الأحد، 30 نوفمبر 2025

07:31 م

خطبة الجمعة القادمة لوزارة الاوقاف 5 ديسمبر 2025م ـ 14 جمادى الآخرة 1447 هـ

الأحد، 30 نوفمبر 2025 03:13 م

السيد الطنطاوي

وزارة الأوقاف

وزارة الأوقاف

أعلنت وزارة الأوقاف المصرية، عن موضوعي خطبة الجمعة القادمة 5 ديسمبر 2025م الموافق 14 جمادى الآخرة 1447 هـ، وتتحدث الخطبة الأولى عن العقول المحمدية، وأما الثانية فتتحدث عن خطورة التشاؤم.

وأوضحت الوزارة أن الهدف من موضوع الخطبة الأولى هو التوعية بضرورة التفكير الإيجابي، وإعمال العقل والآثار الوخيمة للتَّفكير السَّلبي.

وأضافت أن الهدف من الخطبة الثانية، هو التحذير من التشكيك والحيرة ونشر روح التشاؤم في كل شيء.

نص الخطبة الأولى العقول المحمدية

الحمد لله رب العالمين، أوصل الفَهم إلى عقول ذوي البصائر فلا تعتمد إلا عليه، وأورد حياض المودة نفوس أهل المحبة فلا تحنُّ إلا إليه، وأصلي وأسلم على سيدنا ومولانا محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

فإن العقول المحمدية هي تلك العقول التي رَعَتها المفاهيمُ القرآنية، وصاغتها أنوار النبوة، شيئًا فشيئًا، حتى إذا تكاملت بهذه المعاني ونضجت ورقت واستوت؛ آتت ثمارها وأُكُلها تفكيرًا إيجابيًّا يعود بالنفع على صاحبه وعلى ذويه، ومن ثمَّ على المجتمع الذي يحيا فيه، لا تفكيرًا سلبيًّا ينعى صاحبه على نفسه ومجتمعه والظروف من حوله، فهي عقول تبني ولا تهدم، وتُعين ولا تُعيق، لا تعرف ذمَّ النفس ولا لعن الظروف، ولا تستسلم للأفكار السلبية التي تجرُّ المرء إلى الشكوى والعجز، بل ترتقي به إلى ميادين العمل والإصلاح واليقين.

وإليك طرفًا من النصوص القرآنية والآثار النبوية التي توضح كيف تُبنى العقول وتُعلَّم التفكير الصحيح الإيجابي، وتُجنَّب التفكير السلبي.

القرآن الكريم والأمر بالعناية بالتعقل والتدبر:

لقد أكثر الحقُّ سبحانه من ذكر العقل ومشتقَّاته في القرآن الكريم، إذ ورد نحو تسعٍ وأربعين مرَّة بصيغٍ متعددة تؤكِّد قيمة التفكير، ونبلَ التدبُّر، وشرف إعمال النظر، ولم يَقِفِ الخطاب الإلهي عند هذا الحدِّ، بل دعم المعنى بذكر ألفاظ أخرى تُعاضِد وظيفة العقل وتُغذّيها، مثل: التفكُّر، والتذكُّر، والنَّظر، والبصيرة، والألباب، ونحو ذلك؛ وكلُّها إشاراتٌ قرآنية متتابعة تُبرز أن صناعة العقل الواعي ليست أمرًا ثانويًّا في الدين، بل هي جزء أصيل من بناء الإنسان المؤمن، وشرط لازم للارتقاء بالمجتمع والإصلاح والقيام بأمانة الاستخلاف في الأرض، وعاب على أناس منحهم الله العقل وأدوات التدبر والفهم واستنباط الحكمة، ومع ذلك لم يستخدموه فيما خلق له.

ولنقتبس لك أمثلة من القرآن على ذلك، قال تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]، ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣]، ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُون﴾ [الأنفال: ٢٢]، ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَاب﴾ [آل عمران: ١٩٠]، ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].

يقول الإمام الزَّجَّاج: "ألا ترى أن اللَّه يقول ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ‌الْقُرْآنَ﴾ [محمد: ٢٤] (فحُضِضْنَا) على ‌التدبر والنظر، ولكن لا ينبغي لأحد أن يتكلم إلا على مذهب اللغة" [معاني القرآن وإعرابه].

