السبت، 14 فبراير 2026

06:24 ص

علاء الدين رجب يكتب: الأجهزة الذكية ومعضلة (الخصوصية والرفاهية)

السبت، 14 فبراير 2026 04:44 ص

المهندس علاء الدين رجب

المهندس علاء الدين رجب استشاري التحول الرقمي

المهندس علاء الدين رجب استشاري التحول الرقمي

معضلة البطارية التي لا يتم نزعها
لم يكن اختفاء البطاريات القابلة للنزع من الهواتف الذكية مجرد تطور هندسي عابر، بل تحوّل صامت في ميزان السيطرة بين المستخدم والشركة المصنّعة.

 حين كانت البطارية تُنزع، كان الهاتف يُطفأ حقاً انقطاعاً مادياً كاملاً عن الطاقة، وعن الإشارة، وعن أي قدرة على التتبع أو الاتصال.

أما اليوم، فقد أصبح “إيقاف التشغيل” قراراً برمجياً لا فيزيائياً؛ واجهة تخبرك أن الجهاز صامت بينما تبقى دوائر داخلية قادرة على الاحتفاظ بوظائف محدودة، مثل تحديد الموقع أو الاستجابة لأوامر الطوارئ أو حتى تسجيل المحادثات أو التقاط الصور. بهذا المعنى، لم يعد الهاتف ملكاً مطلقاً لحامله، بل كياناً يعمل ضمن منظومة تحكم أوسع، تُدار من خلال أنظمة تشغيل مغلقة وتحديثات بعيدة.

إن نزع البطارية كان آخر حق سيادي بسيط للمستخدم: أن يختفي رقمياً متى شاء. ومع اختفائه، لم نفقد ميزة تقنية فقط بل فقدنا زر الانسحاب الكامل من المشهد الرقمي.


البيت الذكي أم أستوديو ومشاهدين؟


لم تعد الجرائم الكبرى تُحلّ فقط عبر الشهود أو البصمات أو كاميرات الشوارع. أحياناً، يبدأ الخيط من مكان أكثر هدوءاً ومن جهاز ظنّ صاحبه أنه مجرد أداة راحة منزلية. هذا ما كشفته حادثة اختطاف مسنّة أمريكية هزّت الرأي العام مؤخراً، ليس لبشاعة تفاصيلها فحسب، بل لأن مسار التحقيق فيها انحرف مبكراً نحو فضاء مختلف: الفضاء الرقمي الذي يحيط بنا من دون أن نشعر بثقله.

اختفت السيدة وهي والدة إعلامية معروفة بعد منتصف الليل في ظروف غامضة. ومع اتساع دائرة البحث، لم تكتفِ السلطات بتمشيط الحي أو مراجعة كاميرات الطرق، بل اتجهت مباشرة إلى داخل المنزل نفسه إلى أجهزته المتصلة.
أول الخيوط جاء من جرس الباب الذكي. أظهرت السجلات أن الجهاز تعرّض للتخريب قرابة الساعة 01:47 فجراً. حتى هنا يبدو الأمر متوقعاً: مختطفون يحاولون تعطيل التسجيل.  لكن ما لم يكن متوقعاً أن النظام واصل لوقت لاحق التقاط حركة محيطة بالمنزل. تسجيلات قصيرة، متقطعة، لكنها كافية لتأكيد وجود نشاط غير اعتيادي بعد نحو نصف ساعة من لحظة التعطيل. هذه التفاصيل الصغيرة كانت كافية لتغيير مسار التحقيق. لم تعد الجريمة فعلاً عشوائياً سريعاً، بل حدثاً وقع داخل بيئة تكنولوجية تركت آثاراً رغماً عن منفّذيها.
 


الأدلة الرقمية


الخيط الثاني لم يأتِ من كاميرا بل من جسد الضحية نفسها. السيدة كانت تحمل جهازاً لتنظيم ضربات القلب، متصلاً بهاتفها الذكي داخل المنزل. البيانات أظهرت أن الهاتف توقّف عن استقبال إشارات الجهاز بعد دقائق قليلة من آخر تسجيل لحركة الباب. التزامن الزمني مدعوماً بآثار دماء خارج المنزل عزّز فرضية الإخراج القسري. هنا لم تعد البيانات الطبية شأناً صحياً فقط، بل تحوّلت دون قصد إلى دليل جنائي.

