الجمعة، 16 يناير 2026

10:30 م

علاء ثابت مسلم يكتب: أخلاق على المقاس نخلعها عند أول مصلحة

الجمعة، 16 يناير 2026 08:56 م

علاء ثابت مسلم

علاء ثابت مسلم

ليست الأزمة في غياب الأخلاق، بل في سهولة تبديلها. في هذا الزمن، لم تعد القيم ثابتة تُقاس بالمواقف، بل صارت أشبه بملابس موسمية، نرتدي منها ما يناسب المكان، ونخلعها فور تغير الطقس الاجتماعي.

نرفع لافتات النزاهة حين لا يكون ثمنها باهظًا، ونتغنّى بالمبادئ طالما لا تعيق مصالحنا، ثم لا نتردد في إعادة تعريفها عندما تقف في طريق المنفعة. هكذا تحوّلت الأخلاق من منظومة تحكم السلوك إلى ديكور يُزيّن الصورة العامة.

نستنكر الخطأ حين يرتكبه الآخرون، ونجد له ألف مبرر حين يقترب منا. نغضب من الظلم في العلن، ونتعايش معه في الخفاء إذا كان يخدم دوائرنا الضيقة. ليست المشكلة في التناقض ذاته، فالبشر يخطئون، لكن الكارثة حين يصبح التناقض سلوكًا معتادًا، لا يشعر صاحبه بوخز الضمير.

المثير للسخرية أن البعض يطالب المجتمع بالفضيلة الكاملة، بينما يفاوض ضميره على التفاصيل. يريد عدالة عامة، لكنه يقبل الاستثناء لنفسه. يرفض المحسوبية نظريًا، ويمارسها عمليًا باسم «الضرورة». وهنا تفقد الأخلاق معناها الحقيقي، وتتحول إلى شعارات مرنة، قابلة للتمدد والانكماش.

الخطاب الأخلاقي اليوم مرتفع الصوت، منخفض التطبيق. كلمات كبيرة تُقال بسهولة، وأفعال صغيرة تُنسى عمدًا. نُجيد الوعظ، لكننا نتعثر في الالتزام. نعرف الصواب جيدًا، لكننا نؤجله حتى إشعار آخر، غالبًا لا يأتي.

ليست الأخلاق اختبارًا يُؤدَّى أمام جمهور، بل امتحان صامت يحدث عندما لا يراك أحد. حين تكون قادرًا على تحقيق مصلحة شخصية، ومع ذلك تختار الطريق الأصعب لأنه الأصح. هناك فقط تتجلى القيم الحقيقية، بعيدًا عن التصفيق والإعجاب.

ربما لا نحتاج إلى مزيد من الخطب عن الأخلاق، بقدر حاجتنا إلى شجاعة الالتزام بها، حتى حين لا تكون مربحة، وحتى حين لا تمنحنا ميزة إضافية. فالأخلاق التي تُلبس عند الحاجة وتُخلع عند المصلحة، ليست أخلاقًا، بل أقنعة مؤقتة… تسقط عند أول اختبار حقيقي.

الرابط المختصر

search