خطبة الجمعة القادمة لوزارة الاوقاف 23 أكتوبر 2026م ـ 11 جمادى الأولى 1448 هـ
الأحد، 18 أكتوبر 2026 01:59 م
خطبة الجمعة "أرشيفية"
حددت وزارة الأوقاف المصرية، موضوع خطبة الجمعة القادمة 23 أكتوبر 2026م الموافق 11 جمادى الأولى 1448 هـ، تحت عنوان “الذوق العام.. رُقِيُّ السلوك وجمالُ الأخلاق”، مشيرة إلى أن الهدف المراد توصيله من الخطبة، هو تعزيز الوعي بأهمية الذوق العام، وتجسيد لقيم الإسلام في احترام مشاعر الآخرين ومراعاة حقوقهم وخصوصياتهم، وسعيًا إلى بناء مجتمع راق تسوده المودة والاحترام، ويعبِّر عن أصالته وصدق انتمائه لوطنه.
ونشرت وزارة الأوقاف المصرية على موقعها الرسمي الإصدار السابع والسبعون من سلسلة زاد الأئمة والخطباء بعنوان “الذوق العام.. رُقِيُّ السلوك وجمالُ الأخلاق” ليستفيد منه الأئمة والخطباء في خطبتهم القادمة كالتالي:
نص الخطبة الأولى
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه واتبع هداه، أما بعد:
فإنَّ الإسلامَ دينٌ متكاملٌ، لم يقتصر على تنظيم علاقة الإنسان بربه من خلال الشعائر والعبادات، بل امتدَّ ليهذِّب أخلاقه، ويضبط سلوكه، وينظِّم علاقته بالناس والحياة من حوله، فكما اعتنى بالأصول الكبرى والقضايا العظيمة، لم يُغفل دقائق التصرفات وتفاصيل الحياة اليومية، وجعل للكلمة آدابًا، وللطريق حقوقًا، وللزيارة أصولًا، وللمجالس حرمةً، وللتعامل مع الآخرين ضوابطَ تحفظ كرامتهم وتصون مشاعرهم، ومن هنا تتجلَّى عظمة هذا الدين في أنه لا يفصل العبادة عن الأخلاق، ولا يجعل التدين حبيس الشعائر، بل يترجم الإيمان إلى سلوك يراه الناس في نظافة الإنسان، وحسن مظهره، وطيب حديثه، واحترامه للخصوصيات، وحرصه على ألا يؤذي أحدًا بقول أو فعل، وفي هذا الإطار يأتي الذوق العام بوصفه مظهرًا من مظاهر اكتمال التربية الإسلامية، وصورةً عمليةً لحسن الخلق.
الذوق العام ثمرة حسن الخلق وكمال الإيمان
الذوق العام هو انعكاس لما استقر في نفس الإنسان من قيم الإيمان ومكارم الأخلاق؛ فحسن الخلق الذي أثنى الله به على نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیم} [القلم: ٤]، هو المنهج الذي ينبغي أن يهتدي به المسلم في تعامله مع الناس، فيحفظ كرامتهم، ويراعي مشاعرهم، ويعاملهم بما يحب أن يعاملوه به، وقد جعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حسن الخلق من علامات الخيرية، فقال: «إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا» [رواه البخاري].
قال القسطَلّاني: "حسن الخلق احتياز الفضائل واجتناب الرذائل" [إرشاد الساري].
ومن هنا، فإن الوعي بالذوق العام يبدأ من تربية النفس على الأدب والتواضع والرحمة، حتى يصبح السلوك المهذب طبيعةً راسخةً لا تكلُّفًا عابرًا، ويغدو احترام الآخرين تعبيرًا صادقًا عن إيمان صاحبه ونبل معدنه.
تهذيب الكلام واحترام مشاعر الآخرين
الكلمة مرآة النفس، وبها يكشف الإنسان عن رقي فكره ونقاء قلبه؛ فقد وجّه القرآن الكريم إلى القول الحسن في قوله تعالى: {وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسۡنا} [البقرة: ٨٣]، وقال تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِی یَقُولُوا۟ ٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّیۡطَٰنَ یَنزَغُ بَیۡنَهُمۡۚ} [الإسراء: ٥٣].
