الأربعاء، 21 يناير 2026

12:05 م

محمد مطش يكتب: الصديق قطعة من الروح في جسد آخر

الأربعاء، 21 يناير 2026 10:12 ص

محمد مطش

الكاتب محمد مطش

الكاتب محمد مطش

تعد الصداقة واحدة من أعمق العلاقات الإنسانية وأكثرها تأثيرًا في وجدان الفرد وسلوكه، فهي ليست مجرد ارتباط عابر أو علاقة اجتماعية عادية، بل هي بناء متين يقوم على التفاهم والثقة والدعم المتبادل. 

ويُجمع الفلاسفة والمفكرون على أن الإنسان كائن اجتماعي لا يكتمل إلا بوجود الآخر، والصديق يمثل هذا “الآخر” الذي يمنح للحياة مذاق خاص ويضفي عليها أسمي وأنبل المعاني.
فالصديق هو الشخص الذي نرتاح لوجوده، ونشعر معه بالأمان دون حاجة إلى تكلّف أو خشية من حكم أو نقد جائر، هو الفرد الذي نكشف له خبايا أنفسنا دون خوف، نشاركه أفراحنا ونبوح له بآلامنا ونلقى عنده ظهرًا نتكئ عليه وقت الشدة. 

لأن الصديق الحقيقي ليس ذلك الذي يرافقنا في ساعات الفرح والنجاح فقط، بل الذي يظل ثابتًا إلى جوارنا حين تتقلب الحياة وترهقنا الأيام.
وللصديق دور كبير في تشكيل شخصية الإنسان وتوجيه مسار حياته، لأن الصديق الجيد يمنح صاحبه طاقة إيجابية تُعينه على مواجهة ضغوط الحياة، وتساعده على اتخاذ القرارات الصائبة، وتزيد ثقته بنفسه. 

وبعض الأبحاث النفسية تشير إلى أن وجود صديق مقرّب يزيد من الصحة النفسية ويحمي من الطاقة السلبية ومن الشعور بالعزلة. 

ووجود صديق يعني وجود مَن يسمع دون ضجر، ويواسي دون تكلّف، ويقف دون انتظار مقابل. 

كما أن الصداقة تُعتبر قوة اجتماعية تجعل الفرد أكثر انخراطًا في محيطه وأكثر قدرة على التفاعل مع الآخرين، وفي كثير من الأحيان، تكون الصداقة هي السبب في تجاوز أزمات كبرى كانت كفيلة بإسقاط صاحبها لولا وجود رفيق مخلص.


ولكي تكون الصداقة قوية وقادرة على الصمود أمام تحديات الزمن، يجب أن تقوم على مجموعة من الأسس، أبرزها الثقة بين الطرفين لأنها حجر الأساس في أي علاقة ناجحة، الصدق أيضا امر هام لأنه لا صداقة مع الكذب، كذلك الاحترام المتبادل لأن احترام خصوصية الصديق ومشاعره واختلافاته يساعد على استمرار العلاقة، أيضا الدعم والمساندة و التقدير وعدم الاستغلال وأخيرا التواصل الدائم ولو بأبسط الطرق لأن كل هذه الأسس تجعل الصداقة أكثر مرونة وقدرة على الاحتمال والاستمرار مهما تغيرت الظروف وتبدلت الأحوال.


ويأتي الى الذهن السؤال القديم المتجدد هل نصنع أصدقاءنا أم تصنعهم لنا الحياة؟ الحقيقة أن الصداقة غالبًا ما تكون مزيجًا بين الاثنين، فهناك أصدقاء نلتقيهم بالصدفة في طريق المدرسة أو العمل أو الحياة اليومية، وتجمعنا بهم ظروف معينة، لكن اختيار الاستمرار معهم والتمسك بعلاقتنا بهم هو قرار نابع من داخلنا. كما ان القدر قد يضع أشخاصًا في طريقنا، لكن قلب الإنسان هو من يقرر من يستحق لقب “الصديق”. 

ومن هنا يمكن القول إن الظروف تُقدّم لنا الاحتمالات، بينما نحدد نحن الاختيارات.
وبما ان الصداقة هي علاقة وثيقة بين طرفين فان وجود علاقة حميمية يكون لها انعكاساتها الملموسة على الفرد وتظهر هذه الدلالات في عدة صور منها الدعم النفسي والمعنوي، التحفيز والتشجيع، الحماية من الوحدة وأيضا النضج العاطفي والفكري. 

وعلى الجانب الآخر فان غياب الصديق يترك فراغًا داخليًا ينعكس سلبًا على الاتزان النفسي، حيث يشعر الفرد بالعزلة ويصبح أكثر عرضة للتوتر والقلق. 

كما أن انعدام وجود صديق حقيقي قد يجعل الإنسان أكثر انغلاقًا على نفسه، وربما يفقد القدرة على بناء علاقات عميقة مع الآخرين، الأمر الذي يؤثر على توازنه الاجتماعي.
ولذلك فان انتهاء الصداقة أمر مؤلم لكنه واقع يحدث لأسباب عدة منها الخيانة أو فقدان الثقة، الأنانية أو الاستغلال، سوء الفهم المتكرر، تغير القيم أو الاتجاهات، وكذلك التدخل الزائد في الحياة الخاصة ورغم مرارة الفقد، يبقى من المهم أن نتعلم من التجربة وألا نغلق أبواب قلوبنا أمام تكوين صداقات جديدة.


واخيراً يمكن القول إن الصداقة ليست مجرد علاقة، بل هي كنز لا يُقدر بثمن، ووجود صديق مخلص هو نعمة لا يشعر بقيمتها إلا من فقدها. 

فالصداقة توازن الروح، وتُعيد للإنسان طمأنينته وسط ضجيج الحياة، وحين تغيب، يختل ميزان النفس ويشعر الفرد بأنه يسير بلا سند في دروب الأيام، فينعكس ذلك على سلوكه ومجتمعه بأسره.
فلنحافظ على أصدقائنا، ولنمنح هذه العلاقة الإنسانية العميقة ما تستحقه من وفاء واهتمام. فالصديق ليس فقط من نرافقه… بل من يسكن في قلوبنا ويترك أثرًا عميقًا لا يمحوه الزمن.

الرابط المختصر

search