الجمعة، 20 فبراير 2026

09:10 م

المسحراتي… بين التراث الحي وصوت الإذاعة وفن سيد مكاوي وفؤاد حداد

الجمعة، 20 فبراير 2026 07:56 م

المسحراتي

المسحراتي

يظل المسحراتي رمزًا خالدًا لشهر رمضان، رجل يجوب الأزقة قبل الفجر، يدق الطبول أو يعزف على المزمار، مناديًا الناس للاستيقاظ لتناول السحور، قبل أن يرفع أذان الإمساك. 

المسحراتي

هذه الشخصية ليست مجرد عادة شعبية، بل جزء من التراث الثقافي الذي يربط الماضي بالحاضر، ويمنح الشهر الكريم نكهة اجتماعية وروحية خاصة.

 

قد يهمك: مدفع رمضان.. صوت إفطار رمضان الذي ربط المصريين بعاداتهم الرمضانية

فانوس رمضان… رمز مصري عاش عبر القرون من نسمات التاريخ إلى أضواء الشوارع

 

جذور المسحراتي في العصور القديمة

تعود جذور المسحراتي إلى ما قبل العصور الإسلامية، حيث كان البشر في المجتمعات القديمة يعتمدون على طرق متعددة لإيقاظ الناس عند الشروق أو بداية الصيام والطقوس الدينية. في شبه الجزيرة العربية، كانت هناك فرق موسيقية صغيرة أو رجال يقرعون الطبول ليوقظوا سكان القرى قبل طلوع الشمس.

المسحراتي

مع ظهور الإسلام، ارتبط المسحراتي بالطقوس الدينية، فقد كان الصحابي بلال بن رباح ينادي للسحور في مكة، ويليه عبدالله بن أم مكتوم عند قرب وقت الإمساك. في العصور العباسية والفاطمية، بدأ الحكام بتعيين أفراد رسميين لإيقاظ الناس قبل الفجر، مستخدمين الطبول والمزامير، لتغطي الشوارع الكبيرة، وهو ما رسخ المهنة وتطور عبر القرون لتأخذ طابعها التقليدي الذي عرفناه في مصر وسائر البلدان العربية.

إقرأ المزيد

طقوس وعادات رمضان في مصر بين الزينة والمسحراتي ومدفع الإفطار ومراسم الرؤية الشرعية

استطلاع هلال شهر رمضان والإعلان عن بدايته في مصر بداية القرن العشرين

في مصر، يرجع ظهور المسحراتي كما نعرفه اليوم إلى عهد السلطان الفاطمي الحاكم بأمر الله، حيث كان يعين جنوده للمرور على المنازل بعد صلاة التراويح لضمان استيقاظ المواطنين للسحور، مستخدمين الطبول والدفوف لإيقاظ الجميع في وقت واحد، بدلًا من طرق أبواب كل منزل على حدة.

 

 

المسحراتي سيد مكاوي وفؤاد حداد 

من الأزقة إلى الأثير… بداية البث الفني

مع انتشار الإذاعة في منتصف القرن العشرين، تحولت مهنة المسحراتي من عادة شعبية إلى عمل فني يُبث عبر الأثير، فدخل إلى البيوت المصرية والعربية صوت المسحراتي بشكل مسجل، ليصبح روتينًا يوميًا في رمضان. وهنا برز دور الشيخ سيد مكاوي، الذي سجّل نصوص المسحراتي بصوته المميز، فجمع بين الأداء الصوتي الشعبي والإيقاع الموسيقي، محوّلًا المهنة التقليدية إلى فن مؤثر يصل إلى كل أسرة قبل أذان الفجر.

فؤاد حداد… شاعر الكلمة والروحانية

لولا كلمات الشاعر فؤاد حداد، لما اكتملت تجربة المسحراتي على الأثير. فقد كتب نصوصًا تمزج بين البساطة الشعبية وعمق المعاني الدينية والاجتماعية، مثل:

"يا نايم وحد الله… اذكر الله السحور"

"واصحى يا نايم… قول نويت بكره إن حييت الشهر صايم"

هذه الكلمات لم تكن مجرد عبارات للإيقاظ، بل رسائل روحانية تربط بين أفراد المجتمع وتُعيد للأحياء أجواء التلاحم الاجتماعي التي كانت قائمة منذ العصور القديمة.

الطابع الاجتماعي والاحتفالي

يبقى المسحراتي رمزًا للتجمع المجتمعي والذاكرة الرمضانية، إذ يحيي الشوارع بصوته وينقل المعنى الرمضاني بين الجيران، كما تعكس تسجيلات سيد مكاوي وكلمات فؤاد حداد روحانيات الشهر. وحتى مع انتشار التكنولوجيا الحديثة، لا يزال المسحراتي حاضرًا في القرى والأحياء الشعبية، ما يجعل الاحتفال برمضان أكثر دفئًا وألفة.

المسحراتي بين التراث والفن الحديث

تسجيلات المسحراتي على أثير الإذاعة لم تحفظ فقط صوت المهنة التقليدية، بل خلدت أيضًا الفن المصري الأصيل، الذي دمج بين الإيقاع الشعبي والكلمة الشعرية، وأصبح مرجعًا لكل الباحثين عن التراث الرمضاني. ومع التحولات الرقمية، انتقل المسحراتي أيضًا إلى المنصات الإلكترونية، ليظل حاضرًا في ذاكرة الشباب، رغم ابتعادهم عن الحارات القديمة.

 

المسحراتي

 

ختام… صوت يربط بين الماضي والحاضر

يبقى المسحراتي، سواء في الأزقة أو على أثير الإذاعة، درسًا حيًا في الحفاظ على التراث وتحويله إلى فن مؤثر. فهو يجمع بين الماضي والحاضر، بين الطقوس الشعبية والفن الإذاعي، ويظل صوت سيد مكاوي وكلمات فؤاد حداد دليلًا حيًا على أن رمضان أكثر من صيام؛ إنه تقاليد، ذكريات، وقيم اجتماعية وروحية تتجدد كل عام.

الرابط المختصر

search