منة الله المشيرفي تكتب: كيف لكم أن تعرفوا؟.. عن الصور التي يرسمها الآخرون لنا
الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 03:13 م
منة الله المشيرفي
هناك أغان لا تحتاج إلى أن تفهم كل كلماتها حتى تشعر بأنها تتحدث إليك. يكفي أن تلامس شيئا تعرفه جيدا، وجعا قديما لم تجد له الكلمات المناسبة، أو سؤالا ظل عالقا داخلك طويلا.
هذا ما شعرت به وأنا أستمع إلى أغنية Nereden Bileceksiniz للفنان التركي أحمد كايا. كان السؤال الذي يتكرر فيها أشبه باحتجاج طويل: "من أين ستعلمون؟". سؤال لا يطلب إجابة بقدر ما يكشف عن مسافة شاسعة بين ما يعيشه الإنسان في داخله، وما يظن الآخرون أنهم يعرفونه عنه.
فمن أين لهم أن يعرفوا كم مرة انحنى إنسان كان في بدايته مليئا بالأمل؟ وكم عاصفة خاضها حتى هدأ؟ وهل يعرفون حقا ما الذي أخمد تلك العاصفة، أم أنهم اكتفوا بملاحظة الهدوء واعتبروه تعافيا؟
ليست كل معرفة فهما. قد يعرف أقرب الناس إلينا تفاصيل كثيرة عن حياتنا، يعرفون ما نحب وما نكره، أين نذهب، وماذا نفعل، وربما يسمعون منا حكاياتنا يوما بعد يوم، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم يروننا من الداخل. فهناك فرق بين أن تعرف تفاصيل حياة إنسان، وأن تفهم الإنسان نفسه.
المؤلم أحيانا ليس أن يعجز أحدهم عن فهمنا، بل أن يتحدث بثقة وكأنه فهم كل شيء. أن يفسر صمتنا، ويحاكم غضبنا، ويضع دوافع لتصرفاتنا، ثم يتعامل مع تفسيره باعتباره الحقيقة. يرسم لنا صورة في ذهنه، وبعد ذلك لا يعود يرى الشخص الذي أمامه، بل الصورة التي اختار أن يراها.
وربما تكون هذه إحدى أكثر صور الظلم قسوة: أن تصبح مطالبا بالدفاع عن نفسك أمام حكاية لم تكتبها، وتبرير مشاعر لم يسمح لها بأن تفهم.
نحاول أحيانا أن نشرح، أن نتحدث بوضوح، أن نكشف ما وراء الصمت والتصرفات، ونمنح من نحبهم فرصا جديدة ليرونا كما نحن، لا كما اعتادوا أن يتخيلونا. لكن ماذا لو لم يكن الطرف الآخر عاجزا عن الفهم، بل غير راغب فيه؟ وماذا لو كان متمسكا بالصورة التي رسمها لأنه لا يريد أن يراها تتغير؟
عندها يصبح التبرير استنزافا. ويصبح التوقف عن الشرح ضرورة، لا هزيمة. فليس من واجب الإنسان أن يقضي عمره في إثبات حقيقة مشاعره لمن لا يريد الإصغاء إليها.
ولعل أكثر ما يختلط على الآخرين هو معنى الهدوء. فحين يتوقف الإنسان عن الاعتراض، قد يظنون أنه تجاوز، وحين ينسحب قد يعتقدون أنه استغنى، وحين يصمت يتصورون أنه لم يعد يتألم. لكن الهدوء ليس دائما علامة سلام؛ فقد يكون آخر ما تبقى بعد استنزاف طويل، وبعد معارك لم يعد صاحبها يملك طاقة لخوضها مرة أخرى.
وكذلك الغضب، فالغضب ليس مجرد حزن بصوت مرتفع، ولا امتدادا بسيطا له. الحزن قد يدفع الإنسان إلى الانكفاء على نفسه، أما الغضب فقد يدفعه إلى المواجهة والاحتجاج، إلى أن يقول: كفى. ومع ذلك، كثيرا ما ينشغل الناس بمحاسبة الإنسان على غضبه، دون أن يسألوا عما سبقه، أو عن الأسباب التي تراكمت حتى وصل إلى تلك اللحظة.
فهناك من يؤذي الآخرين وهو يظن أن نيته الطيبة تبرر ما فعل، متناسيا أن حسن النية لا يلغي أثر الأذى، ولا يعفي صاحبه من مسؤولية الاعتراف به وتحمل نتائجه.
