الأحد، 26 يوليو 2026

12:38 ص

هشام المغربي يكتب: المشتل

السبت، 25 يوليو 2026 11:57 م

هشام المغربي

هشام المغربي

قرر هو وزوجته أن يزرعا فناء المنزل العلوي (الرووف )الذي أهملاه طويلاً, قال لها هذا العام سأضفي على الرووف لمسات صغيرة, تجعلنا أكثر تعلقاً بالجلوس به كونه يطل على البحر مباشرة, ونسمات الهواء العليل تهب علينا لتغسل ما بداخلنا من هموم عشناها في آخر عامين, ما بين مرض, وألم, ودموع, وآهات, وغير ذلك من أيام عصيبة مررنا بها.
قرر أن يبدأ خطته بزيارة المشتل القريب من بيته ليبتاع ما يمكن له أن يحمله من أصص النباتات المزهرة, أو ذات الروائح الفواحة, مثل الياسمين, والفل, وماشابه من زهور عطرية, لتضفي على المكان ذلك السحر الخاص, الذي ربما لا تصفه كلمات.
في المشتل وقف يشاهد العديد من أصص النباتات.
نباتات سامقة تنظر بعلياء إلى السماء،  وأخرى قصيرة العود سميكة الأوراق.
 تختلف في خضرتها بين الكاشف والغامق والوسط والمتدرج في الخَضرة بين كل ذلك. منها من يتوق للشمس الشديدة,  ومنها من تميته شدة الحرارة, ويرغب أن يبقى في الظل.
منها من تكفيه قطرات من الماء, أو يعشق الغمر الكامل بالماء.
منها من تعشق التباهي والظهور, أو من تتسم بالخجل وتتوارى بين الفروع, أو تلك التي تظهر مفاتنها الخلابة من ألوان زاهية وروائح نفاذة هكذا... 
وهنا ازدادت حيرته فهو بين كل تلك الأصص, كمن يبحث عن ضالته المنشودة ولا يجدها....
فكر أن يبحث بالشكل الجذاب مثلاً, ويبدأ رحلة بحث جديدة, بعد فترة قصيرة  من البحث والتأمل وصل إلى النتيجة نفسها .... أصبح  أكثر حيرة أغلب ما في المشتل من نباتات تحمل جمالية خاصة بها بشكل ما, وإن لم يكن ذلك  الجمال ظاهراً أحيانا ، إلا أن الجمال يختبئ في التفاصيل الصغيرة بين الأغصان والأوراق والفروع والألوان والروائح. 
كان يتأمل المشهد صامتاً من كثرة ما شاهد لم يعرف كيف يقرر...  بينما كان بعض الرواد يتنافس للحصول على الأجمل والأرخص سعراً ومنهم من كان يطلب اسماً لنبات بعينه يبحث عنه بمواصفات تناسب ذوقه ومساحة مكانه.
بعد أن فرغ البائع من تلبية رغبات الرواد توجه إليه:
كيف لي أن أساعدك؟
نظر حوله في خجل قائلاً :  ليس لي طلب خاص, كل ما أردته أن أملأ مساحة الرووف ببعض النباتات, التي تضفي على المكان رونقاً وجمالاً..
نظر إليه البائع نظرة حيرة :
أمامك كل النباتات, والزهور, والأشجار, 
لكل نبات طبيعة خاصة تميزه ولكل زائر احتياج خاص،  النباتات والزهور  من كل صنف ولون ولغة هل تصدقني إذا قلت لك أنني أكاد أسمع لهم صوتا !
أشعر بهم وبسعادتهم وبشقائهم أحياناً وأحاول أن أسعدهم قدر استطاعتي.
 ياسيدي
من الصعب أن أختار لك، خذ وقتك للمشاهدة كما تحب وبعدها قرر ماذا تريد؟ 
 تركه وحيداً يتأمل كل المعروضات وانشغل هو بالترحيب  بالرواد الجدد.
وقف يفكر في ما قاله له صاحب المشتل،  اقترب من إحدى النباتات، شعر بها وكأنها تحدثه وتخصه بحديث هامس اقترب منها  ورفعها بين يديه، 
ثم نظر لها مجدداً وابتسم ، وكانت نسمات الهواء تحرك أغصانها بين يديه، اتسعت ابتسامته، وضمها أكثر وألصقها بصدره  وقرر أن يحملها معه إلى البيت.

تمت

الرابط المختصر

search