الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026

12:38 ص

أسهم أوروبا تصمد.. لكن أسواق السندات تدق ناقوس الخطر

الإثنين، 05 أكتوبر 2026 11:37 م

دانييلا هاثورن

دانييلا هاثورن

تحليل بقلم دانييلا هاثورن، كبيرة محللي الأسواق في كابيتال دوت كوم

أظهرت الأسهم الأوروبية قدرة ملحوظة على الصمود هذا العام، لكن الأوضاع الاقتصادية التي تدعم هذا الصعود أصبحت أكثر تفاوتاً بين دول المنطقة. فلا يزال النمو ضعيفاً، وعاد التضخم إلى الارتفاع بعد صدمة أسعار الطاقة الناجمة عن أحداث الشرق الأوسط، كما استأنف البنك المركزي الأوروبي رفع أسعار الفائدة. وفي الآونة الأخيرة، أدى اتساع الفارق بين عوائد السندات الحكومية الأوروبية إلى زيادة حالة عدم اليقين، وكشف عن اختلاف نظرة المستثمرين إلى المخاطر المالية والسياسية من دولة إلى أخرى.

والنتيجة هي سوق استثمار أوروبية أكثر تبايناً. ومع ذلك، ليست الصورة الاقتصادية سلبية بالكامل. فقد أظهر مؤشر مديري المشتريات الأولي لشهر سبتمبر أن نشاط الأعمال في منطقة اليورو نما بأسرع وتيرة منذ أبريل 2023، إذ ارتفع المؤشر المركب إلى 53.1 نقطة من 52.0 نقطة. كما تحسن قطاع التصنيع، ولا سيما في ألمانيا، بدعم من الاستثمارات في الدفاع والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي، بينما سجلت فرنسا أول نمو في النشاط منذ عشرة أشهر. ويتوقع البنك المركزي الأوروبي أن ينمو اقتصاد منطقة اليورو بنسبة 0.9% فقط في 2026، ثم 1.4% في 2027 و1.5% في 2028.

لكن أوروبا ما زالت شديدة التأثر بأسعار الطاقة. فقد بلغ التضخم في سبتمبر 3.8%، مدفوعاً أساساً بارتفاع أسعار النفط والغاز بعد اندلاع الصراع في الشرق الأوسط. أما التضخم الأساسي، الذي يستبعد العناصر الأكثر تقلباً، فبقي أقل بكثير عند 2.5%. وهذا يشير إلى أن المشكلة لا تزال ناتجة في المقام الأول عن عوامل خارجية، وليست دليلاً على دخول الأجور والأسعار في دوامة ارتفاع واسعة داخل الاقتصاد. ومع ذلك، لا يوفر هذا الفارق طمأنينة كبيرة إذا ظلت الطاقة مرتفعة التكلفة مدة طويلة، لأن ذلك سيضغط على دخول الأسر وهوامش أرباح الشركات. وهنا يواجه البنك المركزي الأوروبي معادلة صعبة: فقد رفع أسعار الفائدة بالفعل لمنع صدمة الطاقة من التحول إلى تضخم دائم، لكنه يشدد السياسة النقدية في الوقت نفسه على اقتصاد ينمو بأقل من 1% سنوياً.

أسواق السندات في دائرة الضوء
أما القلق الأكثر إلحاحاً فيرتبط بما يحدث في أسواق الديون الحكومية. فقد شهدت السندات الألمانية إقبالاً قوياً باعتبارها ملاذاً آمناً، في وقت ارتفعت فيه تكاليف الاقتراض في دول أوروبية أخرى. ووصل الفارق بين عائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل عشر سنوات مؤخراً إلى نحو 150 نقطة أساس، وهو أعلى مستوى منذ عام 2012، كما عادت عوائد السندات الإيطالية إلى الارتفاع.
وتكمن أهمية هذا التباين في أن دول منطقة اليورو تتشارك العملة والبنك المركزي، لكنها لا تملك سلطة مالية موحدة أو سوقاً واحدة للسندات الحكومية. وتدخل ألمانيا هذه المرحلة بوضع مالي أكثر مصداقية ومستوى دين أقل نسبياً، ما يسمح لسنداتها بأداء دور الملاذ الآمن. في المقابل، تواجه فرنسا مزيجاً أصعب من ضعف النمو وارتفاع العجز والدين، بينما يجعل الدين العام المرتفع جداً في إيطاليا الأسواق شديدة الحساسية لأي تراجع في الثقة بالسياسة المالية أو زيادة في تكاليف الاقتراض.