وكما وجّه القرآن وجّه الهدي النبوي إلى الكلمة الطيبة والقول الحسن، فعن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» [رواه البخاري].
وعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَأُحِبُّ الفَأْلَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الفَأْلُ؟ قَالَ: «الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ» [رواه الترمذي].
وجعل الشارعُ الحكيم السخرية والتنابز بالألقاب مما يتنافى مع أخلاق المؤمنين، فقال سبحانه: {لَا یَسۡخَرۡ قَوۡم مِّن قَوۡمٍ} [الحجرات: ١١].
بل قال تعالى عن صفات عباد الرحمن: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَٰما} [الفرقان: ٦٣] قال الفُضَيل بن عياض: "إِن جُهِلَ عَلَيهِ حَلُمَ، وَإِن أُسِيءَ إِلَيهِ أَحسَنَ، وَإِن حُرِمَ أَعطَى، وَإِن قُطِعَ وَصَلَ" [مكارم الأخلاق للخرائطي]، وكلها خصال تشير إلى ضبط النفس، وصون كرامة الإنسان، ومراقبة الله تعالى، وهي لا محالة ثمرة أخلاق راسخة.
وعرَّف النبي صلى الله عليه وسلم المسلم بقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ» [رواه النسائي وأحمد].
قال علي بن سلطان المُلّا الهروي: («مِنْ لِسَانِهِ»: أي: بالشتم، واللعن، والغيبة، والبهتان، والنميمة، والسعي إلى السلطان، وغير ذلك، «وَيَدِهِ»: بالضرب، والقتل، والهدم، والدفع، والكتابة بالباطل، ونحوها، وخُصَّا؛ لأن أكثر الأذى بهما، أو أريد بهما مثلاً، فهي استصلاح، وطلب للسلامة) [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح].
وفي إخباره صلى الله عليه وسلم عن أمارات المؤمن الحق يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الفَاحِشِ وَلَا البَذِيءِ» [رواه الترمذي وأحمد].
وحسن الكلام كما يشمل اجتناب الألفاظ الفاحشة، يشمل كذلك اختيار العبارة اللائقة، ومراعاة المقام، والرفق عند النصيحة، والتماس الكلمات التي تصلح ولا تفسد، وتجمع ولا تفرق؛ ولهذا وضع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ميزانًا واضحًا للكلمة، فقال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» [متفق عليه].
قال شيخ الإسلام ابن حجر: "هذا من جوامع الكلم؛ لأن القول كله إما خير وإما شر، وإما آيل إلى أحدهما، فدخل في الخير كل مطلوب من الأقوال: فرضها، وندبها؛ فأذن فيه على اختلاف أنواعه، ودخل فيه ما يؤول إليه، وما عدا ذلك مما هو شر، أو يؤول إلى الشر، فأمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت" [فتح الباري].
فالذوق الرفيع أن يملك الإنسان لسانه عند الغضب، وألا يجعل اختلافه مع غيره ذريعةً إلى جرحه أو الانتقاص منه، وأن يدرك أن كلمةً طيبةً قد تترك في النفس أثرًا جميلًا، كما أن كلمةً قاسيةً قد تخلّف جرحًا لا تمحوه الاعتذارات بسهولة.
النظافة والمحافظة على الأماكن العامة
إن عناية الإسلام بالنظافة جزء من منظومة الآداب الإسلامية، وهي معلم من معالم الفطرة، فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أن عناية المرء بمظهره وهيئته ونظافته أمر من أمور الفطرة فقال صلى الله عليه وسلم: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ» [متفق عليه].
