الأربعاء، 04 نوفمبر 2026

01:48 ص

عماد رجب يكتب: بيت الأحلام أم الأسرة أولًا؟

الأربعاء، 04 نوفمبر 2026 12:35 ص

عماد رجب

عماد رجب

عماد رجب

هناك فارق كبير بين أن يتزوج الإنسان ليبني أسرة، وأن يدخل الزواج وكأنه يبدأ مشروعاً  لتحقيق قائمة طويلة من الطموحات المادية ويصبح مادة للمحتوي

 وهناك فارق أكبر بين المطالبة بحق مشروع، وتحويل العلاقة التي انتهت بالطلاق إلى معركة مستمرة لا تتوقف عند حد.


واقعة «بيت الأحلام» المتداولة ليست مجرد خلاف شخصي بين زوجين سابقين، بل تفتح بابًا لمناقشة ظاهرة اجتماعية تستحق التوقف أمامها: متى أصبحت قيمة الزواج تقاس بحجم الممتلكات ومستوى الرفاهية، بدلًا من المشاركة والتقدير والرضا؟ ومتى تحول بناء الأسرة إلى سباق لتحقيق المكاسب الشخصية؟


و بحسب ما أعلنته صاحبة الواقعة، اصطحبها زوجها السابق معه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وتحمل نفقات السفر والمعيشة، وشاركها مراحل تحسن ظروفه الاقتصادية. 

كما ذكرت أنه ترك لها شقة بعد الطلاق، ولا يزال ينفق عليها وعلى أبنائهما. 

وتحدثت كذلك عن امتلاكها شقة وتأسيس علامة تجارية للمجوهرات خلال فترة الزواج بدأت بالعمل على طموحاتها منذ أن وطأت قدميها امريكا، و شهدت انتشارًا واهتمامًا عبر منصات التواصل الاجتماعي.
 

هذه التفاصيل، كما وردت في روايتها، تفرض ضرورة النظر إلى التجربة كاملة، لا اختزالها في مشهد عاطفي أو عنوان مثير، فالحياة الزوجية سنوات من المشاركة والالتزامات والتضحيات، ولا يصح أن تتحول بعد انتهائها إلى رواية أحادية يُحاكم الجمهور على أساسها أحد الطرفين.
 

هل الزواج التزام بتحقيق أحلام بلا سقف


ومن حق المرأة أن تطمح إلى حياة كريمة، ومن حق الرجل أن يجد التقدير لجهده وتضحياته. لكن ليس من حق أي طرف أن يتعامل مع الزواج باعتباره التزامًا مفتوحًا بتحقيق كل طموح مادي، مهما تغيرت الظروف أو تجاوزت المطالب قدرات الطرف الآخر.
فالزوج ليس مجرد وسيلة لتمويل الأحلام، كما لا ينبغي أن تتحول الزوجة إلى طرف مطالب دائمًا بالتنازل.

فالزواج عزيزي القارئ شراكة لها حقوق وعليها مسؤوليات، والنجاح فيها لا يقاس بثمن المنزل أو قيمة الممتلكات، بل بقدرة الطرفين على بناء حياة مستقرة قائمة على الاحترام والتعاون.


والأخطر أن تتحول المقارنة المستمرة بمستويات معيشية أعلى إلى مصدر دائم لعدم الرضا؛ فكلما تحقق مطلب ظهر غيره، وكلما تحسنت الظروف ارتفع سقف التوقعات، ليدخل الطرفان في سباق استهلاكي يفقد العلاقة معناها الإنساني.


 

 تأمين المستقبل أم تسليع الزواج؟


ومن المظاهر التي تستحق النقاش الدعوات لجميع الزوجات على امتلاك شقة وتأمين نفسها ماديًا قبل إقامة حفل الزفاف، بينما يتحمل الرجل في الوقت نفسه معظم تكاليف التأسيس والإنفاق ومتطلبات الحياة بل يحمل أعباء أكثرها ليس مطلوبا.


