الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026

04:59 م

منة الله المشيرفي تكتب: كيف لكم أن تعرفوا؟.. عن الصور التي يرسمها الآخرون لنا

الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 03:13 م

منة الله المشيرفي

منة الله المشيرفي

هناك أغان لا تحتاج إلى أن تفهم كل كلماتها حتى تشعر بأنها تتحدث إليك. يكفي أن تلامس شيئا تعرفه جيدا، وجعا قديما لم تجد له الكلمات المناسبة، أو سؤالا ظل عالقا داخلك طويلا.

هذا ما شعرت به وأنا أستمع إلى أغنية Nereden Bileceksiniz للفنان التركي أحمد كايا. كان السؤال الذي يتكرر فيها أشبه باحتجاج طويل: "من أين ستعلمون؟". سؤال لا يطلب إجابة بقدر ما يكشف عن مسافة شاسعة بين ما يعيشه الإنسان في داخله، وما يظن الآخرون أنهم يعرفونه عنه.

فمن أين لهم أن يعرفوا كم مرة انحنى إنسان كان في بدايته مليئا بالأمل؟ وكم عاصفة خاضها حتى هدأ؟ وهل يعرفون حقا ما الذي أخمد تلك العاصفة، أم أنهم اكتفوا بملاحظة الهدوء واعتبروه تعافيا؟

ليست كل معرفة فهما. قد يعرف أقرب الناس إلينا تفاصيل كثيرة عن حياتنا، يعرفون ما نحب وما نكره، أين نذهب، وماذا نفعل، وربما يسمعون منا حكاياتنا يوما بعد يوم، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم يروننا من الداخل. فهناك فرق بين أن تعرف تفاصيل حياة إنسان، وأن تفهم الإنسان نفسه.

المؤلم أحيانا ليس أن يعجز أحدهم عن فهمنا، بل أن يتحدث بثقة وكأنه فهم كل شيء. أن يفسر صمتنا، ويحاكم غضبنا، ويضع دوافع لتصرفاتنا، ثم يتعامل مع تفسيره باعتباره الحقيقة. يرسم لنا صورة في ذهنه، وبعد ذلك لا يعود يرى الشخص الذي أمامه، بل الصورة التي اختار أن يراها.

وربما تكون هذه إحدى أكثر صور الظلم قسوة: أن تصبح مطالبا بالدفاع عن نفسك أمام حكاية لم تكتبها، وتبرير مشاعر لم يسمح لها بأن تفهم.

نحاول أحيانا أن نشرح، أن نتحدث بوضوح، أن نكشف ما وراء الصمت والتصرفات، ونمنح من نحبهم فرصا جديدة ليرونا كما نحن، لا كما اعتادوا أن يتخيلونا. لكن ماذا لو لم يكن الطرف الآخر عاجزا عن الفهم، بل غير راغب فيه؟ وماذا لو كان متمسكا بالصورة التي رسمها لأنه لا يريد أن يراها تتغير؟

عندها يصبح التبرير استنزافا. ويصبح التوقف عن الشرح ضرورة، لا هزيمة. فليس من واجب الإنسان أن يقضي عمره في إثبات حقيقة مشاعره لمن لا يريد الإصغاء إليها.

ولعل أكثر ما يختلط على الآخرين هو معنى الهدوء. فحين يتوقف الإنسان عن الاعتراض، قد يظنون أنه تجاوز، وحين ينسحب قد يعتقدون أنه استغنى، وحين يصمت يتصورون أنه لم يعد يتألم. لكن الهدوء ليس دائما علامة سلام؛ فقد يكون آخر ما تبقى بعد استنزاف طويل، وبعد معارك لم يعد صاحبها يملك طاقة لخوضها مرة أخرى.

وكذلك الغضب، فالغضب ليس مجرد حزن بصوت مرتفع، ولا امتدادا بسيطا له. الحزن قد يدفع الإنسان إلى الانكفاء على نفسه، أما الغضب فقد يدفعه إلى المواجهة والاحتجاج، إلى أن يقول: كفى. ومع ذلك، كثيرا ما ينشغل الناس بمحاسبة الإنسان على غضبه، دون أن يسألوا عما سبقه، أو عن الأسباب التي تراكمت حتى وصل إلى تلك اللحظة.

فهناك من يؤذي الآخرين وهو يظن أن نيته الطيبة تبرر ما فعل، متناسيا أن حسن النية لا يلغي أثر الأذى، ولا يعفي صاحبه من مسؤولية الاعتراف به وتحمل نتائجه.

نحن لا نحتاج إلى أن نكون ضحايا دائما كي نستحق التعاطف، ولا إلى أن نكون أبرياء من كل خطأ كي يكون ألمنا حقيقيا. يمكننا أن نعترف بما فعله الآخرون بنا، وأن نعترف في الوقت نفسه بما قد نكون فعلناه بغيرنا.

وربما تأتي إحدى أصعب مراحل النضج حين ندرك أن التصالح مع النفس لا يشترط مسامحة كل من آذانا، وأن المسامحة، إن حدثت، لا تعني بالضرورة إعادة الأشخاص إلى الأماكن نفسها في حياتنا. يمكن أن نتجاوز دون أن ننسى، وأن نتصالح دون أن نفتح الأبواب التي أغلقناها لحماية أنفسنا.

في النهاية، ليس مطلوبا من الآخرين أن يعرفوا كل ما نخفيه، فلكل إنسان مساحته التي لا يراها أحد. لكن ليس من حق أحد أن يدعي المعرفة، أو يختلق حكاية عنا ثم يحاسبنا وفقا لها. إن لم تستطيعوا أن تعرفوا، فلا تحاكموا ما لا تفهمون، ولا تجعلوا تصوراتكم بديلا عن الحقيقة.

فربما لا نملك دائما أن نجعل الآخرين يشعرون بنا، ولا أن نغير الصورة التي اختاروا أن يرونا من خلالها، لكننا نملك أن نتوقف عن تعليق سلامنا على قدرتهم على الفهم.

لا تنتظر أن يشعر بك أحد، فالحكاية حكايتك وحدك.

الرابط المختصر

search