكيل الوجداني وبناء الدلالة في قصيدة يَمام للشاعر رفعت المرصفي

السبت، 26 سبتمبر 2026 10:18 م

د. أميمة منير جادو

د. أميمة منير جادو

حين عادَ اليَمامُ فاستيقظتِ الذاكرة:
تنتمي قصيدة «يَمام» للشاعر رفعت المرصفي إلى ذلك اللون من الشعر الوجداني التأملي الذي ينطلق من مشهد بسيط في ظاهره، ثم يتجاوز حدود المشاهدة الحسية إلى فضاء أرحب من الدلالة والذاكرة والحنين. فالقصيدة لا تبدأ من حادثة استثنائية، وإنما من مشهد يومي عابر: شاعر يعود إلى منزله بمرصفا، فيجد يمامة قد اتخذت لنفسها عشًّا أعلى الباب الخارجي. غير أن هذا المشهد البسيط لا يبقى في حدود الواقع المرئي؛ إذ سرعان ما يتحول الطائر إلى علامة شعرية تستدعي الماضي، وتوقظ في النفس ما خمد من الذكريات، وتعيد الشاعر إلى زمن الأحبة الذين غابوا.

وهذه القدرة على تحويل الجزئي والعابر إلى مدخل لتجربة إنسانية أوسع ؛ ليست غريبة عن تجربة رفعت المرصفي؛ فقد بدأ نشر أعماله الشعرية منذ عام 1982، وتعددت دواوينه بين التجربة الوجدانية والدينية والوطنية والقومية، إلى جانب الشعر العامي وشعر الأطفال والدراسات النقدية والتاريخية. ومن أعماله المنشورة: «اذكريني»، و«قراءة في كتاب الفطرة»، و«حروف على صفحة القلب»، و«دماء على جدران التاريخ»، و«في معية الله»، و«للعشق رائحة البحر»، و«شروق والقمر»، ثم أعمال أخرى لاحقة مثل «هل ولى زمن الفرسان» و«خفقات في رحاب مكة» و«وشكل النهر ملامحي» و«روايح من زمان الطيبين» و«هديل وأوجاع».

كما ارتبط اسمه بقريته (مرصفا) ارتباطًا وجدانيًّا وثقافيًّا واضحًا؛ فقد أسس بها صالونه الثقافي والأدبي سنة 2003، وجعل منه فضاءً لرعاية المواهب واستضافة رموز الأدب والثقافة وتكريمهم ؛ وإصدار عدد كبير من الكتب.

ومن هنا تبدو خصوصية قصيدة «يَمام» في أنها تعود بالشاعر إلى المكان ذاته الذي يحمل ذاكرة الطفولة والأهل، فيصبح البيت أكثر من جدران، والباب أكثر من مدخل، واليمام أكثر من طائر؛ إذ تتحول الأشياء الثلاثة إلى مفاتيح للذاكرة.

أولًا: الملخص الدلالي العام:

تقوم القصيدة على مشهد شعري مركزي: يمامة تختار بيت الشاعر موضعًا لعشها. يبدأ الشاعر بالتساؤل عن سبب اختيارها، ثم يمنحها شيئًا من صفاته الإنسانية؛ فهي تبحث عن الأمان، أو عن الأحبة، أو عن السكون، أو ربما جاءت وفية للشعر وعاشقة له.

ثم يرتفع المشهد من مستوى التساؤل إلى مستوى البشارة، حين يقول:

«فَهِيَ الْبِشَارَةُ وَالْيَمَامُ أَتَانَا»

لكن البشارة لا تنتهي إلى فرح خالص؛ إذ ما إن يستدعي اليمام الماضي حتى تنفتح بوابة الذاكرة، فيتذكر الشاعر طفولته والأحبة الذين كانوا يحيطون بهم، ثم يواجه الحقيقة المؤلمة:

«وَالْيَوْمَ رَاحُوا وَاسْتَدَارَ زَمَانُهُمْ
وَأَتَى الْيَمَامُ يُفَجِّرُ الْأَشْجَانَا»

وهنا يتكشف البناء الدلالي العميق للقصيدة: اليمام يأتي في ظاهر الأمر بالبشارة، لكنه في باطن التجربة يأتي بالذاكرة، والذاكرة تستدعي الغائبين، والغائبون يستحضرون الشجن.