ورغم أنه لا خلاف على حق المرأة في امتلاك مسكن أو تأمين مستقبلها، فالاستقلال المالي والاحتياط للمستقبل حق مشروع للطرفين. لكن الاعتراض يبدأ عندما تتحول هذه الفكرة إلى فلسفة تجعل الزواج صفقة محسوبة، يدخلها كل طرف وهو يحدد مسبقًا ما سيحصل عليه، وما يضمنه لنفسه إذا انتهت العلاقة.


فتأمين المستقبل لا يعني تحويل الزواج إلى مشروع استثماري، ولا ينبغي أن يكون الرجل وحده مطالبًا بتوفير المسكن والإنفاق وتحقيق الطموحات، بينما تختزل الشراكة في ضمانات ومكاسب منفصلة. الأصل أن تكون المسؤوليات والاتفاقات واضحة وعادلة، وأن يتعاون الطرفان في بناء الأسرة.
 

 الطلاق ينهي الزواج ولا يلغي المسؤوليات


من الطبيعي أن تتغير الخطط والطموحات التي بُنيت على استمرار الزواج بعد وقوع الطلاق. فالبيت الذي كان حلمًا مشتركًا، والمشروعات التي ارتبطت بالحياة الزوجية، قد لا تعود قابلة للتحقق بالصورة نفسها بعد الانفصال.


وهذا لا يعني إسقاط الحقوق أو التنازل عن المستحقات القانونية، فلكل طرف حقوق يجب أن تُصان كاملة، كما تستمر بعض المسؤوليات والالتزامات الأسرية والقانونية بعد انتهاء العلاقة، وفي مقدمتها حقوق الأبناء ونفقتهم ورعايتهم.


لكن الطلاق ينبغي ألا يتحول إلى مدخل لسلسلة مفتوحة من المطالب والمواجهات. فالحقوق لها إطار قانوني واضح، أما الأحلام والمشروعات التي تأسست على استمرار الشراكة، فمن الطبيعي إعادة النظر فيها بعد انتهائها، دون المساس بأي حق ثابت لأي طرف.
 

 «الزواج فرصة والطلاق فرصة».. أين موقع الشراكة من هذه المعادلة؟


ومن أكثر ما يستحق التوقف عنده تصريح صاحبة الواقعة في مقطع فيديو بأن «الزواج فرصة والطلاق فرصة». وهي عبارة تفتح بابًا لنقاش أعمق حول النظرة إلى مؤسسة الزواج: هل هي شراكة إنسانية لبناء حياة مشتركة، أم فرصة لتحقيق مكاسب في مرحلة، ثم الانتقال إلى فرصة أخرى عند انتهاء العلاقة؟


فالزواج مسؤولية متبادلة تتطلب العطاء والتنازل والتخطيط للمستقبل، أما الطلاق فهو قرار بإنهاء هذه الشراكة، تترتب عليه حقوق والتزامات، وليس مشروعًا بديلًا لتحقيق مكاسب جديدة.
إن الخطورة في هذا التصور، إذا تحول إلى منهج في التعامل مع العلاقات، أنه يختزل مؤسسة الأسرة في حسابات المنفعة الشخصية، ويجعل استمرار العلاقة أو إنهاءها مرتبطًا بما يمكن أن يحققه كل طرف لنفسه، لا بما يبذله من أجل شريكه وأبنائه.


ومن حق الإنسان أن يبدأ حياة جديدة بعد الطلاق، لكن ذلك يختلف عن التعامل مع العلاقات باعتبارها محطات متتابعة للبحث عن مكاسب أكبر.


 18 مليون مشاهدة في أيام..هل هذا عفوي؟

 حين يتحول خطاب الزواج والطلاق إلى ظاهرة جماهيرية
ومن أكثر الزوايا التي تستحق التوقف عندها حجم الانتشار الاستثنائي لمقطع الفيديو. فبحسب الأرقام المنشورة على الصفحة الرسمية لصاحبة الواقعة، لم تكن مقاطعها السابقة تتجاوز حاجز المائة ألف مشاهدة، بينما تخطى المقطع الأخير 18 مليون مشاهدة خلال أيام قليلة من نشره.
 

