عماد رجب يكتب: مصر في أفريقيا، تكامل وشراكة تاريخية موثوقة
السبت، 24 يناير 2026 09:24 ص
عماد رجب
عماد رجب
في عام 2008، كتبت مقالاً بعنوان "باراك أوباما وحلم الاستعمار في أفريقيا"، تناولت فيه الصراع الاقتصادي والسياسي بين القوى العظمى على موارد القارة، التي ذاقت مرارة الاستعمار والاستغلال والتمييز. وأدركت كثير من دولها أن مصر هي الصديق الحقيقي وقت الأزمات والشريك المؤتمن على المستقبل.
أفريقيا لم تكن يوماً مجرد مساحة جغرافية على هامش السياسة المصرية، بل شكلت عبر التاريخ عمقاً استراتيجياً وامتداداً طبيعياً لمصر، وسجلت القاهرة مواقف دعم ملموسة لمقاومة الاستعمار وحركات التحرر. نعم تراجع هذا الحضور نسبياً في فترات سابقة، قبل أن تعود مصر بقوة إلى محيطها الأفريقي مع تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي رئاسة الجمهورية، في خطوة واعية بحجم التحديات الإقليمية والدولية، ومدركة أهمية القارة كركيزة أساسية للاستقرار والتنمية.
فلا يمكن فهم هذه العودة بعيداً عن الجذور التاريخية العميقة؛ فالعلاقات بين مصر وأجزاء واسعة من أفريقيا تعود لآلاف السنين، تشمل التجارة والمصاهرة والعقائد المشتركة، ما منح الشراكة بعداً حضارياً وروحياً يتجاوز الحسابات السياسية والاقتصادية الضيقة.
وعلى امتداد القرن العشرين، لعبت مصر دوراً محورياً في دعم حركات التحرر الوطني الأفريقية، وتحولت القاهرة إلى مركز سياسي وإنساني لرموز الكفاح ضد الاستعمار. ولم يكن هذا الدور نظرياً، بل تجسد في دعم القادة والشعوب، مثل باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء منتخب في الكونغو، إذ احتضنت مصر قضيته وقدمت الدعم الكامل لأسرته بعد اغتياله، وظلت ذكراه حاضرة في الوجدان الأفريقي.
ومع بداية العقد الثاني في القرن الحادي والعشرين، أدركت القيادة المصرية أن استقرار الدول الأفريقية جزء لا يتجزأ من الأمن القومي، وأن أي فراغ داخلي سريعاً ما تملؤه قوى خارجية لا تراعي مصالح شعوب القارة.
ومن هنا، أعادت مصر بناء حضورها على أسس الشراكة والتعاون، بعيداً عن الوصاية أو الهيمنة التي فرضتها القوى الكبرى، كما ظهر بوضوح في إدارة أزمة سد النهضة عبر مسارات قانونية وفنية، مع التمسك بالحلول السلمية وخطاب أفريقي يحترم السيادة ويصون الحقوق التاريخية لمصر.
وفي العقد الأخير، تجسد هذا النهج في طفرة اقتصادية ملموسة، إذ ارتفع حجم التبادل التجاري من 4.4 مليار دولار قبل عقد إلى ما يقارب 10 مليارات دولار حالياً، مع طموح لمضاعفة هذا الرقم خلال سنوات قليلة. كما برزت مشروعات إنسانية وطبية مثل مركز مصر رواندا للقلب، إلى جانب مشروعات المياه وحفر الآبار في دول عدة، في انعكاس لرؤية مصر في بناء القدرات وتحسين حياة المواطن الأفريقي، لا مجرد تقديم مساعدات عابرة.
وأدركت أفريقيا، التي ذاقت الاستعمار والاستغلال والتمييز، أن مصر هي الصديق الحقيقي وقت الأزمات، والشريك المؤتمن على المستقبل. كما بدأت تدرك أن الكثير من القوى الكبرى لا تريد لها إلا الاستغلال وسرقة ثرواتها، بعكس دور مصر القائم على التكامل واحترام إرادة الشعوب وثرواتها، ودعم التنمية دون فرض نماذج خارجية.
ومن هنا يبرز السؤال: ماذا تريد مصر من أفريقيا، وماذا تريد أفريقيا من مصر؟ من وجهة نظري تريد مصر من أفريقيا عمقاً استراتيجياً مستقراً، يحمي الأمن القومي لكل منهما، ويؤمن منابعها الحيوية، ويمنحها منصة سياسية فاعلة داخل النظام الدولي، وسوقاً مشتركة للنمو والاستثمار، وشريكاً في مشروعات التكامل القاري، لا ساحة تنافس أو صراع نفوذ.