ثانيًا: الانتماء النوعي للقصيدة:
القصيدة في بنيتها قصيدة عمودية وجدانية تأملية، تقوم على وحدة القافية، وتنتظم في أبيات ذات بناء كلاسيكي واضح، مع توظيف معاصر للرؤية والصورة.

وهي وجدانية لأنها تنطلق من إحساس ذاتي شديد الخصوصية، وتأملية لأنها لا تكتفي بتسجيل الشعور، وإنما تحاول تفسير حضور اليمام ودلالته: لماذا جاء؟ ولماذا اختار هذا المكان؟ وماذا يعني حضوره للشاعر؟

وهي كذلك قصيدة حنين وذاكرة؛ إذ يتحول الحاضر إلى جسر يعيد الذات إلى زمن الطفولة والأحبة.

ومن الناحية العروضية، تظهر القصيدة في بنية الكامل، وهو بحر له حضور بارز في تجربة المرصفي بحسب الدراسات المنشورة عن شعره.

ثالثًا: العنوان «يَمام»:
جاء العنوان في كلمة واحدة، لكنها كلمة محورية تختصر البؤرة الأولى للنص.

واللافت أن الشاعر لم يسمِّ القصيدة مثلًا «الحنين» أو «الذكرى» أو «الأشجان»، مع أن هذه المعاني هي التي تنتهي إليها التجربة، وإنما اختار «يَمام»؛ لأن اليمام هو المدخل الحسي الذي تتولد منه كل تلك الدلالات.

وبذلك يصبح العنوان عنوانًا إيحائيًّا رمزيًّا؛ فهو لا يشرح القصيدة، بل يترك القارئ أمام العلامة التي سيفك شفرتها أثناء القراءة.

رابعًا: اليمام بوصفه بؤرة رمزية:

لا يبقى اليمام في القصيدة طائرًا طبيعيًّا فحسب، وإنما يتحول تدريجيًّا إلى شخصية شعرية.

يقول:

«حَضَرَ الْيَمَامُ وَعَانَقَ الْجُدْرَانَا
هَلْ قَدْ أَحَسَّ مِنَ الدِّيَارِ أَمَانَا؟»

فالفعل «عانق» فعل إنساني، وقد أسنده الشاعر إلى الطائر والجدران، فحوّل العلاقة بين الطائر والمكان من علاقة وجودية إلى علاقة وجدانية.

ثم يقول:

«فَرَشَ الْمَتَاعَ لِكَيْ تَنَامَ صِغَارُهُ
فَكَسَى الْجِدَارَ مَوَدَّةً وَحَنَانَا»

وهنا تتضاعف أنسنة اليمام؛ فهو أب أو أم يحمل مسؤولية الصغار، ويبحث لهم عن مأوى، بينما يتحول الجدار نفسه إلى كائن يمكن أن يُكسى بالمودة والحنان.

وهكذا تنتقل القصيدة من الطبيعة إلى الإنسان، ومن الطائر إلى الأسرة، ومن العش إلى البيت.

خامسًا: البيت والعش والجدار... معجم الأمان:

ثمة شبكة دلالية واضحة تتشكل من كلمات:

الديار ـ الأمان ـ المتاع ـ صغاره ـ الجدار ـ المودة ـ الحنان ـ الأحبة ـ السكون ـ دارنا.

وكلها تصب في معنى واحد هو المأوى.

فاليمامة تبحث عن مكان آمن لصغارها، والشاعر يجد في حضورها استعادة لصورة البيت القديم؛ بيت الطفولة الذي كان يحتضن الأحبة.

ولذلك فإن العش والبيت يتداخلان في المخيال الشعري؛ كلاهما موضع حماية، وكلاهما يحتفظ بذاكرة من عاشوا فيه.