 

بيناتنا والسحابة
 

غير أن التقدم الحقيقي في القضية جاء لاحقاً. حيث أعلنت السلطات امتلاكها تسجيلاً مصوراً لوصول المختطفين إلى مدخل المنزل. المفاجأة لم تكن في وجود التسجيل بل في مصدره. لم يُستخرج من الكاميرا نفسها، بل من الخوادم السحابية المرتبطة بالنظام.
وهنا بدأ السؤال الذي يتجاوز الجريمة ذاتها.
 

صاحبة المنزل وفق المعلومات لم تكن مشتركة في الباقة المدفوعة التي تتيح حفظ التسجيلات لفترات طويلة. الحسابات المجانية، نظرياً، لا تحتفظ بالبيانات إلا لساعات محدودة. فكيف وُجد تسجيل أقدم من تلك المدة؟ و هل حُذف فعلاً أم بقي في مكان ما لا يراه المستخدم؟
 



الحذف الذي لا يمحو


التفسير التقني الأقرب يرتبط بما يُعرف بالحذف المنطقي. حين “نحذف” بياناتنا، فهي غالباً لا تختفي فوراً من وحدات التخزين، بل تُزال إشارتها فقط، وتبقى قابلة للاسترجاع إلى أن تُستبدل ببيانات جديدة. هذا إجراء تقني اعتيادي، يُستخدم لتحسين كفاءة الأنظمة وإتاحة الاسترداد عند الطوارئ. لكنه، حين يتقاطع مع حياة الأفراد، يفتح باباً واسعاً للأسئلة الأخلاقية والقانونية. صحيح أن الأدلة الرقمية هنا خدمت العدالة وربما أنقذت حياة لكن الوجه الآخر أقل طمأنينة.
فالمستخدم الذي يظن أن بياناته لم تعد موجودة، قد يكتشف أنها ما زالت كامنة في طبقات البنية التحتية التقنية خارج نطاق إدراكه. لا يعني ذلك بالضرورة إساءة استخدام، لكنه يكشف فجوة بين ما نتخيله عن الخصوصية وما يجري فعلياً خلف الواجهات النظيفة للتطبيقات.

 

حصان طروادة: الوجه الخفي للراحة الرقمية


القصة الأخرى الأشد خطرا تأتي في عالم يُسوق لنا فيه الذكاء الاصطناعي كطريق مختصر نحو الراحة والرفاهية، وهي التي كشفها المبرمج الهندي هاريشانكار نارايانان لتذكرنا أن التكنولوجيا ليست دائماً صديقة المنزل، بل قد تكون زائراً غير مرغوب فيه يسرق خصوصيتنا تحت غطاء المساعدة.

بدأت قصتنا بجهاز بسيط: مكنسة ذكية من طراز iLife A11، تُباع عالمياً بما يقارب 300 دولار، مجهزة بتقنيات متقدمة مثل نظام LiDAR لرسم الخرائط ثلاثية الأبعاد عبر برمجيات Google Cartographer. لكن خلف هذا الأداء اللامع، كانت المكنسة ترسم خريطة دقيقة لمنزل مالكها، وترسلها بصمت إلى خوادم تقع على بعد نصف العالم، كما وصف نارايانان. حين حاول تعطيل إرسال البيانات، توقف الجهاز عن العمل تماماً. وبعد محاولات إصلاح فاشلة، اكتشف نارايانان أن الشركة أرسلت أمراً برمجياً سرياً ما يُعرف بـ Remote Kill Command عطّل الجهاز عن بعد بمجرد قطع الاتصال بالشبكة. بعبارة أخرى: رفض التجسس ففقد حق الاستخدام.
القضية تتجاوز المكنسة نفسها. إنها تجسد المعضلة الجوهرية لعصر إنترنت الأشياء: من يملك الجهاز بعد شرائه؟ المستخدم الذي دفع ثمنه أم الشركة التي تتحكم ببرمجياته السحابية؟ لقد تحول مفهوم الملكية من حق الاستخدام إلى ترخيص مشروط بالاتصال الدائم. وفي حال قررت الشركة تعطيله، يتحول المنتج الذكي إلى قطعة بلاستيكية باهظة الثمن لا فائدة منها.


