الأحد، 18 أكتوبر 2026

06:05 م

منة الله المشيرفي: حين يصبح القبر آخر مكان للقاء

الأحد، 18 أكتوبر 2026 04:15 م

منة الله المشيرفي

منة الله المشيرفي

"وهل ليلى تبكيني إذا مت قبلها وقام على قبري النساء النوائح".. من أغرب الأشياء في الحب، إن الإنسان لا يكتفي بأن يحب، لكنه يريد أن يعرف أيضا: هل كان محبوبا؟
توبة بن الحمير، وهو يرثي ليلى الأخيلية، لا يتحدث فقط عن الموت، ولا عن الحزن الذي يأتي معه، لكنه يسأل سؤالا شديد الإنسانية:
هل ستبكيني ليلى إذا مت قبلها؟
كأنه لا يخاف الموت بقدر ما يخاف فكرة أن يرحل ولا يعرف إن كان رحيله سيترك وجعا في قلب من أحب.
ثم يقول إنه لو ماتت ليلى قبله لبكاها، ولجاد لها دمعه.
وهنا تصبح المسألة أكثر من مجرد قصيدة حب.
هو يقارن بين ما كان سيفعله من أجلها، وبين ما يتمنى أن تفعله هي من أجله. وكأن المحب، مهما بدا واثقا، يظل بداخله طفل صغير يسأل:ماذا أكون بالنسبة إليك؟وهل سيصنع غيابي فارقا؟ وإن رحلت عن هذه الدنيا، أستبقى لي ذكرى في قلبك؟
لكن أكثر ما استوقفني في الأبيات التالي:
"ولو أن ليلى الأخيلية سلمت
علي، ودوني جندل وصفائح"
تخيلوا المشهد، ليلى تأتي إلى قبره، وبينهما الحجارة وصفائح القبر. هي في الخارج، وهو في الداخل.
ومع ذلك يقول:
"لسلمت تسليم البشاشة أوزقا
إليها صدى من جانب القبر صائح"
أي أنه لو سمع سلامها، لرد عليها. حتى الموت هنا لم يستطع أن يمنعه من تخيل الحديث معها.
وهذه في رأيي أجمل صورة في الأبيات كلها. لأن الحب عند توبة لم يعد مرتبطا بالجسد أو بالمكان أو حتى بالحياة نفسها. صار شيئا يتحدى الحدود. هي تقف أمام القبر، وهو يتخيل أن صوته يستطيع أن يصل إليها من داخله.
ربما لهذا السبب تظل بعض قصائد الحب حية بعد مئات السنين. لأنها لا تتحدث عن أشخاص بعينهم فقط، وإنما عن أشياء نعرفها جميعا؛ عن رغبتنا في أن نكون مهمين عند شخص ما، عن خوفنا من أن نرحل دون أن نترك أثرا، عن سؤال لا نجرؤ أحيانا على طرحه:
لو مت، هل سيحزن أحد لأنني لم أعد هنا؟
ولعل الأشد قسوة من الموت نفسه ليس أن نموت، وإنما أن نكتشف ولو في خيالنا أننا كنا نحب أكثر مما كنا محبوبين. وربما لهذا كان توبة يريد أن يعرف إن كانت ليلى ستبكيه. ليس لأنه يشك في حبه لها، فهو يعرف جيدا ماذا كان سيفعل لو سبقته إلى الموت. لكنه يريد شيئا آخر، يريد أن يطمئن إلى أن قلبه لم يكن وحده في هذه الحكاية. وهنا يتحول القبر من مكان للنهاية إلى اخر مكان محتمل للقاء.
فحتى بعد أن تنتهي الحياة، يظل المحب يتخيل أن هناك كلمة أخيرة لم تقال، وسلاما يمكن أن يصل، وصوتا يمكن أن يعبر الحجارة.
وربما هذا هو سر بقاء الحكايات القديمة؛ أن البشر يتغيرون، والأزمنة تتغير، لكن القلب يظل يسأل الأسئلة نفسها: من أحبني؟ من سيفتقدني؟ وهل سيظل لي مكان، ولو بعد أن أغيب؟
أما توبة، فقد اختار أن يجيب بطريقته:
حتى لو حالت بيني وبينك الحجارة، سأحاول أن يصل إليك صوتي.

الرابط المختصر

search