الأحد، 01 نوفمبر 2026

03:42 م

باسم عوض الله يكتب: الكُرسي إما يَكسِر أو يُكسَر..!

الأحد، 01 نوفمبر 2026 02:40 م

باسم عوض الله

باسم عوض الله

الكُرسي إما يَكسِر أو يُكسَر..! أول ما يخطر ببال معظمنا، أي كرسي هذا يتحدث عنه عزيزنا باسم؟ إنه كرسي المنصب يا أعزائي، إنه كرسي النفوذ، والسلطة، والقوة. لكن الكرسي ليس كما يعتقد الجميع، فهو ليس مجرد بعض الأخشاب المتشابكة للجلوس؛ فهو مساحة غير مرئية تتقابل مع مساحة أخرى غير مرئية تخص الجالس الجديد عليه.

تلك المساحات هي الطاقات، والغايات، والأهداف، والنوايا الخفية بِغَيَاهِب النفس، وهي المرآة الحقيقية التي تنعكس بها حقيقة الإنسان. فمهما توارى الإنسان وراء الأقنعة والخدع، لن يأخذ بين نعومة كرسي السلطة إلا ثوان معدودات، حتى تسقط كل الأقنعة وتظهر حقيقته.

السلطة يا أحبتي لا تقتصر على كراسي الحكم والمُلك -وما المُلك إلا لِمالك المُلك-، إنما السلطة تبدأ من سلطة الإنسان على نفسه، ثم تبدأ تدريجيًّا في الصعود إلى دوره في أسرته مرورًا بكل مشاهد حياته وصولًا إلى ولاية أمر الشعوب والأوطان.

ونقف وليقف معنا الزمان عندما نذكر الشعوب والأوطان، فإن ولاية الإنسان على إنسان مثله لا أراها من أصعب المهام بل هي الأصعب على الإطلاق..! فأنا وأنتَ وأنتِ ونحن نعيش أعمارنا بطُولِها وعرضها نحاول التعامل مع أنفسنا، نجاهد ونبذل قصارى جهودنا كي نروضها ونهذبها. ما بالكم إذن عندما نصبح مسئولين عن بشر مثلنا بهم ما بهم، ولهم ما لهم، وعليهم ما عليهم؟!

الإنسان أعقد وأيسر، وأصعب وأسهل، وأجمل وأقبح، وأحَنّ وأقسى تركيبة في الكون، وكل الصفات ومتناقضاتها. فهو الخير والشر معًا، والداء والدواء، وكما قلت هو الشيء وعكسه، وذلك كله بسبب أمر واحد لا غيره، ألا وهو الحب..! نعم، هو الحب، حب الله لخليفته، ذلك الحب هو الكنز الخفي الذي نُفِخَ مع روح الله المهداة إلى ذلك الإنسان.

إن حب الله لمخلوقه أعطى للإنسان القدرة على أن يكون لديه عقل وقلب وروح ونفس وأقدار وقرار وأمور كثيرة، يستطيع من خلالها أن يسمو أو يدنو. فإن اختار السمو تهافتت الملائكة كي تحضر مجلسه وتلتصق به، وإن اختار الدنو تهافتت مخلوقات أخرى والعياذ بالله نحوه كي تتعلم منه.

يا أصدقائي إن جمال ورقي وعظمة اللغة العربية تأخذنا في كل موقع كي تعلمنا من خلال جمال اللفظ وجلال المعنى، فعنوان مقالتي كلمة لم يزيد بها حرف واحد، فهي كلمة واحدة وهي الكرسي. لكن الله جل وعلا ألهمني بأن أغير مواقع حروفها، ومع تغيير تشكيلها باتت الأولى (يَكسِر)، والتي تكشف عن طريق الجالس وهو طريق الحق والعدل والرحمة، أي طريق الله سبحانه وتعالى، فيصبح حينها الكرسي كَاسِر للشر والظلم والشهوة وعبادة السلطة والمال.  

أما الثانية وهي (يُكسَر)، فتأخذنا إلى عوائق الجالس بِطُرُقِهِ الوعرة الغير ممهدة، أي طرق ليست في الله عز وجل، وهي الطرق التي تَكسِر وتحطم رأس الجالس وبطانته الفاسدة، وكل من تعاون وتهاون في حق نفسه وحق العباد.

إن جُلَّ ما يتجلى أمامنا الآن من فحوى مقالتي المتواضعة أمام الكلمات القدسية لحضرة سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام في حديثه الشريف: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامةً يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة». لذا فلنتق الله في أنفسنا، وذرياتنا، وأسرنا، وجيراننا، وزملائنا، وشعوبنا، وفي أوطاننا.

فلنستقم يا سادة كي يرحمنا الله القادر على كل شيء.

الرابط المختصر

search