السبت، 15 أغسطس 2026

10:37 ص

د.أميمة منير جادو تكتب: البناء الجمالي وتجليات الهوية والخذلان في قصيدة ”معذرةً يا غزة" للشاعر رفعت المرصفي

السبت، 15 أغسطس 2026 10:16 ص

د. أميمة منير جادو

د. أميمة منير جادو

 “سيمفونية التراب والشجن.. البناء الجمالي وتجليات الهوية والخذلان  في قصيدة ”معذرةً يا غزة" للشاعر رفعت المرصفي

رؤية تحليلية نقدية

مقدمة

ينتمي الشاعر الكبير رفعت  إلى تربة خصبة ومعطاءة؛ فهي قرية "مرصفا" العريقة بمحافظة القليوبية في دلتا مصر، تلك الأرض التي طالما أنجبت أعلام الفكر والأدب (كالأديب الشيخ حسين المرصفي). وتأتي قصائده لتشكل لوحة شعرية متكاملة تتناغم فيها مشاعر الانتماء المكاني والوجدان الإنساني العميق، مرتحلة بين أصالة التراث ودفء الحنين.

تُعد قصيدة "معذرةً يا غزة" للشاعر الكبير رفعت المرصفي (من ديوانه "هديل وأوجاع") صرخة مدوية في وجه العجز العربي والتقاعس الإنساني أمام المأساة المستمرة في قطاع غزة. النص لا يقف عند حدود التباكي العاطفي السطحي، بل يغوص في نقد ذاتي جارح، كاشفاً عن حالة السقوط الأخلاقي والسياسي التي يعاني منها الإنسان العربي المعاصر، وموظفاً لغة حادة ومكاشفة صارخة تعري الواقع دون مواربة.

أولاً: تحليل البناء الموضوعي والدلالي (ثيمات النص)

1. ثيمة الاعتذار بوصفه إدانة ذاتية

يبدأ الشاعر قصيدته بمفتاح معجمي متكرر ومحوري هو "معذرةً يا غزة". هذا الاعتذار ليس تلطفاً، بل هو أداة إدانة قاسية للذات الجمعية العربية. غزة هنا ليست مجرد جغرافيا مستباحة، بل تحولت إلى رمز لشرف الأمة المتبقي ومحكها الأخلاقي الأخير:

معذرةً يا غزة يا عزة هذا الوطن المنفيِّ على أرض الأوجاع

الشاعر يعكس المفارقة المأساوية؛ فغزة التي تعيش الدمار ترتفع لتكون "عزة الوطن"، في حين أن الجسد العربي الكبير يعيش في "منفى" روحي وأخلاقي بعيداً عن حقيقة الانتماء والتضامن الفعلي.

2. التعرّي الأخلاقي وسقوط الأقنعة

يستثمر الشاعر الرموز التراثية والثقافية بوعي لاذع، مستحضراً رمز "ورق التوت" في إحالة واضحة لقصة البداية الإنسانية وسقوط ستر الإنسان. يصور المرصفي كيف انحدر الواقع العربي من مرحلة الاكتفاء بالشعارات الزائفة وحروب الخطابات الفوقية ("نحارب من فوق أسرتنا من تحت أسرتنا بصواريخ الكلمات") إلى مرحلة التعرّي الكامل والتخلّي عن أدنى مقومات الكرامة:

والآن . . . حتى من ورق التوت تجردنا وقوفنا في أندية العرى نغني للأمجاد “أمجاد يا وجع أمجاد”

وهنا يبرز التوظيف الساخر واللاذع لشعارات النصر الزائفة، محولاً إياها إلى "أوجاع" تنضح بالمرارة والسخرية السوداء من حال الأمة.

3. ثيمة الاستهلاك الدموي والمتاجرة بالمأساة

يذهب النص إلى أبعد نقاط المكاشفة قسوة؛ إذ يصور الشاعر حالة التوحش التي وصل إليها العالم العربي في تعامله مع دماء الضحايا، وكأن دماء الغزيين تحولت إلى مادة استهلاكية للنشوة أو التخدير:

لا نملك إلا دمكم كى نسكر به لا نملك إلا دمكم كى نسكر فيه حتّى صِرنا أرقاماً تهذى في لغة الإفلاس

وتتجسد صور البشاعة والخذلان في مقطع غاية في التكثيف التصويري يصور التواطؤ والتجارة بلحم الأبرياء:

وتركناكم قرباناً من أجل غرائزنا ... ووضعناكم كشرائح لحم ناضجة فوق موائدهم وجلسنا نتلتذذ في مصِّ أصابعنا

هذه الصور الكابوسية تعبر عن حالة الاغتراب الكامل والتبلد الشعوري الذي وصل إليه المتفرج العربي، الذي يكتفي بالمشاهدة والتلذذ ثم يعود ليمارس حياته الرخوة على أشلاء الضحايا.

ثثانياً: التناص والإحالات الثقافية والدينية

التناص مع قصة الخلق (ورق التوت): يوظف الشاعر رمز "ورق التوت" بإحالة ذكية إلى الخطيئة الأولى وبدء التعري البشري، ليدلل على السقوط الأخلاقي المدوي للإنسان المعاصر حين يتجرد من إنسانيته ومروءته أمام مشاهد الموت والدمار.