سادسًا: الاستفهام ودوره في بناء القصيدة:

يبدأ الشاعر سلسلة من الأسئلة:

«هَلْ قَدْ أَحَسَّ مِنَ الدِّيَارِ أَمَانَا؟»

ثم:

«هَلْ جَاءَ يَبْحَثُ عَنْ أَحِبَّتِهِ هُنَا
أَمْ جَاءَ يَسْكُنُ فِي السُّكُونِ مَكَانَا؟»

ثم:

«أَمْ أَنَّهُ لِلشِّعْرِ يَحْفَظُ قَدْرَهُ
فَأَتَى مُحِبًّا عَاشِقًا وَلَهَانَا؟»

وهذا التتابع الاستفهامي ليس طلبًا حقيقيًّا للإجابة، وإنما هو استفهام تأملي يكشف حركة الذهن الشعري.

فالشاعر لا يعرف لماذا جاء اليمام، ولذلك يملأ غياب المعرفة بالاحتمالات: ربما جاء بحثًا عن الأمان، وربما عن الأحبة، وربما بحثًا عن السكون، وربما كان للشعر نصيب من هذه الزيارة.

وبذلك يتحول السؤال إلى أداة لإنتاج المعنى.

سابعًا: من الواقع إلى الأسطورة الدينية

تبلغ القصيدة درجة أخرى من التخييل في قوله:

«وَلَعَلَّهُ مِنْ غَارِ ثَوْرٍ قَدْ أَتَى
فَمَنِ الَّذِي أَعْطَى لَهُ الْعُنْوَانَا؟»

وهنا يستدعي الشاعر غار ثور، وهو استدعاء يتصل بحادثة الهجرة النبوية، حيث يثبت القرآن أصل وجود النبي ﷺ وأبي بكر رضي الله عنه في الغار في قوله تعالى:

﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ...﴾ [التوبة: 40].

أما ارتباط الحمامتين بمدخل الغار فهو حاضر في بعض روايات السيرة، مع اختلاف أهل الحديث في قوة بعض طرقها؛ ولذلك فالأدق نقديًّا أن نقول إن الشاعر يستدعي الصورة التراثية الشائعة للحمامتين عند غار ثور، لا أن نجعل هذه التفاصيل جزءًا من نص القرآن نفسه. وقد وردت روايات في كتب السيرة تذكر حمامتين عند فم الغار.

وهذا الاستدعاء يضيف إلى اليمامة معنى جديدًا: الحماية والنجاة والأمان، وهو معنى كان موجودًا أصلًا في بداية القصيدة.

وبذلك يصبح التناص هنا وظيفيًّا؛ فهو لا يأتي للزينة الثقافية، وإنما يعمّق الدلالة المركزية للنص.

ثامنًا: التناص:

يمكن رصد ثلاثة مستويات من التناص:

1 ـ التناص القرآني:
في استحضار غار ثور والهجرة، مع إحالة مباشرة إلى المجال الدلالي للآية الكريمة في سورة التوبة.

2 ـ التناص التراثي/السيري:
في صورة الحمامتين المرتبطة بروايات غار ثور.

3 ـ التناص الوجداني مع التراث الشعري:
لا أرى في النص إحالة لفظية مباشرة إلى قصيدة بعينها تسمح لنا بإثبات اقتباس أو معارضة شعرية محددة. والأصح نقديًّا ألا نحمّل النص تناصًا غير موثق. لكن ثمة تجاورًا دلاليًّا مع تقليد شعري عربي طويل يجعل الطير رسولًا للحنين أو بشيرًا أو حاملًا لرسالة من الغائبين.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن التشابه في الرمز ليس بالضرورة تناصًّا مباشرًا.

تاسعًا: اليمام والشعر:

من أجمل النقلات في النص قوله:

«أَمْ أَنَّهُ لِلشِّعْرِ يَحْفَظُ قَدْرَهُ
فَأَتَى مُحِبًّا عَاشِقًا وَلَهَانَا»

هنا يدخل الشاعر نفسه في المشهد؛ فاليمام لم يعد ضيفًا على البيت وحده، بل ضيفًا على الشاعر والشعر.