ما كشفه المهندس الهندي نارايانان ليس حادثة معزولة، بل هو جزء من منظومة أوسع من الاقتصاد الخفي للبيانات، حيث تتحول أنماط حياتنا اليومية من ترتيب الأثاث إلى جداول التنظيف إلى بيانات قابلة للبيع والتحليل. وقد سبق أن وُجهت اتهامات لشركات كبرى ببيع بيانات مستخدمي الروبوتات المنزلية للمعلنين، في مشهد يوضح أن الراحة ليست مجانية، بل ثمنها خصوصيتنا الرقمية.
 


مخاطر تتجاوز الأمان التقني


الأخطر من التجسس هو قابلية هذه الأجهزة لأن تُستخدم كبوابات إلى الشبكة المنزلية. فحين اكتشف نارايانان أن المكنسة تعمل بنظام تشغيل Android مفتوح تماماً مع صلاحيات Root Access عبر ADB، أدرك أن أي شخص يمكنه اختراقها بسهولة، بل وتحويلها إلى أداة مراقبة داخل المنزل. ولعل أخطر ما في هذه المنظومة أنها تعمل في الخفاء، ترى ولا تُرى، وتجمع ولا تُستأذن.

القصة تفتح باباً واسعاً أمامنا، حيث ما زالت معظم دولنا النامية في طور الاستقبال الرقمي دون دفاعات قانونية كافية، ومعها فرصة لتبني حوكمة رقمية محلية أكثر صرامة تحمي المستخدمين من الانتهاكات العابرة للحدود، عبر:
• إلزام المصنعين بالإفصاح الكامل عن طبيعة البيانات المرسلة من الأجهزة الذكية ومسارات تخزينها.
• تشجيع تطوير صناعة منتجات محلية مفتوحة المصدر تُبنى على الشفافية والثقة لا على التجسس الخفي.
ما تم كشفه ليس قصة عن مكنسة تعطلت، بل عن نموذج عالمي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا. ففي الوقت الذي تعدنا فيه الشركات بمنازل ذكية، قد نجد أنفسنا نعيش في بيوت تراقبنا أكثر مما تخدمنا.
إنها دعوة لإعادة التفكير في سؤال بسيط ومقلق: هل نحن نثق بأجهزتنا أم هي من تخلع سترنا؟

خطر التجسس الاستهلاكي
لكن الخطر لا يتوقف عند حدود التجسس الاستهلاكي أو اختراق الخصوصية المنزلية. فحين تُخزَّن هذه البيانات في بنى سحابية بعيدة، فإنها لا تبقى مجرد معلومات خاملة، بل قد تتحول يوماً ما إلى أدلة تُستدعى في سياقات لم تخطر ببال أصحابها.
وهنا ننتقل من سؤال “من يراقبنا؟” إلى سؤال أكثر تعقيداً: متى، وكيف، ولصالح من تُستخدم هذه البيانات؟
الإجابة لم تعد نظرية بل كشفتها وقائع جنائية حقيقية.
يقول تعالى ﴿ يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
شيطان الإنس اليوم يجلس خلف الشاشات، يعبث بالخوارزميات، وينزع لباس الخصوصية، ويرانا من حيث لا نراه.

القضية، في جوهرها، لا تتعلق بحادثة اختطاف فقط، بل بنمط حياة رقمي يتضخم بهدوء. فكل جهاز ذكي نضيفه إلى منازلنا يخلق نقطة بيانات جديدة. وكل نقطة بيانات تترك أثراً قد يُستعاد يوماً ما. لهذا، قد لا تكون الحكمة في التوسّع التراكمي في الأجهزة، بقدر ما تكون في التبني الانتقائي لها حين تضيف قيمة حقيقية لا مجرد رفاه تقني.


وإذا كان البيت الذكي قد نزع عنا جدران الخصوصية، فإن الهاتف الذكي  ببطاريته غير القابلة للنزع  قد نزع آخر أزرار الانسحاب من المشهد الرقمي. فالحادثتان يبدوان بالتحليل كأنهما حادثة واحدة (جهاز يجمع بيناتك رغما عند، وخادمات تسجل بيناتك رغما عنك) وهما كانتا كافية لتذكيرنا بأن منازلنا لم تعد جدراناً صمّاء. إنها استوديوعات تسجّل، تحفظ، وتشاهد من بعد وتخترق وتُستدعى عند الحاجة. و لم تعد المسألة: هل تراقبنا أجهزتنا؟ بل السؤال الذي يفرض نفسه بهدوء أكبر ، إلى متى تبقى بياناتنا ومن يملك حق استدعائها؟ ﴿ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ • وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ﴾

الرابط المختصر

search