والنظافة مظهر من مظاهر احترام الإنسان لنفسه وللبيئة التي يعيش فيها وللناس الذين يشاركونه الانتفاع بها، وهي مسئولية مشتركة بين المجتمع، أناطها الإسلام بكل فرد، وحذر من الإفساد في الأرض فقال: {وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا} [الأعراف: ٥٦]، فلا يليق بالإنسان أن يستمتع بحديقة أو مرفق عام، ثم يترك وراءه المخلفات، فالمكان المشترك أمانة، والمحافظة عليه احترام لكل من ينتفع به، ومن صور المحافظة على الأماكن العامة:
إلقاء النفايات في الأماكن المخصصة لها، وعدم ترك بقايا الطعام والأكواب والأكياس في الشوارع والحدائق ووسائل المواصلات.
صيانة الممتلكات العامة، بعدم إتلاف المقاعد أو الأشجار أو أدوات الإنارة، أو الكتابة على الجدران وتشويه المرافق.
ترشيد استهلاك الموارد بالمحافظة على المياه والكهرباء، وعدم العبث بالصنابير أو مصادر الإنارة في المرافق العامة.
احترام جهود عمال النظافة بعدم مضاعفة أعبائهم، وتقدير عملهم، والتعامل معهم بأدب واحترام.
ترك المكان نظيفًا بعد الانتفاع به، سواء في الرحلات أو المناسبات أو الحدائق أو أماكن الانتظار.
المشاركة في المبادرات المجتمعية: كحملات النظافة والتشجير والتوعية البيئية، وتشجيع الأطفال والشباب على المحافظة على المرافق.
احترام حقوق الطريق وآداب التعامل
الطريق حق مشترك تتجلى عنده حقيقة احترام الإنسان لغيره؛ فقد أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه بحقوق الطريق؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟، قَالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ» [متفق عليه].
وفي هذا التوجيه النبوي تأصيل لمبدأ حضاري بالغ الأهمية، هو أن الانتفاع بالأماكن العامة لا ينفصل عن المسؤولية تجاه الآخرين.
وجعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إماطة الأذى عن الطريق شعبةً من شعب الإيمان، فقال: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» [رواه مسلم].
وأخبر صلى الله عليه وسلم عن مآل رجل سعى في رفع الأذى من طريق المسلمين بأنه في الجنة، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ، فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ» [رواه مسلم].
وهذا التوجيه النبوي يؤكد أن خدمة المجتمع لا تقتصر على الأعمال الكبيرة، بل قد تبدأ بفعل يسير يرفع به المرء أذًى عن المارة.
صور معاصرة لاحترام الطريق
احترام حق المرور وعدم التضييق على الآخرين، فمن الذوق العام ألا يحتل الإنسان الرصيف بما يعوق المارة، وألا يوقف مركبته في موضع يعرقل حركة الناس، وألا يقف في المداخل والمخارج أو أمام المنحدرات المخصصة للكراسي المتحركة، كما ينبغي احترام إشارات المرور وممرات المشاة، وإفساح المجال لسيارات الطوارئ، وتجنب استخدام الطريق بشكل يعرض الآخرين للخطر.
مراعاة الهدوء وعدم إزعاج الناس، فمن حق الناس أن يجدوا في الأماكن العامة قدرًا معقولًا من الراحة والسكينة؛ ولذلك ينبغي تجنب رفع الصوت بغير حاجة، وتشغيل المقاطع الصوتية بصوت يزعج المحيطين، واستخدام مكبرات الصوت دون مراعاة المكان والزمان، ولا سيما في المستشفيات ووسائل النقل والمناطق السكنية.
احترام النظام والدور، فالالتزام بالطوابير، واحترام أسبقية الحضور، وعدم اقتحام الصفوف أو استغلال النفوذ لتجاوز المنتظرين، كلها صور من العدالة وحسن المعاملة، ويزداد هذا الأدب أهمية في المستشفيات، ومكاتب الخدمات، ومحطات النقل، والمصالح الحكومية؛ حيث يضمن النظام حفظ الحقوق وتقليل النزاع.
صيانة الخصوصية والكرامة، فمن آداب التعامل عدم التحديق في الناس، أو السخرية من هيئاتهم، أو تصويرهم دون إذنهم في الأحوال التي تمس خصوصيتهم، أو نشر صورهم ومقاطعهم بقصد الإحراج أو التشهير، فالتقدم التقني لا يلغي حق الإنسان في الخصوصية، ولا يجعل وجوده في مكان عام إذنًا مفتوحًا بانتهاك كرامته.