وهذه النقلة تمنح الطائر وظيفة ميتاشعرية؛ أي أن اليمام يصبح، بصورة غير مباشرة، رفيقًا للشاعر في عالم القصيدة.

وكأن الشاعر يرى في هذا الطائر كائنًا يعرف قيمة المكان والشعر والذاكرة، فيمنحه صفات المحب والعاشق والولهان.

عاشرًا: التحول من اليمام إلى البشارة:

يصل البناء الشعوري إلى ذروة مؤقتة:

«قَلْبِي يُحَدِّثُنِي وَرَبِّي شَاهِدٌ
فَهِيَ الْبِشَارَةُ وَالْيَمَامُ أَتَانَا»

وهذه من أهم لحظات القصيدة.

فبعد سلسلة الأسئلة والاحتمالات، ينتقل الشاعر من التفسير العقلي إلى اليقين الوجداني.

لم يعد يسأل: لماذا جاء اليمام؟

بل أصبح قلبه هو مصدر الإجابة:

«قَلْبِي يُحَدِّثُنِي»

ويؤكد صدق إحساسه بقوله:

«وَرَبِّي شَاهِدٌ»

وهنا تتداخل ثلاثة مستويات:

القلب ـ الإيمان ـ البشارة.

وهذا يجعل اليمام علامة روحية أكثر منه مجرد عنصر طبيعي.

الحادي عشر: المفارقة بين البشارة والشجن

لكن الشاعر لا يتركنا عند البشارة.

فاليمامة التي بدت بشيرًا ستتحول في نهاية القصيدة إلى مفتاح للحزن:

«فَاجْتَرَّتِ الْأَيَّامُ سَابِقَ عَهْدِهَا
وَتَدَاعَتِ الذِّكْرَى... وَمَا قَدْ كَانَا»

ثم:

«كُنَّا صِغَارًا كَالْيَمَامِ بِدَارِنَا
نَسَجَ الْأَحِبَّةُ حَوْلَنَا الْأَفْنَانَا»

ثم تأتي الضربة الشعورية الأخيرة:

«وَالْيَوْمَ رَاحُوا وَاسْتَدَارَ زَمَانُهُمْ
وَأَتَى الْيَمَامُ يُفَجِّرُ الْأَشْجَانَا»

وهنا تظهر المفارقة المركزية في القصيدة:

اليمام بدأ بوصفه بشارة، وانتهى بوصفه باعثًا على الشجن.

وهذا التحول هو الذي يمنح القصيدة عمقها الحقيقي.

الثاني عشر: الزمن في القصيدة:

القصيدة قائمة على مستويين زمنيين:

الحاضر: عودة الشاعر إلى المنزل ورؤية اليمامة.

الماضي: الطفولة ووجود الأحبة.

لكن الماضي لا يظهر في صورة استرجاع سردي طويل، وإنما ينفجر فجأة من داخل الحاضر.

وهذا يجعل الزمن في النص زمنًا نفسيًّا؛ فالماضي ليس خلف الشاعر تمامًا، وإنما يسكن الأشياء المحيطة به، ويمكن لتفصيل صغير ــ مثل يمامة فوق باب ــ أن يستدعيه دفعة واحدة.

الثالث عشر: المكان في القصيدة:

المكان في القصيدة ليس خلفية محايدة.

فـمرصفا، والبيت، والجدار، والباب، والعش، كلها تتحول إلى ذاكرة.

واللافت أن الشاعر لم يقل إن اليمامة بنت عشها في أي مكان، بل جعلها أعلى «الباب الخارجي»؛ والباب بطبيعته حدّ فاصل بين الداخل والخارج، بين البيت والعالم، ولذلك يصبح اختيار هذا الموضع مناسبًا للغاية لدلالة القصيدة: اليمامة تقف على العتبة بين الحاضر والماضي.