ويقول حجة الإسلام الإمام الغزالي: "اللّه تعالى خلق العقول وكمَّل هداها بالوحي، وأمر أربابها بالنظر في مخلوقاته، والتفكر والاعتبار مما أودعه من العجائب في مصنوعاته، لقوله سبحانه: ﴿قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، وقوله: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ ءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، إلى غير ذلك من الآيات البينات والدلالات الواضحات التي يفهمها متدبرها" [مجموعة الرسائل]

التفكير فريضة إسلامية:

وقد أحسن الأستاذ العقاد رحمه الله حين قال: "القرآن الكريم لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به، والرجوع إليه، ولا تأتي الإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة في سياق الآية؛ بل هي تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة، وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله، أو يُلام فيها المنكر على إهمال عقله، وقبول الحجر عليه، ... وفرضية التفكير في القرآن الكريم تشمل العقل الإنساني بكل ما احتواه من الوظائف بجميع خصائصها ومدلولاتها؛ فهو يخاطب العقل الوازع، والعقل المدرك، والعقل الحكيم، والعقل الرشيد، ولا يذكر العقل مقتضبا؛ بل يذكره مقصودا مفصلا على نحو لا نظير له في كتاب من كتب الأديان" [التفكير فريضة إسلامية لعباس العقاد].

دعوة الإسلام إلى إعمال العقول:

"ومن أبرز خصائص الإسلام دعوته إلى إعمال العقل والانفتاح على خبرات البشرية، ذلك لأنه دين عقلي، فإذا أعمل الإنسان عقله، وفكر بمنطق سليم؛ فسوف يكتشف الحقيقة، وهي: أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فوحدة الكون، ووحدة القوانين العلمية ...؛ كلها تشهد بوحدانية الله سبحانه، ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وقد استدلَّ القرآنُ الكريمُ بهذه الآية -وغيرها- من وحدة الكون على وحدة الإله، كما استدل بوحدة الإله على وحدة القوانين واستمرارها ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الفتح: ٢٣]، ويدعو الإسلام إلى التفاعل مع الخبرات الإنسانية المختلفة من أجل الاستفادة بما يوجد فيها من خير، ومن أجل تقويم ما يوجد فيها من اعوجاج حتى ينتشر دين الله ويعم الأرض كلها". [بناء المجتمع الإسلامي]

ويقول الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦]: "قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين الذين قالوا الكذب في شأنك وفي شأن ما جئت به، قل لهم: إنما أعظكم وآمركم وأوصيكم بكلمة واحدة، أو بخصلة واحدة، ثم فسر سبحانه هذه الكلمة بقوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى﴾، والمراد بالقيام هنا: التشمير عن ساعد الجد، وتلقي ما جاءهم به الرسول صلّى الله عليه وسلّم بقلب مفتوح، وعقل واع، ونفس خالية من التعصب والحقد والعكوف على التقليد، و﴿مَثْنى وَفُرادى﴾ أي: متفرقين اثنين اثنين، وواحدًا واحدًا... ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ بعد ذلك في أمر هذا الرسول صلّى الله عليه وسلّم وفي أمر رسالته، وفي أمر ما جاء به من عند ربه، فعند ذلك ترون أنه على الحق، وأنه قد جاءكم بما يسعدكم.

فالآية الكريمة تأمرهم أن يفكر كل اثنين بموضوعية وإنصاف في أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ثم يعرض كل واحد منهما حصيلة تفكيره على صاحبه، وأن يفكر كل واحد منهم على انفراد -أيضا- في شأن هذا الرسول، من غير تعصب وهوى، وقدم الاثنين في القيام على المنفرد؛ لأن تفكير الاثنين في الأمور بإخلاص واجتهاد وتقدير، أجدى في الوصول إلى الحق من تفكير الشخص الواحد، ولم يأمرهم بأن يتفكروا في جماعة؛ لأن العقلية الجماعية كثيرًا ما تتبع الانفعال الطارئ، وقلما تتريث في الحكم على الأمور...". [التفسير الوسيط].

"وقد قالت الحكماء: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه في أغلب خصال الشر عليه، ... ولقلة الاعتداد بالمعارف الدنيوية، قال رجل لمن وصف نصرانيا بالعقل: مه، إنما العاقل من وحَّد اللَّه تعالى وعمل بطاعته، وقال تعالى حكاية عن أهل النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]". [الذريعة إلى مكارم الشريعة].

العقول ثلاثة: سطحي، وعميق، ومستنير:

فالعقل السطحي: فهو الذي تعوّد أن يقف عند ظواهر الأمور، ويكتفي بإدراكها والعبور عليها، دون غوص ولا فكر ولا تحليل، فهو مشغول دائما بالأحداث والأشخاص، يلهث وراء مجريات الحياة التي لا تنتهي، ويغرق في ضجيج الحياة، وأحوال الأشخاص، وشئون معيشتهم.

وهو شغوف بمعرفة من باع ومن اشترى، ومن خاصم ومن صالح، ومن تزوّج ومن طلّق، ...، ويظل طوال العمر وهو يغوص في تلك الرمال المتحركة، حتى يتحول ذلك العقل بالتدريج إلى مستوى شديد التفاهة، لا يعرف من الأمور إلا ضجيجها وتسارعها وتقاطعها، فلا ينتج فكرًا، ولا يصنع عمرانًا، ولا يزداد إيمانًا، ولا يبدع حضارة، بل يذهب منه العمر هباءً.