احترام الفئات الأكثر احتياجًا إلى الرعاية، فمن علامات رقي المجتمع إفساح المجال لكبار السن، ومساعدة ذوي الهمم عند الحاجة بما يحفظ استقلالهم وكرامتهم، واحترام الأماكن المخصصة لهم، وعدم احتلال المقاعد المهيأة لاحتياجاتهم بغير حق، فحسن الخلق يتجلى بوضوح في مراعاة من يحتاج إلى مساعدة أو تيسير.
مراعاة الجيران
من أعمق معاني الذوق العام أن يدرك الإنسان أن حريته لا تعني أن يفرض صوته ورغبته ومزاجه على من حوله، وأن راحته الشخصية لا تبرر إزعاج الآخرين أو الاعتداء على سكينتهم، وقد أرشد القرآن الكريم إلى الاعتدال في رفع الصوت، فقال تعالى على لسان لقمان لابنه: {وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ} [لقمان: ١٩]، وجعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عدم إيذاء الجار من مقتضيات الإيمان، فقال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ» [متفق عليه].
وقال صلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ». قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» [رواه البخاري].
وهذه التوجيهات ترسخ أدبًا اجتماعيًّا يتجاوز خفض الصوت إلى مراعاة أحوال الناس وظروفهم؛ فلا يرفع المرء صوت مذياعه أو تلفازه بما يحرم جاره من الراحة، ولا يطلق الضوضاء في أوقات السكون، ولا يتعمد ما يسبب الإزعاج في البيوت أو أماكن العمل أو وسائل الانتقال، فالذوق الحقيقي أن يشعر الإنسان بمن حوله، وأن يراعي اختلاف أحوالهم، وأن يجعل من راحة الآخرين اعتبارًا حاضرًا في تصرفاته، فلا يستمتع بما يؤلمهم، ولا ينتفع بما يضيق عليهم.
العناية بالملبس وحسن الهيئة
يدعو الإسلام إلى الجمال والنظافة وحسن الهيئة، ويربي الإنسان على أن يظهر في صورة لائقة من غير إسراف أو خيلاء؛ فقد قال تعالى: {یَٰبَنِیۤ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِینَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲ} [الأعراف: ٣١]، قال الشيخ محمد أبو زهرة: "معناه البسوا لباسا يكون فيه زينة وتجمل لكم" [زهرة التفاسير]، وقال الإمام الأكبر محمد سيد طنطاوي: "والمعنى: عليكم يا بنى آدم أن تتجملوا بما يستر عورتكم، وأن تتحلوا بلباس زينتكم كلما صليتم أو طُفتم" [الوسيط].
وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»، ثم بيّن أن الكبر ليس في مجرد حسن المظهر، وإنما في «بَطَرِ الْحَقِّ وَغَمْطِ النَّاسِ» [رواه مسلم]، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ»، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: "كُلْ مَا شِئْتَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ، مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ" [رواه البخاري].
قال شيخ الإسلام ابن حجر: "هذا الحديث جامع لفضائل تدبير الإنسان نفسه، وفيه تدبير مصالح النفس والجسد في الدنيا والآخرة، فإن السرف في كل شيء يضر بالجسد ويضر بالمعيشة فيؤدي إلى الإتلاف ويضر بالنفس إذ كانت تابعة للجسد في أكثر الأحوال، والمخيلة تضر بالنفس حيث تكسبها العُجب وتضر بالآخرة حيث تكسب الإثم، وبالدنيا حيث تكسب المقت من الناس".
وهكذا يضع الإسلام ميزانًا معتدلًا للجمال؛ فلا يدعو إلى إهمال الهيئة والنظافة باسم الزهد، ولا يجعل الاهتمام بالمظهر وسيلةً للتفاخر أو احتقار أصحاب الإمكانات المحدودة.
