الخميس، 01 أكتوبر 2026

12:13 ص

د. لولوه البورشيد تكتب: جيل السوشيال ميديا بين الحرية والوحدة

الأربعاء، 30 سبتمبر 2026 10:23 م

د. لولوه البورشيد

د. لولوه البورشيد

في عصرٍ أصبحت فيه الشاشات نافذتنا إلى العالم، نشأ جيل يعرف بـ«جيل السوشيال ميديا». جيل يحمل في يده هاتفاً ذكياً يفتح له أبواب الحرية، ويغلق في الوقت نفسه أبواب التواصل الحقيقي. يعيش هذا الجيل مفارقة غريبة: كلما ازداد تواصله الرقمي، ازداد شعوره بالوحدة. 

و أيضا هو أكثر جيل يملك حرية في التاريخ. 

يستطيع أن يتواصل مع العالم كله وهو جالس في غرفته، لكنه يعجز عن التواصل مع من يجلس بجواره في نفس الغرفة. لديه آلاف المتابعين على المنصات، لكن عند لحظة احتياج حقيقي قد لا يجد من يستمع. 

من جهة، منحت وسائل التواصل الاجتماعي هذا الجيل حرية غير مسبوقة. أصبح بإمكان الشاب أو الفتاة التعبير عن رأيه بحرية، ومشاركة أفكاره مع آلاف الأشخاص في لحظات، وبناء علاقات عابرة للقارات، والحصول على المعرفة والفرص التي كانت في الماضي حكراً على فئة محدودة. أتاح الفضاء الرقمي للشباب مساحة للتمرد على القيود الاجتماعية التقليدية، وإبراز هوياتهم المتعددة، والمطالبة بحقوقهم، بل وحتى التأثير في الرأي العام. هذه الحرية جعلت الكثيرين يشعرون بالقوة والانتماء إلى مجتمع عالمي واسع. 

لكن هذه الحرية الظاهرية تخفي في طياتها وجهاً آخر قاسياً. فال downstreamه الإلكتروني، رغم كثافته، غالباً ما يكون سطحياً ومؤقتاً. الإعجابات والتعليقات والقصص العابرة لا تعوض عن الحديث العميق وجهاً لوجه، أو عن دفء الحضور الإنساني الحقيقي. كثير من أبناء هذا الجيل يجدون أنفسهم محاطين بمئات الأصدقاء الافتراضيين، لكنهم يفتقدون الصديق الذي يثقون به في لحظات الضعف. المقارنة المستمرة بحياة الآخرين «المثالية» على الشاشات تولّد شعوراً بالنقص والعزلة، وتفاقم حالات القلق والاكتئاب. 

الوحدة هنا ليست غياب الناس، بل غياب العمق. يقضي الشاب ساعات طويلة يتصفح المنصات، يتفاعل مع المنشورات، يضحك على الفيديوهات، ثم يغلق هاتفه ليجد نفسه وحيداً في غرفته. صار التواصل الحقيقي يُختزل في رسائل قصيرة وإيموجي، وبات اللقاء الواقعي يُؤجَّل أو يُستبدل بمكالمة فيديو سريعة. وهكذا، تحولت الحرية الرقمية تدريجياً إلى قفص من العزلة الاختيارية. 

إن التحدي الذي يواجه جيل السوشيال ميديا ليس رفض التكنولوجيا، بل إعادة التوازن. فالحرية الحقيقية لا تكتمل إلا بالتواصل الإنساني العميق، والوحدة لا تُشفى بكثرة المتابعين. ربما آن الأوان أن نعيد اكتشاف قيمة الصمت، والحضور، والحوار المباشر، لنحوّل هذه الوسائل من مصدر للعزلة إلى أداة تُثري علاقاتنا الحقيقية لا أن تحل محلها. 

 يبقى السؤال معلقاً: هل نستطيع أن نعيش عصر السوشيال ميديا بحرية دون أن نفقد إنسانيتنا؟ الإجابة تبدأ من وعينا بأن الشاشة نافذة، لا بديلاً عن الحياة.

الرابط المختصر

search