نحن لا نحتاج إلى أن نكون ضحايا دائما كي نستحق التعاطف، ولا إلى أن نكون أبرياء من كل خطأ كي يكون ألمنا حقيقيا. يمكننا أن نعترف بما فعله الآخرون بنا، وأن نعترف في الوقت نفسه بما قد نكون فعلناه بغيرنا.
وربما تأتي إحدى أصعب مراحل النضج حين ندرك أن التصالح مع النفس لا يشترط مسامحة كل من آذانا، وأن المسامحة، إن حدثت، لا تعني بالضرورة إعادة الأشخاص إلى الأماكن نفسها في حياتنا. يمكن أن نتجاوز دون أن ننسى، وأن نتصالح دون أن نفتح الأبواب التي أغلقناها لحماية أنفسنا.
في النهاية، ليس مطلوبا من الآخرين أن يعرفوا كل ما نخفيه، فلكل إنسان مساحته التي لا يراها أحد. لكن ليس من حق أحد أن يدعي المعرفة، أو يختلق حكاية عنا ثم يحاسبنا وفقا لها. إن لم تستطيعوا أن تعرفوا، فلا تحاكموا ما لا تفهمون، ولا تجعلوا تصوراتكم بديلا عن الحقيقة.
فربما لا نملك دائما أن نجعل الآخرين يشعرون بنا، ولا أن نغير الصورة التي اختاروا أن يرونا من خلالها، لكننا نملك أن نتوقف عن تعليق سلامنا على قدرتهم على الفهم.
لا تنتظر أن يشعر بك أحد، فالحكاية حكايتك وحدك.
الرابط المختصر
آخبار تهمك
رابط تقديم وظائف جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة
03 نوفمبر 2026 02:40 م
رئيس مصلحة الضرائب: بناء مؤسسات قوية وتنمية الكوادر أساس تطوير المنظومات الضريبية في إفريقيا
03 نوفمبر 2026 01:35 م
عيار 21 يفقد 20 جنيهًا.. تراجع مشتريات المصريين من الذهب لأدنى مستوى في 5 سنوات
03 نوفمبر 2026 01:19 م
البورصة المصرية تربح 12.6 مليار جنيه بمنتصف تعاملات الثلاثاء.. ارتفاع جماعي للمؤشرات
03 نوفمبر 2026 01:18 م
البنك المركزي يضع قواعد جديدة لعمل الوكلاء المصرفيين وخدمات بنكية دون الحاجة لزيارة الفروع
03 نوفمبر 2026 01:17 م
الأكثر قراءة
-
الدفاع المدني السعودي يطلق الإنذار المبكر في المنطقة الشرقية
-
سعر الذهب اليوم الثلاثاء 3 نوفمبر 2026.. عيار 21 يسجل 6140 جنيهًا
-
البنك المركزي يوافق على رفع رأس المال المرخص لبنك مصر إلى 300 مليار جنيه
-
«كلمة مرور» يعود إلى مسرح القاهرة للعرائس بعد نجاحه الجماهيري
-
على مسرح ساقية الصاوي.. علي الحجار يحيي سهرة طربية مرتقبة في 25 نوفمبر
-
الأهلي يكشف تفاصيل إصابة أحمد نبيل كوكا قبل مواجهة المقاولون العرب
-
خاص.. تحركات داخل الزمالك لتجديد عقد أحمد فتوح خوفًا من عروض يناير
-
وست هام يطيح بنونو سانتو بعد تراجع النتائج في التشامبيونشيب
-
خاص.. الرجاء ونهضة بركان يراقبان رضا سليم تمهيدًا لضمه من الأهلي
-
الأهلي يواصل استعداداته لمواجهة السكة الحديد في كأس مصر
1 وزير البترول في «أديبك 2026»: مصر تعزز موقعها كمركز إقليمي متكامل لتجارة وتداول المنتجات البترولية
-
«تباعًا تباعًا» تتربع على عرش يوتيوب في 2026 بـ 153 مليون مشاهدة
-
منة الله المشيرفي تكتب: كيف لكم أن تعرفوا؟.. عن الصور التي يرسمها الآخرون لنا
-
بحث تعزيز التعاون المشترك وزيادة الاستثمارات الإماراتية في قطاع البترول المصري
-
رابط تقديم وظائف جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة
-
وزيرة التضامن تلتقي رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان لبحث تعزيز التعاون في مجال الحقوق الاجتماعية
أكثر الكلمات انتشاراً