الرابع عشر: الصورة الشعرية:

تعتمد القصيدة على صور سهلة وقريبة من الحس، لكنها تؤدي وظيفة دلالية واضحة.

من ذلك:

«وَعَانَقَ الْجُدْرَانَا»

حيث منح الطائر فعل العناق.

و:

«فَكَسَى الْجِدَارَ مَوَدَّةً وَحَنَانَا»

حيث تحولت المودة والحنان إلى كساء معنوي.

و:

«فَاجْتَرَّتِ الْأَيَّامُ سَابِقَ عَهْدِهَا»

وهي صورة لافتة؛ إذ يستعير الشاعر من فعل الاجترار ــ وهو إعادة الشيء ومضغه مرة أخرى ــ معنى إعادة الماضي إلى الذاكرة.

وأقوى الصور في رأيي:

«وَأَتَى الْيَمَامُ يُفَجِّرُ الْأَشْجَانَا»

لأن الشاعر نقل اليمام من كائن طبيعي إلى قوة قادرة على تفجير الشعور الكامن.

الخامس عشر: التشخيص وأنسنة الطبيعة:

تقوم القصيدة بصورة أساسية على التشخيص:

اليمام يحضر، يعانق، يبحث، يسكن، يحب، يعشق، يوله، يضحك، ويرقص.

يقول:

«فَإِذَا هُوَ يَرْقُصُ ضَاحِكًا نَشْوَانَا»

وهذا التشخيص يجعل الطائر شبيهًا بالإنسان، لكنه في الوقت نفسه يجعل الإنسان شبيهًا بالطائر؛ إذ يعود الشاعر لاحقًا إلى طفولته قائلًا:

«كُنَّا صِغَارًا كَالْيَمَامِ بِدَارِنَا»

وهنا تكتمل الدائرة:

الطائر يشبه الإنسان، والإنسان يتذكر نفسه في الطائر.

السادس عشر: اللغة والمعجم الشعري:

اللغة فصيحة، واضحة، ذات معجم وجداني كثيف، لكنه غير معقد.

ويمكن تقسيم المعجم إلى ثلاث دوائر:

دائرة المكان: الديار، الجدران، الدار، المكان.

دائرة الحنان: الأمان، المودة، الحنان، الأحبة.

دائرة الذاكرة: الأيام، العهد، الذكرى، كانوا، راحوا، الأشجان.

وهذا التدرج المعجمي يوازي التحول النفسي في القصيدة:

مكان ؛ أمان ؛ أحبة  ؛ ذاكرة ؛ فقد ؛حنين و شجن.

السابع عشر: الموسيقى والقافية:

اختار الشاعر بناءً عموديًّا موحد القافية، وجعل النهاية الصوتية الممتدة في الألف والنون حاضرة بقوة:

أَمَانَا ـ حَنَانَا ـ مَكَانَا ـ وَلَهَانَا ـ الْعُنْوَانَا ـ أَتَانَا ـ نَشْوَانَا ـ كَانَا ـ دَارِنَا ـ الْأَشْجَانَا.

وهذه القافية ذات الامتداد الصوتي تلائم طبيعة التجربة؛ فهي تسمح للنبرة أن تسترسل، وتمنح القصيدة نغمة غنائية حزينة من غير أن تسقط في الرثاء المباشر.

كما أن تكرار النهايات الصوتية يمنح النص قدرًا من الوحدة الموسيقية التي تتجاوب مع وحدة الذاكرة.

الثامن عشر: البناء الدرامي :

يمكن تقسيم حركة القصيدة إلى أربع مراحل:

المرحلة الأولى: ظهور اليمام.

المرحلة الثانية: محاولة تفسير حضوره.

المرحلة الثالثة: تحويله إلى بشارة واستدعاء غار ثور والبعد الروحي.

المرحلة الرابعة: انفتاح الذاكرة على الطفولة والأحبة، ثم انكشاف الشجن.

وهذا يعني أن القصيدة ليست مجموعة أبيات وصفية متجاورة، وإنما لها حركة داخلية واضحة.

