الخميس، 17 سبتمبر 2026

07:43 ص

عبد الوارث عسر.. «شيخ الفنانين» الذي بدأ من المسرح وخلد أدوار الأب في ذاكرة السينما

الخميس، 17 سبتمبر 2026 06:30 ص

عبد الوارث عسر

عبد الوارث عسر

تحل اليوم ذكرى ميلاد الفنان الكبير عبد الوارث عسر، أحد أبرز أعلام الفن المصري الذين استطاعوا أن يتركوا بصمة استثنائية في تاريخ السينما والمسرح، وأن يحفروا أسماءهم في ذاكرة الجمهور بفضل موهبتهم وقدرتهم على تجسيد مختلف الشخصيات بصدق وتلقائية.

وعلى مدار سنوات طويلة، قدم عبد الوارث عسر عشرات الأعمال الفنية التي تنوعت بين السينما والمسرح، واشتهر بقدرته على تقديم أدوار الأب والرجل البسيط والشخصيات الاجتماعية التي تحمل الكثير من التفاصيل الإنسانية، حتى ارتبط اسمه بلقب «شيخ الفنانين»، تقديرًا لمكانته وخبرته الفنية الطويلة.

نشأة عبد الوارث عسر

وُلد عبد الوارث عسر في 16 سبتمبر عام 1894 بمنطقة الدرب الأحمر في حي الجمالية بالقاهرة، ونشأ في أسرة تهتم بالعلم والثقافة، وكان والده الشيخ علي عسر محاميًا، كما كانت تجمعه علاقة صداقة بالزعيم سعد زغلول.

وكان عبد الوارث عسر يرغب في الالتحاق بمدرسة الحقوق والسير على خطى والده، إلا أنه تراجع عن هذه الفكرة بسبب رفضه التعامل مع السلطات الإنجليزية التي كانت تفرض سيطرتها على مصر في ذلك الوقت، لتتجه حياته بعد ذلك إلى عالم الفن الذي وجد فيه طريقه الحقيقي.

بدايته مع فرقة جورج أبيض

بدأ عبد الوارث عسر رحلته الفنية مبكرًا، ففي عام 1912 التحق بفرقة الفنان جورج أبيض، وشارك معها في مسرحية «الممثل كين»، وكان الفنان منسي فهمي من أبرز من ساهموا في تدريبه على فنون التمثيل.

وفي تلك المرحلة، اعتمدت الفرقة على أسلوب الأداء التمثيلي الكلاسيكي، إلا أن هذا الأسلوب لم يكن الأقرب إلى شخصية عبد الوارث عسر الفنية، فقرر الانتقال إلى مدرسة أخرى في الأداء، والتحق بفرقة عزيز عيد وفاطمة رشدي.

وهناك وجد مساحة أكبر لتقديم الشخصيات بصورة طبيعية وبعيدة عن المبالغة، وأصبح لاحقًا من رواد مدرسة الأداء الواقعي، كما التقى بالمخرج ومدير الفرقة عمرو وصفي، الذي ساعده في اكتشاف قدراته في تقديم شخصية الأب، وهي النوعية التي ارتبط بها اسمه فيما بعد.

«شيخ الفنانين» وصاحب مدرسة خاصة

لم يعتمد عبد الوارث عسر على الحضور والشكل فقط في تقديم شخصياته، وإنما كان يمتلك قدرة كبيرة على دراسة الشخصية وفهم تفاصيلها قبل تجسيدها، وهو ما منحه أسلوبًا خاصًا في الأداء.

وبرع بصورة خاصة في تجسيد شخصيات الآباء وكبار السن وأفراد الطبقة المتوسطة والبسطاء، وكان قادرًا على التعبير عن مشاعر الشخصية من خلال نبرة الصوت ونظرات العين وحركات الجسد، دون الحاجة إلى المبالغة في الأداء.

ومع مرور السنوات، أصبح وجوده في أي عمل فني إضافة مهمة، خاصة أن خبرته الطويلة جعلته قادرًا على التعامل مع أجيال مختلفة من الفنانين والمخرجين.

تكريمات تقديرًا لمسيرته

حظي عبد الوارث عسر خلال حياته بالعديد من مظاهر التكريم تقديرًا لعطائه الفني، فحصل على تكريم من الملك فاروق، كما نال وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى من الرئيس جمال عبد الناصر، إلى جانب حصوله على جائزة الدولة التقديرية.

كما حصل على وسام الفنون من الرئيس محمد أنور السادات، واستمر تكريم اسمه بعد رحيله، ومن أبرز مظاهر ذلك إصدار الدولة طابع بريد يحمل صورته واسمه، ليبقى حاضرًا في الذاكرة باعتباره أحد الأسماء المؤثرة في تاريخ الفن المصري.

حياته الأسرية

على الجانب الشخصي، تزوج عبد الوارث عسر من ابنة خالته، وأنجب منها ابنتين هما «اللوتس» و«هاتور»، واختار لهما اسمين من الحضارة المصرية القديمة.

ويرتبط اسم عبد الوارث عسر أيضًا بالفنان محمد التاجي، حفيده، الذي سار في طريق الفن وواصل حضور العائلة في الوسط الفني.

وكان عبد الوارث عسر شديد الارتباط بزوجته، وبعد وفاتها في 3 مايو 1979، دخل في حالة من الحزن الشديد، وتدهورت حالته الصحية، حتى نُقل إلى مستشفى المعادي للقوات المسلحة، وظل هناك لفترات طويلة.

رحيل عبد الوارث عسر

وفي 22 أبريل عام 1982، رحل عبد الوارث عسر عن عالمنا عن عمر ناهز 87 عامًا، بعد رحلة طويلة مع الفن امتدت لعقود، قدم خلالها أدوارًا متنوعة جعلته واحدًا من أصحاب البصمات المميزة في تاريخ التمثيل المصري.

ورغم مرور سنوات طويلة على رحيله، لا يزال اسم عبد الوارث عسر حاضرًا في ذاكرة السينما المصرية، سواء من خلال أعماله التي ما زالت تعرض أو عبر الأجيال الفنية التي تأثرت بمدرسته في الأداء.

لم يكن «شيخ الفنانين» مجرد ممثل يؤدي دوره أمام الكاميرا، وإنما كان صاحب تجربة فنية وإنسانية ثرية، استطاع من خلالها أن يحول الشخصيات البسيطة إلى نماذج نابضة بالحياة، وأن يجعل من التفاصيل الصغيرة في الأداء وسيلة للوصول إلى الجمهور.

ولهذا بقي عبد الوارث عسر واحدًا من الأسماء التي يصعب تجاوزها عند الحديث عن تاريخ التمثيل المصري، وظل إرثه الفني شاهدًا على مرحلة مهمة من مراحل تطور الأداء في السينما والمسرح، ليبقى اسمه حاضرًا بين كبار الفنانين الذين صنعوا ذاكرة الفن المصري.

الرابط المختصر

search