الإحالة الواقعية المعاصرة: يتكئ النص على واقع سياسي وإعلامي مُعاش، محاكياً لغة الإفلاس السياسي، وتحول الضحايا الإنسانيين إلى مجرد "أرقام" صماء في نشرات الإخبار، وهو ما يعزز الطابع الواقعي النقدي للقصيدة.

ثالثاً: البنية الإيقاعية والتصوير الفني

الموسيقى الداخلية والخارجية: اعتمد النص على التفعيلة الحرة والنَفَس المقطعي القصير (Stanzas)، وهو ما يتناسب مع حالة الانفعال النفسي السريع والتقطيع العاطفي الحاد. التكرار المتعمد لعبارات مثل "معذرةً يا غزة" و"جاؤوكم يا غزة" يمثل نوماً إيقاعياً (لتأنيس الضمير وتأكيد الشعور بالذنب)، يشبه ضربات الجرس المتتالية التي توقظ الوعي الغافل.

التصوير البصري والكابوسي: ابتعد الشاعر عن الزخارف البلاغية الباردة، واعتمد على الصورة الكابوسية المركبة (مثل شرائح اللحم، مص الأصابع، السكر بالدم، أسرة النوم)، وهي صور تنتمي إلى مدرسة الشعر الواقعي التعبيري الذي يعري القبح ولا يجمله، ليكون وقوداً لصدمة المتلقي وإقناعه ببشاعة الواقع.

خاتمة

إن قصيدة "معذرةً يا غزة" لرفعت المرصفي تُعد وثيقة شعرية وأخلاقية صارخة، تسبر أغوار الهزيمة النفسية العربية بجرأة نادرة. ولم تتوقف أهمية هذا النص عند حدود الكلمات المكتوبة على الورق، بل تجسدت في عمقها الوجداني حين لحنها وغناها الفنان الكبير فايد عبد العزيز، ليمنح هذه الصرخة الشعرية أبعاداً لحنية وغنائية مضاعفة، تنقل وجع الحرف إلى فضاءات السماع والتأثير المباشر في وجدان المستمع العربي.

---------

رفعت المرصفي.. مِنْ دِيوَانِ "هديلٌ وَأَوْجَاع " لـ رفعَت عَبْدالوَهّاب المرصفى         

ملحق نص القصيدة

معذرةً  ياغَـ.....زّةَ .…

 للشاعر الكبير رفعت المرصفي

 تلحين و غناء الفنان الكبير فايد عبدالعزيز

--------------------

معذرةً  ياغَ....ـزّةَ 

يَا عزّةَ هَذَا الوطنِ المَنفِىِّ 

عَلَى أرضِ الأوجاعْ 

معذرةً إنْ كُنَّا . . . 

قَد ضِقنا ذَرعاً بملابسنا 

فخلعناها طَوعـا فَوْق مَوَائِد ِالاستجداءْ 

وَوَقَفْنَا نتباهىَ بالعَوْراتْ 

كَم كُنَّا نتستّرُ مِن ورقِ التُّـــوتْ 

ونحاربُ مِنْ فَوْقِ أسِرِّتنا مِنْ تَحْتِ أسِرّتنا 

بصواريخِ الكلمـاتْ 

وَالْآن . . . 

حَتَّى مِنْ ورقِ التُّـــوتْ تجرّدنــا 

وَوَقَفْنَا فِى أنديـةِ العُرى نُغنّى للأمجــاد 

" أمجادْ يَاوَجَعْ أمجــادْ " 

" أوجاعْ ياعربْ أوجــاعْ " 

معذرةً ياغَ.....ـزّةَ 

ياعِزةَ هَذَا الوَطَنِ المنفىِّ 

عَلَى أرضِ الأوجــاعْ 

معذرةً إ ن كُنَّا قَدْ صِرْنَا خارجَ دائرةِ الاحساسْ 

معذرةً إ ن كُنَّا لانملكُ 

إلاّ دَمَكُــمْ كَى نَسكرَ بهْ 

لانملكُ إلَّا دَمَكُــمْ 

كَى نســكرَ فيــــهْ 

حَتَّى صِرْنَا أرقاماً تَهذى 

فِى لُغةِ الإفـلاسْ 

جاؤوكمْ ياغ.....زّةَ مِن آخرِ أوجـاع ِالدنيـا 

وتركناكمْ قُرباناً مِن أجـلِ غرائزنــا 

جاؤوكمْ ياغزةَ مِن آخرِ أصقـاعِ الدنيـا 

ووضعناكمْ كشرائحَ لَحْم ٍناضجة 

فَوْق موائدهمْ 

جاؤوكمْ ياغ.....زةَ . . . . 

وَجَلَسْنَا نتلذّذُ فِى مصِّ أصابعنا 

ومســـاءً . . . . 

نتباكى فَوْق صُدُور الخزى الباردْ 

وننامُ عَلَى أنغامِ الأطفالِ الموْتــى 

مَعْذِرَة . . . يــاغَ.....زْة 

-----

  • باحث اكاديمي ـ عضو اتحاد كتاب.مصر

الرابط المختصر

search