التاسع عشر: الزمن بين الطفولة والشيخوخة:

من أكثر مواضع النص تأثيرًا الانتقال من:

«كُنَّا صِغَارًا كَالْيَمَامِ بِدَارِنَا»

إلى:

«وَالْيَوْمَ رَاحُوا وَاسْتَدَارَ زَمَانُهُمْ»

فكلمة «كُنَّا» تضع الماضي في مواجهة «اليوم».

وهنا لا يرثي الشاعر شخصًا واحدًا، وإنما يرثي زمنًا كاملًا.

فعبارة:

«رَاحُوا»

أوسع من موت فرد؛ إنها تشير إلى رحيل جماعة الأحبة، بينما:

«اسْتَدَارَ زَمَانُهُمْ»

تجعل الزمن نفسه شريكًا في عملية الغياب.

العشرون: ما يميز القصيدة فنيًّا:

أهم ما يمنح النص خصوصيته أنه لا يقول مباشرة: «اشتقت إلى طفولتي وأحبابي»، وإنما يجعل القارئ يصل إلى هذه النتيجة من خلال اليمامة.

وهذا أفضل فنيًّا من الخطاب المباشر؛ لأن الشاعر جعل الشيء الخارجي حاملًا للشعور الداخلي.

كما أن الانتقال من العش إلى البيت، ومن البيت إلى الطفولة، ومن الطفولة إلى الأحبة الراحلين، انتقال طبيعي ومقنع داخل منطق الذاكرة.

الحادي والعشرون: ملاحظات

وعلى الرغم من جمال الفكرة ووحدة البناء الشعوري، فإن بعض المواضع كان يمكن أن تستفيد من مزيد من التكثيف.

فتتابع الأسئلة في البداية يؤدي وظيفة واضحة، لكنه يجعل الحركة الشعرية في بعض المواضع أقرب إلى التفسير منها إلى الإيحاء.

كذلك فإن بعض الصور مثل «كَسَى الْجِدَارَ مَوَدَّةً وَحَنَانَا» جميلة في سياقها، لكنها تعتمد على لغة وجدانية مألوفة نسبيًّا، مقارنة بصورة أكثر خصوصية مثل «يُفَجِّرُ الْأَشْجَانَا».

أما الاستدعاء الخاص بغار ثور، فهو جميل من حيث الوظيفة الرمزية، غير أن قوته لا تأتي من كونه معلومة تاريخية بقدر ما تأتي من تحويل اليمامة إلى رمز للحماية والبشارة.

وهذه الملاحظات لا تنال من البناء العام للقصيدة، وإنما تكشف تفاوتًا طبيعيًّا في درجة كثافة الصورة الشعرية من موضع إلى آخر.

الثاني والعشرون: الرؤية الكلية:

تبدو قصيدة «يَمام» في ظاهرها قصيدة عن طائر وجد عشًّا فوق باب بيت، لكنها في عمقها قصيدة عن البيت الذي لم يعد كما كان، والأحبة الذين لم يعودوا، والزمن الذي لا يستطيع الإنسان استعادته إلا عبر الذاكرة.

فاليمامة ليست موضوع القصيدة النهائي، وإنما هي المحفِّز الشعري الذي أطلق الذاكرة.

يبدأ الشاعر من الخارج:

يمامة ـ عش ـ جدار ـ باب.

ثم يتحرك إلى الداخل:

قلب ـ ذكرى ـ طفولة ـ أحبة.

ثم ينتهي إلى الوجع:

رحيل ـ دوران زمن ـ أشجان.

وهكذا تتحول القصيدة من مشهد طبيعي إلى مشهد إنساني، ومن الحاضر إلى الماضي، ومن البشارة إلى الشجن.

