الإثنين، 26 يناير 2026

12:55 م

طارق دراج يكتب: الفهم والوهم وحضارات الدول

الإثنين، 26 يناير 2026 10:52 ص

طارق دراج

طارق دراج

تفتخر كثير من الدول كالصين والهند ومصر واليونان بحضارتها المتجذرة في التاريخ، وكانت الحضارة إلى وقت قريب هي المقياس لافتخار الدولة بماضيها، ولكي نعلم أن هذه الدول فعلا علي حق، لابد من معرفة أن الحضارة تعني التقدم في العلوم والفنون والأدب والأخلاق والمؤسسات كوحدة واحدة لا تتجزأ، تتبناها المدن والمنظمات السياسية المعقدة، ولذلك فهي نوع لتفاعل راق للانسان مع البيئة ومع تحدياته في الإبداع والفكر والتقنية، وتقدم في جميع المجالات وتطور في الطب والهندسة والفنون والمعمار والثقافة، والأخلاق التي تضبط سلوك الفرد والجماعة، مما يودي الي الاستقرار والأمان، وعندما نقف وقفة جادة ونتأمل فيما يحدث في العالم الآن وعلاقته بالحضارة، سنجد بكل بساطة ان العالم انحدر حضاريا، وبدأ يركز على مجالات بعينها علي حساب باقي المجالات، فتشوهت الحضارة، ولم يعد لها معني. كان الهدف من بناء الحضارات الشعور بالسعادة ورقي البشرية، فاصبحنا بلا سعادة وبلا قيم وبلا أخلاق، وهذا ينطبق علي العالم أجمع دون استثناءات، والدليل ما نراه من حروب أهلية داخل الدول، وحروب بين الدول المتجاورة، وما تفعله المنظمات الدينية وما يقوم به الاحتلال، ومحاولات السيطرة علي الممرات المائية، واستعراض القوة العسكرية علي دول العالم أجمع، والتهديدات التي نجدها هنا وهناك. في وقتنا الذي نعيشه الآن كل الحضارات في بؤرة التدمير، وأصبح العالم غابة، ولكنها غابة بمواصفات تختلف عن مفهوم الغابة التي في مخيلتنا، فالغابة الان متقدمة جدا عسكريا من كيماوي لنووي لصواريخ باليستية وطائرات مسيرة. وانحدرت القيم والأخلاق والقانون، وكل شيء انحدر وتشوه، والظاهر للجميع أن مجالات العمل تشوهت، فلم تعد الصناعة والزراعة والتجارة هي أهم الأعمال، بل أصبحت أعمالا ثانوية، وحل محلها الترفيه والفن والرياضة والخدمات المختلفة التي أنشئت في السابق لتخدم الصانع والزارع والتاجر، وتجد صفوة العلماء ورجال الاعمال لا يتميزون إلا في صناعة التليفونات للترفيه، وفي أنواع السوشيال مديا وشركات الاتصال، وأصبحت الخدمات هي الأم والأهم، وما يحتاجه الانسان من مواد أساسية جاءت في المرتبة الثانوية، يعمل بها متوسطوا التعليم وغير المتعلمين وانصاف المواهب. هنا لا يمكن أن نعود للماضي أو إصلاح ما أفسده التطور الحالي، فهذا درب من الخيال، فلن يعود أي شيء لأصله، ولن تعود الحضارات التي اندثرت، بل علي العكس تماما، فبمرور الزمن يزداد الفساد، وتنتشر الحروب، والانحراف المجتمعي داخل الأسر، والكذب والابتزاز، ويزداد كل ما هو سيء بطريقة سريعة جدا، لدرجة أنها اصبحت أمورا طبيعية، وما يخالفها جمود وتخلف ونمطية وعقول مغلقة. نحن في سباق مع الزمن لنهاية عمر الارض، وهذه نتيجة حتمية للتطور الحالي بهذا الشكل، ولم ولن يسلم من كل هذا من كان يسير بجوار الحائط او داخله ليشعر بالأمان، فالكل الآن معرض للخطر بطريقة أو باخرى، وأصبح العالم بلا استثناء في مهب الريح في أي لحظة وأي مكان.. ونقول وداعا للحضارات وللعالم المتحضر!!

الرابط المختصر

search