الأحد، 03 مايو 2026

07:47 م

هشام عياد يكتب: رحلة سقوط المقال الصحفي من صناعة الوعي إلى فخ التسطيح

الأحد، 03 مايو 2026 06:18 م

هشام عياد

الكاتب هشام عياد

الكاتب هشام عياد

بينما كانت أعمدة هيكل وأنيس منصور ومصطفى أمين تمثل بوصلة توجيه للرأي العام العربي من المحيط إلى الخليج، يقف المقال الصحفي اليوم في مهب ريح السوشيال ميديا.
إننا لا نواجه أزمة في القراءة فحسب، بل نحن نشهد الآن تحولاً جذرياً في استراتيجيات العمل الإعلامي، حيث تراجعت الكلمة الرصينة لصالح المنشورات المقتضبة، وانحسرت اللغة العربية الفصحى أمام زحف لغة البوستات السطحية، 
مما يطرح بداخلنا تساؤلاً نحاول أن نجد له إجابة وإشكالية نبحث لها عن حل. 


وهي.. هل فقد المقال الصحفي قدرته على الصمود أمام عصر السرعة والتسطيح؟
تعتبر هذه الإشكالية من أعقد القضايا التي تواجه "صناعة الوعي" في وقتنا الراهن، فالتحول الذي حدث ليس مجرد انتقال من الورق إلى الشاشة، بل هو زلزال ضرب بنية التفكير والقراءة ذاتها.
​يمكن تحليل أسباب تراجع مقال الرأي وهيبة الكتابة الصحفية الرصينة من خلال غياب المشروع الفكري للكاتب نفسه؛ ف​كان لعمالقة مثل هيكل، وأنيس منصور، ومصطفى أمين سمة تميزهم، فلم تكن مقالاتهم مجرد رد فعل على حدث يومي، بل كانت جزءاً من رؤية متكاملة.
​ فعندما كان محمد حسنين هيكل يكتب مقال (بصراحة) كان وثيقة سياسية وتحليلاً استراتيجياً عميقاً.
أما ​أنيس منصور فبرع في أدب الحياة والفلسفة المبسطة التي تربط القارئ بالعالم.
ومن كان يقرأ ل​مصطفى أمين يعرف أنه كان يملك مدرسة "الإنسانيات" والاقتراب من نبض الشارع وهموم الناس البسيطة.


الآن تحول الكثير من الكتاب إلى معلقين على أحداث الساعة ويفتقرون للعمق المعرفي الذي يجعل المقال مرجعاً يُحتفظ به.


​قديماً، كان المقال هو المصدر الأول للتحليل، اليوم، تغيرت استراتيجيات العمل الصحفي لتلائم عصر السرعة وأصبح القارئ الحديث يعاني مما يسمى ​تفتت الانتباه  ويميل للعناوين الصادمة والمحتوى الذي لا يستغرق قراءته أكثر من دقيقة.


ونجد أن ​المنافسة مع الفيديو أو المحتوى المرئي مثل التيك توك سحب البساط من الكلمة المكتوبة، مما دفع المؤسسات الصحفية لتقزيم المقالات وتحويلها إلى رؤوس أقلام. 
لقد ​أدت منصات التواصل الاجتماعي إلى ما يمكن تسميته بديمقراطية الكتابة المزيفة ،حيث أصبح الجميع كُتاباً دون أدوات. 


​وانتشرت اللغة البيضاء الهجينة بين العامية والفصحى، مما أضعف الذائقة اللغوية لدى الأجيال الجديدة.


​فالسوشيال ميديا تعتمد على "البوست" المقتضب الذي يهدف لجمع "اللايكات"،
وهو عكس المقال الصحفي الذي يهدف للإقناع وبناء الرأي العام.
​وعندما يقرأ الشخص مئات المنشورات السطحية يومياً، فإنه يفقد بالتدريج القدرة النفسية على الصمود أمام مقال من ألف كلمة يحتاج لجهد ذهني.
​إن أحد أسباب عزوف الشباب عن قراءة المقال حالياً هو أن بعض الصحف لا تزال تستخدم لغة خشبية أو قوالب جامدة لم تتطور لتناسب روح العصر، بينما نجح عمالقة السبعينات والثمانينات في أن يكونوا "عصريين" بمقاييس زمنهم فمصطفى أمين مثلاً كان يكتب بلغة هي "السهل الممتنع" التي يفهمها المثقف والأمي على حد سواء.
أما المقال المعاصر فهو غالباً ما يكون إنشائياً أو وعظياً، بينما كان مقال هيكل مثلاً يعتمد على المعلومة والحقيقة والوثيقة. 

القارئ اليوم يبحث عن "المعلومة" وسط ركام الآراء، وعندما لا يجدها في المقال، يذهب للبحث عنها في مصادر أخرى أكثر مباشرة.
نحن نعيش عصر "المعلومة الوجبة" بدلاً من "المعرفة الوجبة". 
واستعادة هيبة المقال تتطلب كُتّاباً يجمعون بين عمق الفكر وأدوات العصر، ولغة تحترم ذكاء القارئ دون أن تنفصل عن واقعه، مع ضرورة إعادة الاعتبار للغة العربية كوعاء للفكر لا مجرد أداة للتواصل العابر.

الرابط المختصر

search