الجمعة، 02 أكتوبر 2026

10:00 ص

هشام عياد يكتب: وشم الحبر على جدار الزمن

الجمعة، 02 أكتوبر 2026 09:34 ص

هشام عياد

هشام عياد

حين دهس قطار السوشيال ميديا عرش الصحافة المطبوعة

في ذاكرة كل صحفي مخضرم شهد بدايات التسعينيات، حنين لا يهدأ لرائحة الأحبار وصوت المطابع وهي تعلن ميلاد فجر جديد كل صباح.

 لقد كنت من أولئك المحظوظين الذين عاصروا أواخر العصر الذهبي للصحافة المصرية المطبوعة، وعاشوا تفاصيل تلك الصناعة العظيمة وهي تصنع بأيدي فنانين وخبراء لا يعوضون، قبل أن يدهس قطار التكنولوجيا كل ما كان جميلاً وموثقاً.

زمن «الدشت».. حيث تولد الكلمة بالروح قبل القلم، كانت بداية كل خبر ومقال تبدأ من ورقة بسيطة تسمى «ورق الدشت». 

لمن لا يعرفه، هو ذلك الورق الأبيض المتبقي من قصاصات الجرائد، يتم تسويته وتجميعه بدقة على مقص الترفيل، ثم يضغط ويلصق بالغراء  ليتحول إلى كشكول بلا غلاف.

على هذا «الدشت»، كانت تسطر أعظم التحقيقات وأهم الأخبار بالخط اليدوي. يكتب عليه الجميع بلا استثناء، من رئيس التحرير بفكره ورؤيته، إلى أصغر مندوب صحفي يجوب الشوارع بحثا عن الحقيقة. وكانت العناوين تكتب بخط عريض على ورقة «دشت» منفصلة وتدبس بأعلى الخبر.

رحلة الخبر حينها كانت رحلة مقدسة، يمر الخبر على رئيس القسم ثم الديسك المركزي  لضبط صياغته، ثم سكرتير التحرير ليزن قيمته، وعلي المصحح اللغوي ليدققه حتى يصل إلى سكرتير التحرير الفني (المخرج الصحفي) الذي يمسك بمسطرته وقلمه، ليقيس حجم الخبر على «الماكيت» اليدوي ويصمم له مساحته المناسبة.

 كان الإخراج الصحفي والجمع اليدوي ملحمة في التسعينيات فقد كان يمثل فنا تشكيليا بامتياز. 

عملنا في مرحلة الجمع التصويري على أجهزة «البروميد»، والمونتاج اليدوي على الماكيتات الورقية.

 كنا نعتمد على أدوات دقيقة،

 لرسم الصفحات يدوياً، إدخال «الأسكرينات» والشبكات، تصميم الترويسات، وقص الصور بدقة متناهية تحت ما يعرف بـ «الديكوبيه». 

أما الصور القادمة من المحافظات، فكانت قصة أخرى من الصبر والتشويق،

كنا ننتظر وصول الأفلام عبر وسائل المواصلات المختلفة مثل ميكروباص أو قطار لتسلم إلى معمل التصوير، ثم تحمض وتطبع على الورق الحساس.

 كانت عملية مضنية، لكنها كانت تخلق شغفاً وحباً حقيقياً للمهنة.

ومع دخول أجهزة «الماكينتوش» إلى صالات التحرير، شهدت الصحافة طفرة غير عادية وثورة في أعمال الإخراج والمونتاج. 

فتحت التكنولوجيا أبواباً جديدة للإبداع وأصبح بإمكاننا تفريغ الصور حول النصوص والأعمدة، وعمل انسيابات بصرية ساحرة حول الكتل التحريرية، مما رفع من «انقرائية» الصفحة وجعلها لوحة فنية تجذب العين.

تزامن ذلك مع تطور تقنيات فصل الألوان والزنكوغراف (الأربعة لون)، وتحسن جودة أوراق الصحف والمجلات.

 كانت تلك الفترة بمثابة العصر الفيروزي الذي امتزجت فيه مهارة العنصر البشري المصري الذي كانت تتهافت عليه المؤسسات الصحفية والإعلامية في الدول العربية برواتب مغرية مع التطور التقني المتصاعد.

ثم جاء الإنترنت، وتطورت الأدوات بسرعة قياسية لندخل عصر «الديجيتال».

 اختفت أوراق الدشت، وحل مكانها شاشات الكمبيوتر ولوحات المفاتيح. أصبحت الأخبار ترسل عبر البريد الإلكتروني لتنسخ وتلصق في ثوان، وتنزل الصور بضغطة زر بدلاً من انتظار تحميضها.

كانت مرحلة عظمى من حيث السرعة والسهولة، لكنها في الحقيقة كانت بداية النهاية.. وبداية السقوط المدوي للصحافة الورقية المطبوعة.

انطلقت الصحافة الإلكترونية وصفحات الويب، وتلتها منصات التواصل الاجتماعي بأشكالها المختلفة، تنتشر كالشرار في الهشيم. وللأسف، وقفت الصحافة المطبوعة عاجزة، لم تتحرك خطوة واحدة للدفاع عن تاريخها العريق، وكتابها الكبار، وعمالها وفنييها المهرة. 

اكتفت بمشاهدة قطار السوشيال ميديا وهو يدهس قيمتها وتاريخها.

المرير في الأمر أن هذا البديل الذي دهس الصحافة الورقية في كثير من أشكاله العشوائية كائن غير حقيقي، يزيف الصور ولا يوثق المعلومة، بلا تاريخ، وبلا قيم، ولا ينتمي لدولة أو ميثاق شرف.

 لقد فتح الباب لظواهر طارئة جعلت من الفضاء الرقمي مرتعاً لغير المتخصصين ومعدومي الضمير والوطنية.

ألف خسارة على أيامٍ كانت فيها الجريدة المطبوعة هي المصدر الأساسي والوحيد للخبر الموثق، والموضوعات الهادفة التي تبني الإنسان، وتدعم القيم الدينية والأخلاقية، وتحترم عقل القارئ. رحل عصر «الدشت» والماكيت اليدوي، ولكن تبقى ذكراه وشماً في وجدان كل من أرقته رائحة الحبر، وشهد كيف كانت الصحافة صناعة للقيم قبل أن تكون مجرد سباق للضغط على الأزرار.

الرابط المختصر

search