وأما العقل العميق: فهو ينظر إلى الأحداث والأشخاص والأحوال والوقائع، فيعرفها ويدركها، لكنه لا ينشغل بها، ولا يتوقف عندها، ولا يكتفي بسردها والحديث عنها، بل يرتقي إلى تأمل ما وراءها من قضايا، وما يتسبب فيها من أفكار، وكلما طرأت عليه أحداث الحياة بضجيجها وصخبها وزحامها، انصرف عن ذلك كله إلى ما يحرك كل ذلك من عوامل، فتتجرد في نظره كل الأحداث من أثوابها وزخارفها، حتى يرى بوضوح من أين تبدأ وتنشأ، وإلى أين تمضي وتؤول، فهو يرى كل أحداث الحياة من منصة عالية، تسمو فوق أحداثها الصاخبة المتلاحقة اللاهثة، فلا ينجرف في جزئياتها، ولا تغمره بأمواجها، بل يراها من أعلى، ... فإذا هي أمامه واضحة، من بدايتها إلى نهايتها، يعرف منشأها ومآلها، فيحكم على كل حدث وعلى كل شيء حكما سديدا، مستوعبا، فهذا العقل العميق هو الذي يصلح للقيادة، وهو الذي يعرف كيف يفكّر، وهو الذي ينشأ على يده البحث العلمي المنهجي، وهو الذي ينتج الاكتشافات والاختراعات، وهو الذي يعرف الناسُ منه الحكمة، وهو الذي يصنع العمران.

وأما ثالث هذه العقول فهو العقل المستنير، وهو: يعرف الأحداث والأشخاص، ويرصد كلَّ ذلك، ويُلم بمجريات الحياة كالعقل الأول، ثم يغوص إلى أعماقها، ويرى ما وراءها كالعقل الثاني، ثم يربط كل ذلك بالله، فإذا به عقل أنارت أمامه الكائنات والحادثات والوقائع، وزادته ربطًا بالمولى سبحانه، وهو عقل يتأمل، ويحلل، ويفكّر، فيرى الله تعالى في كل شيء، فإذا كل واقعة، وكل شخص، وكل حدث، وكل أمر، وكل قضية، تسمو به وترتقي، فتذكّره بالله، وهو يغوص في أحداث الحياة، فلا يكون حظه فقط أن يصل إلى الأعماق، ...، ويخرج من كل حدث بزيادة في إيمانه، وارتقاء في سعة معرفته بربه، وهو يرى الحكمة الإلهية في كل واقعة، وتبصر عينه مشاهد الجلال والصنع الإلهي في كل حدث، ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠]، فالسموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وما يستكن فيهما من أحداث الخلائق، وشئون البشر، وأمور المعيشة، وتعاملات الناس، كل ذلك آياتٌ لأصحاب العقول. [صائد اللؤلؤ] ولا يخفى عليك أن أصحاب العقل المستنير هم رواد التفكير الإيجابي الذين تنهض برؤاهم المجتمعات وترقى الأمم.

الوحي الشريف وتعزيز التفكير الإيجابي:

القرآن الكريم على أوامر عديدة، كلها تعزِّز معنى أن يكون المؤمن مفكِّرًا تفكيرًا إيجابيًّا، نافعًا في مجتمعه، وأوضح اشتمل أن الخير في الإيجابية الفاعلة، لا في الأمنيات المجرّدة، قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]، فالقرآن هنا يُقرر قاعدة عظيمة: أن الخير كل الخير في المبادرات التي تُصلح، وتبني، وتوجّه طاقة صاحبها نحو خدمة الناس، يقول ابن رجب الحنبلي عند تعرضه لهذه الآية: "فنفى الخير عن كثير مما يتناجى به الناس إلا في الأمر بالمعروف، وخصَّ من أفراده الصدقة والإصلاح بين الناس؛ لعموم نفعها، فدل ذلك على أن التناجي بذلك خير، وأما الثواب عليه من الله، فخصَّه بمن فعله ابتغاء مرضات الله، وإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة والإصلاح بين الناس وغيرهما خيرًا، وإن لم يبتغ به وجه الله؛ لما يترتب على ذلك من النفع المتعدي، فيحصل به للناس إحسان وخير". [جامع العلوم والحكم]

وفي التفكير الإيجابي ما يوجّه المؤمن إلى أن يجعل عقله منصرفًا إلى البناء لا الهدم، وإلى التعاون لا التخاذل، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَان﴾ [المائدة: ٢]، قال الماوردي: "ندب الله تعالى إلى التعاون به -أي بالبر-، وقرنه بالتقوى لأن فى التقوى رضا الله تعالى، وفى البر رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته، ... وأنشدني أبو الحسن الهاشمي:

الناس كلهم عيال ... الله تحت ظلاله

فأحبهم طرًّا إليه ... أبرُّهم لعياله

ويضرب الله تعالى الأمثال؛ ليوقظ العقول، ويلفت الأنظار إلى ما أراده من عباده، فيلتزموا أمره، ويجتنبوا نهيه، ويهتدوا بهديه في مسيرتهم، ومن أعظم هذه الأمثال ما جاء ليميّز بين النافع وغير النافع، وبين من يحمل في نفسه قدرةً على الخير والعمل، ومن لا يحمل إلا العجز والاتّكال، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]، فهذا مثلٌ بليغ يبيِّن الفارق الهائل بين الإنسان الذي عُطِّلت قواه، فلا ينتفع بعقله ولا بلسانه، يعيش عالةً على غيره، لا يرجى منه خيرٌ ولا يُنتظر منه نفعٌ؛ وبين إنسانٍ آخر يُفيض عدلًا، ويهدي إلى الصراط المستقيم قولًا وعملًا، فهو مصدر صلاحٍ لنفسه ولغيره.

يقول الإمام الرازي: "يتبين لنا أنه تعالى وصف الرجل الأول بصفات، الصفة الأولى: الأبكم، وهو العيي المقحم الذي لا يحسن الكلام، أو الذي لا يعقل، أو المطبق الذي لا يسمع ولا يبصر، والصفة الثانية: لا يقدر على شيء، وهو إشارة إلى العجز التام والنقصان الكامل، والصفة الثالثة: كَلٌّ على مولاه، أي: هذا الأبكم العاجز كَلٌّ على مولاه، والصفة الرابعة: أينما يوجهه لا يأت بخير، أي أينما يرسله لا يأت بخير، لأنه عاجز لا يحسن ولا يفهم، ثم قال تعالى: هل يستوي هو أي: هذا الموصوف بهذه الصفات الأربع: ومن يأمر بالعدل، والآمر بالعدل يجب أن يكون موصوفا بالنطق وإلا لم يكن آمرًا، وأن يكون قادرًا، وأن يكون عالمًا حتى يمكنه التمييز بين العدل وبين الجور، فثبت أن وصفه بأنه يأمر بالعدل يتضمن وصفه بكونه قادرًا عالمًا، وكونه آمرًا يناقض كون الأول أبكم، وكونه قادرا يناقض وصف الأول بأنه لا يقدر على شيء وبأنه كَلٌّ على مولاه، وكونه عالما يناقض وصف الأول بأنه لا يأت بخير". [مفاتيح الغيب (باختصار) ]

إن القرآن يوجّهنا بهذا المثل إلى أن قيمة الإنسان ليست في وجوده المادي، بل فيما يقدّمه من نفع، وما يقوم به من عدل، وما يسير عليه من هداية؛ وأن العجز الحقيقي هو عجز الفكر والإرادة، لا عجز الجوارح.

وهكذا تأتي الأمثال القرآنية لتصنع فينا عقلًا بصيرًا، يبصر الحق من الباطل، والنافع من الضار، ويهدي النفس إلى أن تكون عنصر بناء وإصلاح، لا عبئًا يثقل كواهل الآخرين.

أسس التفكير الإيجابي

من يمعن النظر في آيات الكتاب الحكيم، وسنة خاتم المرسلين؛ يجد أن هناك أسسًا للتفكير الإيجابي أودعت في نصوص هذا الوحي المبارك، أهمها:

- الإيمان بالله تعالى والخضوع لجنابه:

قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، فما كانت الخيرية إلا لإيماننا بالله، وما مرد ثمار هذا الإيمان من العمل الإيجابي المتمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا للإيمان بالله، فكأن الإيمان دافع للتفكير الإيجابي الذي ينطلق فيه المسلم من الحرص على نفسه إلى توجيه النصح لإخوانه، لذا نجد في ختام هذه السورة تأكيدًا على هذا المعنى، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].

يقول الشيخ محمد أبو زهرة: "ابتدأ النداء بـ (يا أيها الذين آمنوا)، لإشعارهم بأن ما يُطلب منهم هو من ثمرات الإيمان ومن مقتضياته، وقد أمر بأمور أربعة: الصبر، والمصابرة، والمرابطة، والتقوى، ... وإن هذه الأمور الأربعة هي التي يرجى بها الفلاح، أي الفوز في الدنيا والآخرة، ولذا قال سبحانه: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي رجاء أن يكتب لكم الفوز بالنصر في الدنيا والجزاء في الآخرة". [زهرة التفاسير]

  • العلم:

فالتفكير حتى يكون فاعلًا لا بد أن ينبني على العلم والمعرفة، ومن هنا نفهم التوجيه الإلهي في مفتتح وحيه إلى نبيه بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم﴾ [العلق: ١ - ٥]، ويقول تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]، يقول الطاهر ابن عاشور: "الذين اتصفوا بصفة العلم، وليس المقصود الذين علموا شيئًا معينًا، ... وقد دل على أن المراد الذين اتصفوا بصفة العلم قولُه عقِبه: ﴿إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ أي: أهل العقول، والعقل والعلم مترادفان، أي: لا يستوي الذين لهم علم فهم يدركون حقائق الأشياء على ما هي عليه وتجري أعمالهم على حسب علمهم، مع الذين لا يعلمون فلا يدركون الأشياء على ما هي عليه، بل تختلط عليهم الحقائق وتجري أعمالهم على غير انتظام" [التحرير والتنوير]".