ومن مقتضيات الذوق العام: أن يراعي ملاءمة مظهره للمكان والمناسبة، وأن يتحلى بالحياء والوقار، مع احترام اختلاف أحوال الناس وعدم السخرية من هيئاتهم أو ملابسهم، فالمظهر المهذب عنوان للعناية بالنفس، لكن جمال الخُلُق يظل أرفع من جمال الصورة، والتواضع يضفي على حسن الهيئة قدرًا من النبل والقبول.
احترام الخصوصية والاستئذان وصيانة كرامة الإنسان
من دلائل رقي المجتمعات أن يعرف أفرادها الحدود التي لا يجوز تجاوزها في حياة الآخرين، وأن يدركوا أن لكل إنسان مساحةً من الخصوصية ينبغي احترامها وصيانتها، وقد شرع القرآن الكريم الاستئذان قبل دخول البيوت، فقال تعالى: {لَا تَدۡخُلُوا۟ بُیُوتًا غَیۡرَ بُیُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُوا۟ وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰۤ أَهۡلِهَاۚ} [النور: ٢٧]، وقال تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡیَسۡتَءۡذِنُوا۟ كَمَا ٱسۡتَءۡذَنَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ} [النور: ٥٩]، وحرّم التجسس فقال سبحانه: {وَلَا تَجَسَّسُوا۟} [الحجرات: ١٢].
وأكد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن الاستئذان شُرع من أجل البصر؛ أي صيانةً لخصوصية أهل البيوت وما لا يرغبون في اطلاع غيرهم عليه، وراعى ألّا يتحول طلب الإذن نفسه إلى مصدر إزعاج لصاحب البيت، فنهى عن الإلحاح الذي يوقعه في الحرج، وأرشد إلى الاكتفاء بثلاث مرات، ثم الانصراف إذا لم يحصل الإذن، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَلْيَرْجِعْ» [متفق عليه].
وهذه الأصول لا تقف عند حدود البيوت، بل تقدم أساسًا أخلاقيًّا للتعامل مع الخصوصية في الحياة المعاصرة؛ فينبغي ألا يتطفل المرء على شؤون غيره، أو يصورهم في أحوالهم الخاصة دون إذنهم، أو ينشر صورهم ومقاطعهم بما يحرجهم أو يسيء إليهم، فالذوق العام هو احترامٌ لحقوق الآخرين، وصيانةٌ لكرامتهم، وإدراكٌ بأن ما يستطيع المرء الوصول إليه أو تصويره لا يصبح حقًّا له لمجرد قدرته عليه.
نشر ثقافة الاحترام والتعاون والتيسير على الناس
لا يكتمل الذوق العام بمجرد كف الأذى، بل يبلغ غايته حين يتحول إلى مبادرة إيجابية تنفع الناس وتخفف عنهم مشقة الحياة. وقد أمر الله تعالى برد التحية بأحسن منها أو بمثلها، فقال: {وَإِذَا حُیِّیتُم بِتَحِیَّة فَحَیُّوا۟ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَاۤ أَوۡ رُدُّوهَاۤۗ} [النساء: ٨٦]، وحث على التعاون على البر والتقوى بقوله: {وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ} [المائدة: ٢].
كما نبه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أن المعروف لا يُستهان به مهما بدا صغيرًا، فقال: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ» [رواه مسلم].
وفي ذلك دعوة إلى إشاعة روح المودة والرفق في المجتمع؛ فرب ابتسامة ترفع عن إنسان شيئًا من حزنه، أو مساعدة لكبير سن تيسر عليه أمرًا شق عليه، أو إفساح المجال لشخص من ذوي الإعاقة تحفظ له كرامته وتعينه على حاجته. وهذه المواقف - وإن بدت يسيرة - تصنع فارقًا كبيرًا في حياة الناس، وتحوّل الأماكن العامة من مساحات للتزاحم والتنافس إلى فضاءات للتعاون والتراحم والتقدير المتبادل.
