الدكتورة أميمة منير جادو تكتب: سلطة السمع ومحو الكينونة في قصة «مدينة الحطب» لعماد الشرقاوي
الخميس، 19 فبراير 2026 11:38 ص
دكتورة أميمة منير جادو
"قراءة تأويلية" لقصة «مدينة الحطب»
مدخل / ملخّص
«مدينة الحطب» تبني عالماً كابوسيًا تُحكمه سلطة الصوت؛ مدينة تُكافئ السمع وتجرّم الصمت. ظهور كائن متحوّل يفرض «السمع هو النجاة» يطلق نظامًا طقوسيًا تُدار فيه الحركة والوعي عبر الإيقاع. البطل جلال يحاول المقاومة بالصمت، فيتحول الحيّ إلى خشب ينتظر الاحتراق، وينتهي بالاختفاء لأن الوجود ذاته صار مشروطًا بما يُسمع. النص ينتهي بمرسوم يحرّم الصمت، فيما تتكدّس المدينة حطبًا ينتظر شرارة.
الجنس الأدبي والانتماء النوعي
قصة قصيرة رمزية / استعارية ذات بنية ديستوبية.
تقترب من الفانتازيا الكابوسية والواقعية الغرائبية؛ تحوّل القوانين الفيزيائية والاجتماعية يخدم فكرة السلطة الشمولية للصوت.
من حيث المناخ، تستدعي أجواء العبث والاغتراب القريبة من عوالم Franz Kafka، لكن بأداة سمعية/موسيقية لا بيروقراطية.
الفكرة والثيمة
مركز الثيمة: نقد ثقافة الضجيج والطاعة السمعية، وتحويل الإنسان إلى مادة قابلة للاحتراق (حطب) حين يفقد صوته الداخلي.
ثنائيات حاكمة: سمع/صمت، حضور/اختفاء، إنسان/خشب، معنى/إيقاع.
أطروحة النص: الوجود الإنساني يُختزل حين يُصادَر الحق في الصمت والتأمل؛ السلطة التي تحتكر الإيقاع تحتكر الوجود.
البناء السردي
الاستباق الافتتاحي («في الليلة التي سبقت…») يمنح توترًا بنيويًا جيدًا.
تصاعد محكم: حلم جماعي → انسكاب الكائن → تحوّل المدينة → محاولة مقاومة → قانون يجرّم الصمت.
الخاتمة مغلقة دلاليًا ومفتوحة تأويليًا؛ صورة الحطب المؤجّل للاشتعال تترك أفقًا كارثيًا.
ملاحظة بنيوية: التحوّلات متسارعة ومقصودة لإنتاج الكابوس، لكن بعض القفزات (تحوّل البشر إلى خشب/آلية «الاختفاء») تُعرض بلا عتبات تفسيرية كافية داخل منطق العالم؛ لو أضيفت إشارات سببية دقيقة (طقس، تقنية، قانون قديم) سيزداد الإقناع دون فقدان الغرابة.
الشخصيات
جلال: بؤرة إدراكية لا سيرة لها؛ وظيفته مقاومة سلبية (الصمت). هذا مناسب للرمزية، لكنه يحدّ من التعاطف.
الكائن المتحوّل: رمز سلطة بلا اسم؛ فعّال بصريًا وصوتيًا.
الطفل نصف الخشبي: «مرشد عابر» يقدّم قاعدة العالم. حضوره موفّق لكنه عابر جدًا؛ كان يمكن توسيع دلالته كضمير أخلاقي أو ذاكرة.
الزمن والمكان
زمن دائري طقوسي تحكمه الإيقاعات، لا الساعات.
مكان مؤسطَر (مدينة بلا اسم)، ما يدعم العمومية الرمزية ويجنّب التعيين المباشر.
اللغة والأسلوب
لغة كثيفة تصويريًا: تشقّق السماء كشاشة هاتف، الموسيقى التي «تبيض خرابًا»، الخشب الذي «ينتظر شرارة».
الانزياح الدلالي ناجح غالبًا، ويصنع موسيقى داخلية للنص.
اقتصاد الجملة مناسب للقصة القصيرة، مع تكرارات مقصودة (الحطب/الصوت) تؤسس لازمة رمزية.