ويوضح النبي صلى الله عليه وسلم أن العلم ميراث الأنبياء، وأن الأنبياء ما أتوا إلا لنشر الفكر الإيجابي في كل صوره العقدية والتعبدية والاجتماعية وغيرها، ونزع الأفكار السلبية في كل مستوياتها، ومن أخذ بالعلم فكأنما يقوم بهذه المهمة الشريفة، فيقول: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِ» [رواه أبو داود].

- التواصي بالحق والصبر: 

قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، يقول ابن كثير: "فاستثنى من جنس الإنسان عن الخسران الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم، ﴿وتواصوا بالحق﴾ وهو أداء الطاعات، وترك المحرمات، ﴿وتواصوا بالصبر﴾ على المصائب والأقدار، وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر" [تفسير القرآن العظيم].

السنة النبوية ومواجهة التفكير السلبي:

قدَّمت السنة النبوية المطهرة منهجًا راسخًا في صناعة التفكير الإيجابي، وتحرير النفس من الفتور والانهزام الداخلي، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد العناية بسلامة الباطن قبل ظاهر الجوارح، يربّي أصحابه على قوة الإرادة، وحسن التوجّه، ونبذ كل ما يورث الوهن أو يغذي مشاعر العجز، ومن ذلك:

  • التعوذ بالله من العجز والكسل:

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» [رواه البخاري].

فهذا الدعاء النبوي مدرسة كاملة في مواجهة التفكير السلبي؛ إذ يبدأ بالاستعاذة من العجز الذي يشلّ الهمة، ومن الكسل الذي يُهدر الطاقات، ومن الجُبن الذي يقعد عن الحق، ومن الهرم الذي يضعف القوى ويقرب الفتور.

ويسلط الإمام ابن بطال الضوء على هذا الحديث، فيقول: "قال المهلب: أما استعاذته صلى الله عليه وسلم من الجبن فإنه يؤدي إلى عذاب الآخرة؛ لأنه يفر من قرنه فى الزحف فيدخل تحت وعيد الله لقوله: ﴿ومن يولهم يومئذ﴾ [الأنفال: ١٦] الآية، وربما يفتن فى دينه، فيرتد لجبن أدركه، ‌وخوف ‌على ‌صحته ‌من ‌الأسر ‌والعبودية، وأرذل العمر: الهرَم والضعف عن أداء الفرائض وعن خدمة نفسه فيما يتنظف به فيكون كلًّا على أهله مستثقَلا بينهم، وفتنة الدنيا أن يبيع الآخرة بما يتعجَّله فى الدنيا من حال أو مال، وتعوذ من العجز؛ لئلا يعجز عما يلزمه فعله من منافع الدين والدنيا". [شرح صحيح البخاري]

  • استعن بالله ولا تعجز

قال النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» [رواه مسلم]

إن هذه الوصية الغالية من أعمق الوصايا النبوية في علاج التفكير السلبي؛ فهو يضع بين يدي المؤمن منهجًا عمليًّا يُحوِّل الذهن من دائرة الشكوى إلى دائرة المبادرة، فالقوة «المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير» ليست قوة البدن فحسب، بل قوة الإرادة والعقل والروح، قوةٌ ترفض الاستسلام للأوهام، وتبني رؤية إيجابية ترى في كل موقف فرصةً للنهضة لا سببًا للانكماش، وكلمة «احرص» تُوقظ العزيمة، وتوجّه العقل نحو تتبُّع أبواب النفع بدل الدوران في فلك الإحباط والتردد، والحرص هنا ليس عاطفة عابرة، بل حركة واعية نحو كل ما يبني علمًا أو يحقق طاعة أو يصلح حياة.

ثم تأتي «استعن بالله» لتعيد ترتيب الداخل، وتغرس في القلب الثقة بأن العون الحقيقي لا ينقطع ما دام الإنسان متوجّهًا إلى ربّه، وأن الفكر الإيجابي لا يستمد طاقته من الظروف وحدها، بل من سند إلهي يثبت الخطى ويقوي الإرادة.