هذا الفارق الضخم لا يطرح فقط تساؤلات حول أسباب الانتشار وآليات الترويج وهل هناك منظمات خلف الانتشار الفيروسي له، بل يكشف أيضا حجم اهتمام الجمهور بالمحتوى الذي يتناول العلاقات الزوجية والطلاق والمكاسب المادية المترتبة على الزواج والانفصال.

وهنا تكمن أهمية القضية، فحين تصل رسالة تتعلق بالزواج والطلاق إلى ملايين المشاهدين، فإن تأثيرها لا يتوقف عند صاحبة الواقعة أو زوجها السابق، بل يمتد إلى الشباب والفتيات الذين قد تتشكل تصوراتهم عن الزواج ومستقبل الأسرة من خلال مثل هذه المقاطع.


ورغم أنه لا توجد معلومات موثقة تسمح بالجزم بوجود جهات تقف وراء هذا الانتشار أو حملات ترويج منظمة، كما أن عدد المشاهدات وحده لا يثبت ذلك. لكن من المشروع التساؤل عن أسباب هذه القفزة الكبيرة، وعن طبيعة الرسائل التي تحظى بهذا القدر من الانتشار.

فالمشكلة ليست في أن تحكي امرأة تجربتها أو أن تحقق ملايين المشاهدات، وإنما في أن يتحول خطاب يقدم الزواج والطلاق باعتبارهما فرصًا متتابعة لتحقيق المكاسب إلى نموذج اجتماعي يتلقاه الجمهور دون مناقشة أو تفكيك.

فملايين المشاهدات لا تعني بالضرورة أن الرسالة صحيحة أو أنها تمثل وعي المجتمع، لكنها تمنح المحتوى تأثيرًا أكبر، وتفرض ضرورة التمييز بين حق الإنسان في رواية تجربته الشخصية وبين تحويل تجربة فردية إلى تصور عام عن مؤسسة الزواج.

حقوق المرأة لا تعني تأجيج الصراع مع الرجل


ومن الضروري مراجعة بعض الخطابات التي ترفع شعار حقوق المرأة، بينما ينحصر جزء كبير منها في تأجيج الخلاف مع الرجل، وتقديم الطلاق باعتباره انتصارًا في حد ذاته، دون اهتمام مماثل بتيسير الزواج، ودعم الفتيات والشباب، والتأهيل للحياة الأسرية، وتوفير الحماية الاجتماعية والاقتصادية للمرأة.


إن حماية المرأة من العنف والإهانة والظلم واجب لا يقبل المساومة، ولا يجوز مطالبتها بالبقاء في علاقة تهدد سلامتها أو كرامتها. لكن الدفاع عن حقوقها لا يستلزم تحويل الرجل إلى خصم دائم، ولا يعني أن كل خلاف زوجي ينبغي أن ينتهي بالانفصال.
نحتاج إلى خطاب يدعم المرأة دون أن يهدم الثقة في الزواج، وينصف الرجل دون أن يبرر ظلمه، ويضع الأسرة في مقدمة الأولويات دون أن يجعل الحفاظ عليها مبررًا للتنازل عن الحقوق.
فالدفاع الحقيقي عن المرأة لا يقتصر على التعامل مع مشكلات ما بعد الانفصال، بل يمتد إلى تمكينها اقتصاديًا واجتماعيًا، وتيسير فرص الزواج المستقر، ومساعدتها على بناء حياة آمنة وكريمة، سواء داخل الأسرة أو خارجها.


لا تجعلوا الخلافات الفردية أزمة مجتمع


وليس من العدل أن تتحول تجربة زواج واحدة إلى حكم على ملايين الرجال والنساء، أو أن تصبح الخلافات الشخصية مادة لتوسيع فجوة الثقة بين الجنسين.

 فالمجتمع لا يحتاج إلى مزيد من التحريض، بل إلى ثقافة تدعم الزواج المستقر، وتحترم حقوق المرأة والرجل، وتشجع على حل الخلافات بدلًا من استثمارها في صناعة الجدل فالزواج شراكة تقوم على المودة والتعاون وتحمل المسؤولية، وليس مشروعًا لتحصيل المكاسب.
 

الرابط المختصر

search