ولعل أجمل ما فيها أن الشاعر لم يحتج إلى استدعاء الموت بصورة مباشرة؛ فقد جعل الغياب حاضرًا من خلال جملة قصيرة شديدة الكثافة:

«وَالْيَوْمَ رَاحُوا وَاسْتَدَارَ زَمَانُهُمْ»

فليس اليمام هو الذي عاد فقط؛ إنما عاد معه زمن بأكمله، وحين عاد الزمن لم يجد الشاعر إلا أن يستقبلَه بالذاكرة.

خاتمة:

إن «يَمام» قصيدة تستمد قوتها الأساسية من اقتصاد الفكرة واتساع الدلالة؛ إذ استطاع رفعت المرصفي أن يجعل من مشهد عابر في بيت بمرصفا مادة لتأمل أعمق في الأمان والانتماء والطفولة والحنين والفقد.

وهي، في جوهرها، قصيدة عن الذاكرة حين تسكن الأشياء؛ فالأمكنة لا تنسى أصحابها، والبيوت تحتفظ بأصداء من مروا بها، والطائر الذي يبني عشه فوق الباب يستطيع، في لحظة شعرية واحدة، أن يفتح بابًا آخر لا يؤدي إلى الداخل، وإنما يؤدي إلى الماضي.

ومن هنا يمكن القول إن اليمامة في القصيدة تؤدي وظيفتين متعارضتين ومتكاملتين: تحمل بشارة الحضور، وتحمل في الوقت نفسه وجع الغياب؛ وبذلك يصبح الطائر الصغير مرآة لتجربة إنسانية كبيرة: أن بعض ما يأتينا من الماضي لا يعيد الماضي، وإنما يجعلنا نشعر بمدى ما فقدناه منه.
د. أميمة منير جادو
باحثة وناقدة
------
ملحق قصيدة يَمَام - للشاعر رفعت المرصفى

ينوه الشاعر بقوله :
عندما ذَهَبْتُ إِلَى مَنْزِلِى بمرصفا  وَجَدَتُّ يَمَامَةً قَدْ اتّخَذَتْ لَهَا عُشَا أَعْلَى الْبَاب الخارجى كَمَا فِى الصُّورَة المُرفَقَة فَانطلقتُ هَذِهِ الْقَصِيدَة "
                        ----- ------ ------ 
حَضَرَ اليَمَامُ وَعَانَقَ الجُدرَانا 
هَل قَد أَحَسَّ مِنْ الدِّيَارِ أَمَانًا ؟ 

فَرَشَ الْمَتَاعَ لكى تَنَامَ صِغَارُهُ 
فكَسَى الْجِدَارَ مَوَدَّةً وَحَنانَا 

هَلْ جَاءَ يَبْحَثُ عَنْ أَحِبَّتِهِ هُنَا 
أَمْ جاءَ يَسْكُنُ فِى السكون مَكَانَا

أَمْ أَنَّهُ لِلشِّعْرِ يَحْفَظُ قَدَّرَهُ 
فَأَتَى مُحِبًّا عَاشِقًا وَلهَانَا 

ولعله ... مِنْ غَارِ ثَوْرٍ قَدْ أَتَى 
فمَن الَّذِى أَعطَى لَهُ العُنوَانَا ؟

قلبى  يُحَدِّثُنِى وَرَبِّى شاهد 
فَهِىَ  الْبِشَارَةُ  وَالْيَمَامُ  أَتَانَا

فَوَقَفْتُ  أرْقُبُهُ...وَهَل سَيَخَافُنِى 
فَإِذَاهُ يَرْقُص ضاحكا نَشْوَانا 

فَاجَترَّتِ الأيام سَابِق عَهْدِهَا 
وَتَدَاعَت الذِّكْرَى ... وَمَا قَدْ كَانَا 

كُنَّا صِغَارًا كَاليَمَامِ بِدارنَا                          
نَسَجَ الْأَحِبَّةُ حَوْلَنَا الأَفْنَانَا                        

وَالْيَوْمَ رَاحُوا وَاسْتَدَارَ زَمَانُهُمْ 
وَأتى اليَمَامُ يُفَجِّرُالأَشجانَا
#رفعت_المرصفي
-----

الرابط المختصر

search