أمّا قوله «ولا تعجز» فهو ضربة قاصمة لجذور التفكير السلبي؛ إذ يقطع الطريق على التردد والانسحاب الداخلي، ويعيد تشكيل النظرة إلى الأزمات باعتبارها محطات إصلاح لا معابر انهزام، فالعجز يبدأ فكرة، ثم يتحوّل شعورًا، ثم يغدو عادة؛ فجاء النهي النبوي لمواجهته في مهده.

وهكذا يجمع هذا الحديث الشريف بين الرؤية الصَّحيحة، والسعي الجاد، والاتكال على الله، والبعد عن السلبية؛ ليصنع قلبًا رابط الجأش، وعقلًا متزنًا، ونفسًا تعرف كيف تتعامل مع تحديات الحياة بإيجابية ووعي.

لا تغضب:

هذا من توجيهاته صلى الله عليه وسلم التي تُعيد بناء الداخل وتواجه الانفعال السَّلبي، وإليك نصَّ الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي، قَالَ: «لاَ تَغْضَبْ» فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: «لاَ تَغْضَبْ» [رواه البخاري]، فهذا النهي ليس مجرّد ضبط انفعال، بل منعٌ لانفجار سلسلة من المشاعر والتصرفات السلبية التي قد تجرّ على الإنسان ندمًا طويلًا، وفي هذا إشارة واضحة إلى أن إدارة النفس باب عظيم من أبواب التفكير الإيجابي.

يقول الإمام النووي: "فلم يزده في الوصية على لا تغضب مع تكراره الطلب، وهذا دليل ظاهر في عظم مفسدة الغضب وما ينشأ منه" [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج]

ويقول شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني: "وقال بعض العلماء: خلق الله الغضب من النار وجعله غريزة في الإنسان، فمهما قصد أو نوزع في غرض ما اشتعلت نار الغضب، وثارت حتى يحمَّر الوجه والعينان من الدم؛ لأن البشرة تحكي لون ما وراءها، وهذا إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه، وإن كان ممن فوقه تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب فيصفَّر اللون حزنا، وإن كان على النظير تردد الدم بين انقباض وانبساط فيحمَّر ويصفَّر، ‌ويترتب ‌على ‌الغضب ‌تغير ‌الظاهر ‌والباطن، ‌كتغير ‌اللون ‌والرعدة ‌في ‌الأطراف، وخروج الأفعال عن غير ترتيب، واستحالة الخلقة، حتى لو رأى الغضبان نفسه في حال غضبه لكان غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته، هذا كله في الظاهر، وأما الباطن فقبحه أشد من الظاهر؛ لأنه يولد الحقد في القلب والحسد وإضمار السوء على اختلاف أنواعه، بل أولى شيء يقبح منه باطنه، وتغير ظاهره ثمرة تغير باطنه، وهذا كله أثره في الجسد.

وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشَّتم والفُحش الذي يستحي منه العاقل ويندم قائله عند سكون الغضب، ويظهر أثر الغضب أيضا في الفعل بالضرب أو القتل، وإن فات ذلك بهرَب المغضوب عليه رجع إلى نفسه فيمزق ثوب نفسه ويلطم خدَّه، وربما سقَط صريعًا، وربما أغمي عليه، وربما كسر الآنية وضرب من ليس له في ذلك جريمة.

ومن تأمل هذه المفاسد عرف مقدار ما اشتملت عليه هذه الكلمة اللطيفة من قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تغضب" من الحكمة واستجلاب المصلحة في درء المفسدة مما يتعذر إحصاؤه والوقوف على نهايته". [فتح الباري]

فهذه معانٍ نبوية تربي الإنسان على أن يكون متَّقِد الروح، قويَّ الإرادة، حاضر العزم، متوجّهًا إلى الله تعالى دائمًا بطلب العون والمدد، مستعيذًا به من كل ما يثقل قلبه أو يعيق تقدُّمه، وهكذا تبني السنة في المؤمن عقلية الارتقاء، لا عقلية الانكماش؛ عقلية السعي، لا عقلية الاستسلام.  

عقلية الخرافة:

عقلية الخرافة، وهي العقلية التي لا تفرق بين المجالات المختلفة، ولا تقيم الدليل المناسب لإثبات القضية محل النظر، ولا تتبع منهجًا واضحًا محددًا من قبل في التعامل مع الحقائق، ولا تعتمد مصادر للمعرفة، وهذه العقلية لها مناهج متعددة تختلف جميعها عن المنهج العلمي، وهذه المناهج المختلفة تدعو إلى الانتحار أو الانبهار أو الاجترار أو الانحسار أو الاغترار، وكلها مناهج مرفوضة.

فمنهج الانتحار هو الذى يؤدي إلى التكفير المؤدي في نهاية الطريق إلى التدمير.

ومنهج الانبهار بالآخر مآله غالبا التعدي على مصادر الشرع من كل غير متخصص، فيقع بين الإفراط والتفريط حتى يخرج علينا من ينكر الإجماع، أو يخرج عن مقتضيات اللغة، أو عن هُوية الإسلام، أو يحول الإسلام إلى لاهوت التحرر أو لاهوت العولمة وهذا أيضاً منهج مرفوض.