وقد يؤدي ذلك إلى حلقة مفرغة ضارة. فارتفاع عوائد السندات الحكومية يزيد تكلفة خدمة الدين، ما يجعل خفض العجز أكثر صعوبة. وإذا حاولت الحكومات إصلاح أوضاعها المالية عبر تخفيضات كبيرة في الإنفاق أو زيادات ضريبية، فقد يضعف النمو وتتراجع الإيرادات الحكومية، فتزداد صعوبة السيطرة على الدين.

ماذا يعني ذلك للأسهم الأوروبية؟
تضم المؤشرات الأوروبية شركات عالمية كثيرة تعتمد أرباحها على الطلب العالمي أكثر من اعتمادها على نمو الاقتصاد الأوروبي المحلي. وهذا يساعد في تفسير صمود الأسهم الأوروبية نسبياً رغم تدهور أوضاع الديون الحكومية. كما توجد قطاعات تستفيد مباشرة من البيئة الحالية، وفي مقدمتها البنوك. وتواصل شركات الدفاع والبنية التحتية الاستفادة من الزيادة طويلة الأجل في الإنفاق الحكومي، فيما تحظى بعض الصناعات الأوروبية بدعم من الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والتحول الكهربائي وسلاسل الإمداد.
لكن هذه العوامل الإيجابية تتزامن بصورة متزايدة مع ارتفاع تكاليف التمويل وتصاعد المخاطر المرتبطة بكل دولة. وقد تصبح الشركات المعتمدة على الطلب المحلي أكثر عرضة للضغوط، ولا سيما في العقارات والإنشاءات والسلع والخدمات غير الأساسية، وكذلك الشركات ذات المديونية المرتفعة، إذا ظلت عوائد السندات مرتفعة وتشددت شروط الإقراض.

مع ذلك، تتمتع أوروبا بميزة مهمة مقارنة بالولايات المتحدة، وهي أن توقعات المستثمرين تجاهها أقل. فقد ارتفعت تقييمات الأسهم الأميركية بفضل نمو استثنائي في الأرباح والحماس المحيط بالذكاء الاصطناعي، بينما لا تزال الأسواق الأوروبية تتداول بتقييمات أقل بفارق واضح. وهذا يمنح أوروبا مساحة أكبر نسبياً لاستيعاب الأخبار الاقتصادية المخيبة للآمال، من دون أن تضطر أسعار الأسهم إلى تراجع مماثل في مضاعفات التقييم.

لكن انخفاض التقييمات وحده لا يكفي لدفع الأسواق إلى الصعود. ولكي يتراجع هذا الخصم بصورة مستدامة، يحتاج المستثمرون إلى أدلة على قدرة أوروبا على رفع الإنتاجية، وتعزيز الاستقرار السياسي، وتمويل استثماراتها الاستراتيجية من دون ضغوط مالية مستمرة. واتساع الفوارق بين عوائد السندات الحكومية يضعف هذه الرؤية، لأنه يرفع تكلفة التمويل في الوقت الذي تحتاج فيه أوروبا إلى مزيد من الاستثمار.

سوق أوروبية تتطلب انتقاءً أكبر
بوجه عام، أصبحت فرص الأسهم الأوروبية أكثر تفاوتاً، ما يتطلب من المستثمرين انتقاء الأسواق والقطاعات بعناية. فتحسن التصنيع والقدرة المالية في ألمانيا يخلقان بيئة استثمار تختلف عن فرنسا، التي تجمع بين ضعف النمو وعدم اليقين المالي. أما اقتصادات جنوب أوروبا فلديها مسارات نمو مختلفة، فيما تظل الشركات ذات النشاط العالمي أقل ارتباطاً بالأوضاع المحلية من الشركات التي تركز أعمالها داخل بلدانها. وقد يصبح اختلاف أداء القطاعات مهماً بالقدر نفسه؛ إذ تستفيد البنوك وشركات الدفاع والبنية التحتية وبعض الشركات الصناعية من عوامل دعم طويلة الأجل، بينما تواجه الشركات ذات المديونية المرتفعة ضغوطاً أكبر.

وهناك أيضاً سيناريو إيجابي محتمل. فقد تراجعت أسعار النفط كثيراً عن مستوياتها المرتفعة في سبتمبر مع تقدم المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. وإذا استمرت أسعار الطاقة في الانخفاض، فقد يتراجع التضخم بوتيرة أسرع، ما يخفف الضغوط على البنك المركزي الأوروبي لمواصلة رفع الفائدة ويعزز القدرة الشرائية للأسر. ومن شأن اجتماع هذين العاملين أن يحسن توقعات النمو في أوروبا بدرجة ملموسة.

الرابط المختصر

search