وفي المقابل، تريد أفريقيا من مصر شريكاً خبيراً يمتلك إمكانيات علمية وفنية واسعة في مجالات عدة، لا سيما الطاقة والزراعة والغذاء والطب والدواء وجميعها لا غني عنها، وينقل المعرفة ويبني القدرات، ويتحدث باسم القارة بصوت عقلاني ومتزن، وحاضراً في دعم السلم وتسوية النزاعات، وناصحاً أميناً لا مستغلاً.
إن عودة مصر إلى أفريقيا ليست مجرد استعادة لدور تاريخي، بل تطوير لمسار لم ينقطع، يجمع بين ذاكرة التحرر القديمة ورؤية تنموية حديثة، قائمة على المصالح المتبادلة والشراكة طويلة المدى، مع إدراك أن قوة مصر من قوة أفريقيا، وأن ضعف القارة لا يمكن فصله عن مستقبل الدولة المصرية. وتمضي القاهرة بثبات نحو أفريقيا، لا كقوة عابرة، بل كشريك أصيل في صياغة مستقبل القارة، مستندة إلى تاريخ من التضامن، وحاضر من الشراكة، ومستقبل من التكامل.
مقالات أخرى للكاتب
عماد رجب يكتب: هل كلفة عملية اختطاف رئيس فنزويلا هزيلة حقا؟
عماد رجب يكتب: الخلطة السرية لهدم مجتمعات الحضارات العظيمة
عماد رجب يكتب: كيف غيّرت أمريكا ملامح الاقتصاد العالمي ودمّرت البيوت قبل الدول
سعد القاضي.. إذاعيٌّ كبير جعل للكلمة ضميرًا وللضوء منفذًا إلى القلب
عماد رجب يكتب : بعد سقوط الأسد: هل يعيد التاريخ سيناريو أفغانستان؟
الرابط المختصر
آخبار تهمك
تخصيص 69 فدانًا غرب بورسعيد لإنشاء محطات لتحلية مياه البحر
28 أكتوبر 2026 10:26 ص
وزير الزراعة يعلن تخفيض 50% على الميكنة الزراعية لدعم صغار مزارعي القمح
28 أكتوبر 2026 10:26 ص
الإسكان الاجتماعي يطرح 20 ألف وحدة سكنية بمساحة 90 مترًا.. تفاصيل المشروع الجديد
28 أكتوبر 2026 07:30 ص
بنك CIB يعلن توقف الخدمات المصرفية مؤقتًا بسبب التوقيت الشتوي.. اعرف التفاصيل
27 أكتوبر 2026 07:09 م
سعر الذهب اليوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026.. عيار 21 يرتفع 65 جنيهًا
27 أكتوبر 2026 06:51 م
وزير التموين يتوجه إلى موسكو لبحث فرص جديدة لتوفير السلع الغذائية
27 أكتوبر 2026 06:43 م
الأكثر قراءة
-
الدكتورة منة الله المشيرفي تكتب: حين تنتهي المحبة، ماذا يبقى من الأمانة؟
-
الدفاع المدني السعودي يطلق الإنذار المبكر في المنطقة الشرقية
-
هاني مصطفي يكتب: مدد .. يا سيدة !
-
شبانة يهاجم لجنة الحكام بعد تجاهل لقطات القمة: الزمالك أرعب اللجنة.. وأنا مصدوم من موقفها
-
خالد الغندور: أكرم توفيق جاهز لمواجهة مودرن سبورت في الدوري الممتاز
-
الأهلي أمام اختبار صعب.. هل يستغل مواجهة مودرن سبورت لإشعال صراع القمة؟
-
73 هدفًا وراء الكرة الذهبية.. كيف صنع هاري كين موسمه التاريخي؟
-
خاص | فرصة أخيرة لبدلاء بيراميدز.. وموكوينا يحسم مصير الراحلين في يناير
-
شبانة يهاجم لجنة الحكام بعد تجاهل لقطات القمة: الزمالك أرعب اللجنة.. وأنا مصدوم من موقفها
-
خالد الغندور: أكرم توفيق جاهز لمواجهة مودرن سبورت في الدوري الممتاز
-
وزير الزراعة يعلن تخفيض 50% على الميكنة الزراعية لدعم صغار مزارعي القمح
-
شروط انتقال تلاميذ المرحلة الابتدائية للصف الأعلى.. تعرف على نسب الحضور المطلوبة
-
الإسكان الاجتماعي يطرح 20 ألف وحدة سكنية بمساحة 90 مترًا.. تفاصيل المشروع الجديد
-
معتمد جمال في حيرة قبل مباراة الزمالك والمقاولون العرب.. وموقف المدرب العام الأجنبي
-
الأهلي أمام اختبار صعب.. هل يستغل مواجهة مودرن سبورت لإشعال صراع القمة؟
أكثر الكلمات انتشاراً