الإثنين، 26 يناير 2026

09:17 م

د. أميمة منير جادو تكتب: شعرية الإدانة الأخلاقية في قصيدة زوبعة فم لـ شوكت البطوش

الإثنين، 26 يناير 2026 07:13 م

أميمة منير جادو

أميمة منير جادو

تندرج قصيدة «زوبعة فم» للشاعر الأردني شوكت البطوش ضمن شعر الموقف الأخلاقي–الاجتماعي، حيث يتقدّم الصوت الشعري بوصفه شاهدًا غاضبًا على زمنٍ منكوس القيم، تتهاوى فيه الكرامة، ويُكافأ الانتهاز، وتُقمع الحقيقة. النص قصير نسبيًا، لكنه مكثف دلاليًا، يعتمد على لغة مباشرة حادّة، وصور قائمة على التقابل بين ما يجب أن يكون وما آل إليه الواقع.

أولًا: العنوان ودلالته
يحمل العنوان «زوبعة فم» شحنة رمزية لافتة؛ فالزوبعة توحي بالضجيج والفوضى والاضطراب، والفم يحيل إلى القول والخطاب. وبذلك يشي العنوان منذ البداية بعالمٍ يعلو فيه الصخب اللفظي على الفعل، وتتحول الكلمة إلى أداة هدم أو نفاق، لا إلى حاملٍ للحقيقة. إنها زوبعة كلام، لا إعصار فعل.

ثانيًا: المحور القيمي والأخلاقي
يفتتح الشاعر قصيدته بحكمة تقريرية ذات نبرة يقينية:
ومن فقد الحياء ولم يصنه  فقد فقد الكرامة بالأكيد
الحياء هنا ليس قيمة سلوكية فردية فحسب، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه الكرامة الإنسانية. فقدُ الحياء يساوي فقدَ الكرامة، في معادلة أخلاقية صارمة لا تقبل المساومة. هذا المطلع يؤسس للقصيدة بوصفها محاكمة أخلاقية لعصرٍ كامل.

ثالثًا: الصورة الشعرية وبناء المشهد
يعتمد البطوش على صور قائمة على القحط واليباس والمرض، لتجسيد الخراب الداخلي:
وجوهٌ مثل صحراءٍ وقحطٍ  بلا ماءٍ وقفرٍ في الوريد
الوجه – بوصفه مرآة الداخل – يتحول إلى صحراء، والوريد نفسه يصير قفرًا، في دلالة على موت القيم في العمق، لا على السطح فقط. إنها صورة تُجسّد الجفاف الروحي والأخلاقي، لا الفقر المادي وحده.

رابعًا: الكرامة في مواجهة الفتات
يطرح الشاعر موقفًا أخلاقيًا حاسمًا من العيش المذل:
وإن فتات عيشٍ فيه قولًا  بعزة نفسه عن ليّ جيد
يفضّل الشاعر الفتات المصحوب بعزة النفس على العيش الرغيد المشروط بالانكسار. هنا تتجلى فلسفة القصيدة: القيمة ليست في الكم، بل في الكيف الأخلاقي للعيش.

خامسًا: الإدانة التاريخية والزمن المنكوس
ينتقل النص من توصيف الحالة إلى لعن الزمن:
لحاه الله من زمنٍ قميءٍ  تسيّد فيه أصلاب العبيد
الزمن «قميء» (وضيع)، والمفارقة الصادمة أن السيادة آلت إلى من يحملون عقلية العبودية، لا الأحرار. إنها إدانة سياسية–اجتماعية غير مباشرة، تُفصح عن خلل بنيوي في منظومة السلطة والقيم.

سادسًا: الحق المبتور والإنسان المقيّد
تبلغ المأساة ذروتها في صورة الحق المشوّه:
وجاء الحق مبتور الأيادي  وسيق الناس في قيد الحديد
الحق هنا لا يُقتل، بل يُعاق ويُشلّ، في حين يُساق الناس مقيدين. الصورة تجمع بين العجز والقهر، وتكثف مأساة الجمع بين حقيقة عاجزة وإنسان مسلوب الإرادة.

سابعًا: التناص والدلالة الدينية
يستثمر الشاعر التناص القرآني بذكاء في قوله:
ويفغر فاهه: هل من مزيد؟
وهي إحالة واضحة إلى قوله تعالى:  ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ (سورة ق).  لكن التناص هنا مقلوب الدلالة؛ فالطمع البشري يحاكي جشع النار، في مفارقة تُدين النزوع الاستهلاكي والنهب الأخلاقي بلا شبع.

ثامنًا: الجمر تحت الجليد – أفق المقاومة
تُختتم القصيدة بصورة ذات طابع إنذاري:
ولو بلغ الزبى في باب أمرٍ  لثار الجمر من تحت الجليد
رغم القهر، لا ينفي الشاعر إمكانية الانفجار. الجمر الكامن يرمز إلى الوعي الجمعي المؤجل، وإلى أن الصمت ليس موتًا، بل كمونًا.

خاتمة
تقدم قصيدة «زوبعة فم» نموذجًا لشعر الإدانة الأخلاقية الصريح، الذي لا يراوغ لغويًا ولا يتخفف من نبرته الغاضبة. لغتها واضحة، صورها حادة، ورؤيتها قائمة على ثنائية الكرامة/الانكسار، الحق/التزييف. وهي قصيدة تنتمي إلى تقليد شعري عربي يرى في الشعر ضميرًا جمعيًا، لا مجرد لعبة جمالية.
إنها قصيدة تقول:  حين يفقد القول حياءه، تتحول اللغة نفسها إلى زوبعة…  لكن الجمر، مهما غُطّي، لا يموت.
-----
نص القصيدة
للشاعر الاردني شوكت البطوش

زوبعة فم...
ومن فَقَدَ الحياءَ ولمْ يَصُنْهُ..  فَقَدْ فَقَدَ الكرامةَ بالأكيدِ
وجـوهٌ مثل صحراءٍ وقحطٍ...  بلا ماءٍ وقفرٍ في الوريد
وإن فُتات عيشٍ فيه قولًا .. بعزةِ نفسهِ عن لَيِّ جيدِ
لحاهُ اللّٰهُ من زَمنٍ قميءٍ...  تَسَيَّدَ فيهِ أصلابُ العَبيدِ
وَ جاءَ الحقُّ مَبْتور الأيادي...  وَ سيقَ الناس في قَيْدِ الحَديدِ
وترتشف الحُثالة من بطونٍ...  بها جرحٌ تآكلَ بالصديدِ
ويسطو مَنْ تَظنّ الخيرَ فيه...  ويفغرُ فاههُ : هل من مزيدِ؟
ولو بلغ الزبا في بابِ أمرٍ ... لثار الجمرُ من تحت الجليدِ  .
------
**منشورة على صفحته الفيس
في 26 يناير 2026

  • باحث أكاديمي وعضو اتحاد كتاب مصر

الرابط المختصر

search