ملاحظات لغوية/تحريرية دقيقة:
«الثمامة» على الأرجح القُمامة.
«الأكثر بروزا» تُكتب بروزًا.
«أغنية مستريحةً» يوجد فراغ زائد.
التوازي الإيقاعي جميل، لكن الإفراط في الاستعارات السمعية قد يضغط المعنى في بعض المقاطع؛ موازنة بين الصورة والحدث ستزيد النفاذ.
الرمز والدلالة
الحطب: قابلية الإنسان للاحتراق حين يُختزل إلى مادة.
الصوت: سلطة شمولية تُعيد تعريف الحقيقة («المدينة تعترف بما يُسمع فقط» جملة محورية).
الاختفاء: محو أنطولوجي لمن يختار الصمت—عقوبة معرفية قبل أن تكون جسدية. المنظومة الرمزية متماسكة، وتتدرّج من صورة إلى نظام حكم، وهو إنجاز بنيوي واضح.
التناص والأفق التأويلي
صدى واضح لثيمات الاغتراب والسلطة العبثية (كما لدى Franz Kafka)، مع إضافة عربية راهنة: نقد ثقافة الضجيج الجماهيري والإذعان للإيقاع العام.
التقييم الإجمالي
نص ذو رؤية رمزية واضحة، وبناء تصاعدي محكم، ولغة تصويرية لافتة. قوته في توحيد الرمز (الصوت/الحطب) ضمن عالم مغلق. ما يحتاج تعميقًا: تأسيس قوانين العالم بدرجة أوضح، ومنح جلال أو الطفل بعدًا دراميًا يوسّع التلقي العاطفي.
قراءة منهجية
تقوم القصة على مجاز كليّ يحوّل «الصوت» من وسيط إدراك إلى جهاز حكم، ويعيد تعريف الوجود الإنساني بوصفه ما يُسمع لا ما يُرى أو يُفكَّر فيه. تتدرّج البنية من نبوءة كابوسية إلى نظام قانوني يجرّم الصمت، في مسار يختزل الإنسان إلى «حطب» مؤجّل للاحتراق.
البؤرة الدلالية: من السمع إلى الوجود
يؤسّس النص مبكرًا لقانون العالم عبر العبارة المفتاحية: «فالمدينة اعتادت ألّا تفهم شيئًا؛ يكفي أن “تسمع” فقط». هنا يتحوّل السمع من حاسة إلى معيار حقيقة. وتتأكد القاعدة لاحقًا بصيغة أنطولوجية صارمة: «المدينة تعترف بما يُسمع فقط»؛ وبذلك يصبح الوجود ذاته مشروطًا بالاندراج في إيقاع السلطة.
جهاز السلطة: الموسيقى كقانون
التحوّل من مشهد كوني غرائبي إلى نظام اجتماعي يحدث عبر خطاب واحد: «اتبعوني… فالسمع هو النجاة». تتبدّل بنية المدينة وفق منطق إيقاعي شامل: «الشوارع… ممرات صوتية»، «الإشارات… إيقاعات تجبرك على الطاعة». إنّ «الموسيقى» هنا ليست فنًا بل تقنية ضبط جماعي، تُحوّل الحركة اليومية إلى طقس امتثال.
مجاز الحطب: تشييء الإنسان وقابلية الاحتراق
تتكاثف الدلالة في صورة الحطب التي تبدأ بوصف مادّي وتؤول إلى مصير إنساني: «صار البيت غابة من الخشب الجاف الذي يلمع كأنه ينتظر شرارة»، ثم تبلغ ذروتها في الحكم الختامي: «الخشب يعيش… والبشر يختفون». الحطب ليس موتًا فوريًا بل قابلية دائمة للاشتعال؛ أي حياة منزوعة المعنى، محفوظة فقط كوقود.
الصمت بوصفه مقاومة سلبية
يطرح النص مفارقة أخلاقية حين يقدّم الطفل قاعدة النجاة: «الهروب الوحيد… أن تصمت حتى تختفي». الصمت هنا فعل مقاومة لكنه يقود إلى المحو: «بدأ جسده يتلاشى… لأنه لم يعد يُسمع». بذلك يُغلق النص أفق الفعل الإيجابي، ويجعل الاختيار بين الامتثال القابل للاحتراق والمحو الصامت.