ومنهج الانحسار الانعزالي الذي يؤدي إلى الفرار من الواقع الذي يشبه الفرار يوم الزحف منهج مرفوض أيضا، باعتبار أن مخالطة الناس والصبر عليهم خير عند الله من العزلة.

أما منهج الاجترار فإنه يتمثل في التمسك بمسائل التراث تمسكا يحاكي صورتها دون الوقوف عند مناهج التراث والتجريد أمامها، حتى يمكن تطويرها إن احتاجت إلى تطوير، أو الاستفادة بها حتى على حالها إن كانت تصلح لذلك، فهو منهج ماضوي -إن صح التعبير- يريد بإصرار أن نتغاضى عن واقعنا، وأن نستمر في واقع قد تغيرت عليه الحياة، حتى رأينا كثيرا من الناس يخرجون من دين الله أفواجا لظنهم أن هذا هو دين الله، وأن دين الله بذلك من طبيعته ألا يصلح لزماننا هذا، وهو وهم خاطئ ومخطئ، خاطئ لأنه مخالف للحق، ومخطئ لأنه مخالف للواقع.

أما منهج الاغترار فنراه عند كثير من خارج الدراسات الدينية الأكاديمية، الذين أقحموا أنفسهم فى مجال الكلام في الشرع الشريف تشهيا لإصلاح الدين بزعمهم تارة، أو للإدلاء بآرائهم التي يرونها مهمة تارة أخرى، وقد نراه أيضا عند الدارسين للدراسات الشرعية في مراحلها الأولى، مع ظنٍّ لا يتناسب مع ظن العلماء الراسخين في العلم، حيث يعتقدون أن لهم الحقَّ فى تجديد الدين غافلين عن قلة بضاعتهم الشرعية من ناحية، والمسافات الشاسعة بينهم وبين إدراك الواقع من ناحية أخرى. [سمات العصر]

خطوات إجرائية للتفكير الإيجابي وعقلية العلم وتجنب التفكير السلبي وعقلية الخرافة:

١. التعوّد على الاستعاذة والاستعانة بالله، فعند مواجهة أي موقف محبط أو صعب، قل: «أعوذ بالله من العجز والكسل والهم والحزن»، فهذا يرسّخ في النفس أن القوة ليست بالاعتماد على الذات وحدها، بل بالاعتماد على الله.

٢. مراقبة الأفكار وتنقية العقل، وحاول اكتشاف أي أفكار سلبية أو مدمّرة قبل أن تتغلغل.

٣. تحويل الفكر السلبي إلى إيجابي، واستبدال عبارة «لا أستطيع» بعبارة «سأحاول، وأستعين بالله».

٤. العمل والحرص على ما ينفعك، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»، والتركيز على العمل وإنتاج النتائج الواقعية يحدّ من الانغماس في السلبية.

٥. ضبط الانفعالات، فعند الغضب أو الإحباط، اتبع خطوات إدارة الغضب: الصمت، تغيير الهيئة، الابتعاد مؤقتًا، الوضوء، ثم التعامل بهدوء.

٦. التفاؤل والمناجاة الذهنية الإيجابية.

٧. إحاطة النفس بالبيئة الداعمة، صحبة المؤمنين الإيجابيين، قراءة كتب ومقالات محفزة، الاستماع إلى نصائح فاضلة، فالبيئة الإيجابية تساعد على تعزيز التفكير البنّاء وتقليل التشاؤم.

نص الخطبة الثانية

التحذير من التشكيك والحيرة ونشر روح التشاؤم في كل شيء

إن التشكيك المفرط، والـحَيْرة المستمرة، ونشر روح التشاؤم من أخطر الظواهر السلبية التي تؤثر على الأفراد والمجتمعات، فتقضي على الأمل وتحبط الإرادة، وتخلق بيئة نفسية واجتماعية ملبدة بالسلبية، تعوق التقدم والتنمية.

إن أعمال القلوب كلها من اليقين، والإيمان في النفوس يكون على قدر اليقين عند العبد، وكما قال سيدنا ابن مسعود: "إنَّ أَعْظَمَ الْخَطَايَا اللِّسَانُ الْكَذُوبُ، وَخَيْرَ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ، وَخَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى، وَرَأْسَ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ اللَّهِ، وَخَيْرَ مَا أُلْقِيَ فِي الْقُلُوبِ الْيَقِينُ". [الزهد لهنَّاد الكوفي].

وتسعى مبادرة "صحح مفاهيمك" إلى مواجهة هذا السلوك الخاطئ، من خلال تفكيك المفاهيم المغلوطة المرتبطة به، وتسليط الضوء على الأضرار الجسيمة التي تنتج عنه، وتوجيه المجتمع إلى المفاهيم الصحيحة.