الذوق العام في البيئة الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي
لم تعد أخلاق الإنسان تُختبر في المجالس والطرقات وحدها، بل امتد ميدانها إلى العالم الرقمي الذي يتواصل فيه الناس ويتبادلون الأخبار والصور والآراء، وما قرره الإسلام من آداب الكلام، والنهي عن السخرية والغيبة، والأمر بالتثبت من الأخبار، يظل واجب الاعتبار في هذا المجال؛ قال تعالى: {إِن جَاۤءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإࣲ فَتَبَیَّنُوۤا۟} [الحجرات: ٦]، وقال سبحانه: {وَلَا یَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ} [الحجرات: ١٢]، فليس كل ما يصلح للتداول جديرًا بالنشر، ولا كل ما يثير الانتباه يستحق المشاركة، ولا كل خلاف يبرر التجريح والانتقاص.
ومن ثَمَّ فإن الذوق الرقمي يقتضي التثبت قبل إعادة نشر الأخبار، واحترام المخالف في الرأي، والابتعاد عن التنمر والتشهير، وعدم استغلال الصور والمقاطع للإضحاك على حساب كرامة أصحابها، فالشاشة لا تعفي صاحبها من المسؤولية الأخلاقية، والكتابة ليست أقل أثرًا من الكلام، وربما اتسع ضرر الكلمة المنشورة وانتشر بما لا يتصوره كاتبها.
مسؤولية الأسرة والمدرسة والمؤسسات في ترسيخ الذوق العام
إن بناء مجتمع يحترم الذوق العام لا يتحقق بالمواعظ العابرة وحدها، بل يحتاج إلى تربية متواصلة تتكامل فيها الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع، وقد حمّل القرآن الكريم الإنسان مسؤولية أهله، فقال تعالى: {قُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِیكُمۡ نَارا} [التحريم: ٦]، ودعا إلى التعليم والتوجيه بالحكمة والموعظة الحسنة، فقال سبحانه: {ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ} [النحل: ١٢٥].
وجاء التوجيه النبوي جامعًا لمسؤولية الرعاية في قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه].
الرابط المختصر
آخبار تهمك
الذهب في مصر يواصل الصعود.. ماذا ينتظر عيار 21 قبل قرار الفيدرالي الأمريكي؟
18 أكتوبر 2026 02:45 م
الأكثر قراءة
-
أسعار الفراخ اليوم الأحد 18 أكتوبر 2026
-
بعد رسالة موسيماني.. كيف يستفيد عموتة من خبرات الجنوب إفريقي أمام الزمالك؟
-
طارق دراج يكتب: صمت الاستقرار ومبادرة الرئيس
-
وزارة البترول تحذر من إعلانات توظيف وهمية وتؤكد اتخاذ الإجراءات القانونية ضد المسؤولين عنها
-
الأهلي يبدأ رحلة العودة إلى القاهرة بعد الفوز على كيتارا الأوغندي في الكونفدرالية
-
اتحاد اليد يحسم مصير نهائي السوبر المحلي
-
أحمد شوبير: إحالة ناصر منسي للتحقيق أفضل قرار اتخذه الزمالك للحفاظ على الانضباط
-
بعثة الزمالك تعود إلى القاهرة بعد الفوز على الجيش الرواندي في دوري أبطال إفريقيا
-
إيميليانو مارتينيز يخضع لجراحة ناجحة في الفك بعد إصابته أمام إيفرتون
-
الأهلي يبدأ رحلة العودة إلى القاهرة بعد الفوز على كيتارا الأوغندي في الكونفدرالية
-
هاني رمزي: الاختلاف الديني يصعب استقرار الحياة الزوجية
-
وزير الاستثمار: 18 مليار دولار تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنهاية العام المالي 2025-2026
-
محمد عبد المنعم يقود قائمة نيس لمواجهة ليون في الدوري الفرنسي
-
اتحاد اليد يحسم مصير نهائي السوبر المحلي
-
خطبة الجمعة القادمة لوزارة الاوقاف 23 أكتوبر 2026م ـ 11 جمادى الأولى 1448 هـ
أكثر الكلمات انتشاراً