الاقتصاد السردي وبنية الكابوس
يعتمد النص تكثيفًا تصويريًا يخدم مناخ الكابوس: «السماء تتشقّق مثل شاشة هاتف مكسور»، و*«أغنية… مثل طائرٍ يبيض خرابًا»*. الصور السمعية/البصرية المتداخلة تبني إيقاعًا دلاليًا بديلًا عن الوزن الشعري؛ إيقاعًا يقوم على التكرار التحويلي (الصوت ← القانون ← الوجود).
أفق التناص
يتقاطع العالم المصوَّر مع تقاليد الاغتراب والسلطة العبثية كما لدى Franz Kafka: فردٌ يُسحَق داخل نظام لا مرئي، وقانونٌ يتجاوز الفهم ليصير قدرًا. غير أن القصة تستبدل البيروقراطية بالكثافة السمعية، فتبتكر شمولية إيقاعية تُدار بالموسيقى لا بالأوراق.
مقترحات تطوير محددة
تعليل داخلي دقيق لآلية التحوّل والاختفاء (إشارة تقنية/طقسية قصيرة تكفي).
لحظة مقاومة فعّالة لجلال (فعل مضاد، لا صمت فقط) قبل النهاية لزيادة التوتر.
تقليل كثافة الاستعارة في مقطع أو اثنين لإتاحة مساحة للحدث.
تنويع منظور السرد بجملة أو فقرة ترى المشهد من خارج جلال لإغناء البنية.
خاتمة تقييمية
«مدينة الحطب» نص رمزي محكم يوحّد جهازه الدلالي حول ثنائية السمع/الصمت، ويقدّم نقدًا لثقافة الضجيج والطاعة الإيقاعية. قوته في وحدة المجاز وتدرّجه إلى صيغة قانونية؛ ومجاله الأوسع للتطوير في إضاءة آليات التحوّل داخل العالم القصصي دون تبديد غرابته.
- باحث اكاديمي.عضو اتحاد الكتاب بمصر
الرابط المختصر
آخبار تهمك
مطار مرسى علم الدولي يستقبل 19 رحلة طيران دولية اليوم
19 فبراير 2026 06:00 ص
6600 جنيها لعيار 21.. تعرف على أسعار الذهب في مصر اليوم الخميس
19 فبراير 2026 03:38 ص
مطار مرسى علم الدولي يستقبل 12 رحلة أوروبية اليوم
18 فبراير 2026 07:00 ص
تعرف على أسعار الفراخ البيضاء والبلدي اليوم الأربعاء 18 فبراير
18 فبراير 2026 05:00 ص
6535 جنيهًا لعيار21 .. تعرف على أسعار الذهب في مصر اليوم الأربعاء
18 فبراير 2026 04:00 ص
سعر الدينار الكويتي أمام الجنيه في مصر اليوم الأربعاء 18 فبراير 2026
18 فبراير 2026 03:15 ص
الأكثر قراءة
-
الدكتورة أميمة منير جادو تكتب: سلطة السمع ومحو الكينونة في قصة «مدينة الحطب» لعماد الشرقاوي
-
خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف غدا 20 فبراير 2026م ـ 2 رمضان 1447هـ
-
دار الإفتاء المصرية تتيح خدماتها للجمهور جميع أيام الأسبوع خلال شهر رمضان
-
دار الإفتاء المصرية تحدد زكاة الفطر لشهر رمضان هذا العام بـ 35 جنيها
-
تفوق الأحمر، تاريخ مواجهات الأهلي والجونة قبل لقاء الجولة 18
-
شراكة بين وزارتي التخطيط والتضامن لتعزيز الحماية الاجتماعية
-
التضامن: بدء صرف المساندة النقدية الإضافية بمناسبة شهر رمضان المبارك
-
كريم أحمد نجم ليفربول يبدأ مشواره مع منتخب الشباب
-
الهلال الأحمر يُطلق حملة «هلال الخير» لدعم الأسر المتعففة
-
الهلال الأحمر يدفع بأكثر من 197 ألف سلة غذائية عبر قافلة «زاد العزة»
أكثر الكلمات انتشاراً