وفي علاج التشكيك والحيرة نقول: جاء الإسلام باليقين وطرد الشك وروح التشاؤم، واليقين في كلام العلماء لهم فيه أقوال كثيرة، تدور في مجموعها حول الإيمان الذي لا يداخله شك، ولا يزعزعه ريب، ولا تدخله شبهة:

قال الحكيم الترمذي: "هو نور يحدث على قلبك من نور معرفتك، ونور إلهك الذي هو نور السماوات والأرض ونور كل شيء، فإذا أقبلت على الله تبارك اسمه، أشرق القلب بالنور، فذلك اليقين". [أدب النفس].

وقد قال العلماء في الفرق بين العلم واليقين: أن العلم هو اعتقاد الشيء على ما هو به على سبيل الثقة، واليقين هو سكون النفس وثلج الصدر بما علم، ولهذا لا يجوز أن يوصف الله تعالى باليقين، ويقال: ثلج اليقين وبرد اليقين، ولا يقال: ثلج العلم وبرد العلم. [الفروق اللغوية].

وقد أكثر الله تعالى من ذكره في القرآن الكريم من ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، وقوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٢٠].

التشاؤم.. الأسباب والعلاج:

التشاؤم روح سلبية تتسلل إلى النفوس، فتثقلها بالهموم، وتغرس فيها اليأس، وتجعل الإنسان يركز على العقبات بدل الفرص، وقد حذر الاسلام من هذه النظرة المظلمة للحياة، لأنها ليست مجرد شعور، بل قد تؤثر على السلوك والقرار والمستقبل.

أولًا: أسباب التشاؤم:

  • التفكير السلبي المتكرر.
  • الانغماس في أحداث سابقة سيئة أو توقع أسوأ النتائج في المستقبل: يولّد عقلية التشاؤم.
  • قلة اليقين بالله والاعتماد على النفس فقط.
  • الشعور بالعجز أو الفقدان، وعدم الإيمان بأن الله قادر على تحويل الأمور لصالح الإنسان.
  • المحيط السلبي، فالصحبة والبيئة التي تركز على النقد، ونشر الأخبار المحبطة، أو المبالغة في الصعوبات، تعزز روح التشاؤم.
  • قلة المعرفة والثقة بالنفس، فالجهل أو نقص المهارات يزيد الإحساس بالعجز، ويحوّل كل موقف صعب إلى كارثة محتملة.
  • المقارنة السلبية، مقارنة النفس بالآخرين بطريقة تحطّ من الذات، تؤدي إلى استشعار الدونية واليأس.

ثانيًا: علاج التشاؤم:

  • تعزيز التوكل الصادق، فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل التوكل هو العلاج الأول والأساسي لكل ما يجد الإنسان في نفسه من كراهية أو تشاؤم.
  • التفاؤل حتمية دينية (الفأل الحسن): حث النبي صلى الله عليه وسلم على الفأل الحسن والكلمة الطيبة، كلون من ألوان إحسان الظن بالله وتوقع الخير منه.
  • الاستمرار في العمل وعدم التوقف، فأهم علاج سلوكي هو المضي قُدُمًا وعدم السماح للتشاؤم بردعك عن هدفك.
  • اللجوء إلى الذكر، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» [رواه البخاري]
  • النهي عن الإحباط العام: النهي عن مقولة "هلك الناس" قاعدة نبوية في الصحة النفسية للمجتمع، فالواجب أن نزرع الأمل، حتى في أشد الظروف.
  • مصاحبة المتفائلين: السيرة النبوية كلها دعوة إلى مصاحبة المؤمنين المتوكلين الذين يرون النصر والفرج حتى في أحلك الظروف.

إن مواجهة الشكوك والحيرة ليست مهمة سهلة، ولكنها ليست مستحيلة، إنها تتطلب منا جميعًا، أفرادًا ومجتمعات، أن نكون على قدر المسئولية، وأن نعمل جاهدين على تعزيز اليقين في قلوبنا وقلوب أبنائنا، وأن نحصن عقولهم بالمعرفة الصحيحة، وأن نربيهم على القيم الإيمانية السليمة، والله أسأل أن يقي أمتنا ومصرنا الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأن يردنا إلى دينه مردًّا جميلًا، آمين آمين.

اقرأ أيضا:

فضل شهر رجب في الإسلام

حكم بيع السمك في الماء

دار الإفتاء توضح حكم التجارة في الآثار

الإفتاء المصرية أقدم دار إفتاء منظمة في العالم الإسلامي

د. نظير عياد: وحدات دار الإفتاء تعزز قيم التعايش والتسامح وتنشر فقه الوسطية في العالم

علماء دار الإفتاء: الرشوة تقوض أسس العدالة والمساواة

الرابط المختصر

search