الأربعاء، 21 يناير 2026

02:43 م

علاء الدين رجب يكتب : التحذير من Grok المآلات وقاعدة سد الذرائع

الأربعاء، 21 يناير 2026 11:23 ص

المهندس علاء الدين رجب

علاء الدين رجب استشاري التحول الرقمي

علاء الدين رجب استشاري التحول الرقمي

في الأسابيع الأخيرة عاد اسم Grok إلى الواجهة، لا بوصفه “مساعدا ذكيا” فحسب، بل بوصفه أداة تفرض أسئلة جادة عن حدود الاستخدام، خصوصا مع تصاعد الجدل عالميا حول تقنيات توليد الصور وتعديلها، إلى درجة صار معها التمييز بين الحقيقي والمفبرك مهمة شاقة حتى على المتخصصين. 

أما في السياق العربي نشر مرصد الأزهر تحذيرا من التطورات المرتبطة بتقنيات “تعرية الصور” والمحاكاة البصرية، وما تفتحه من أبواب للتشهير والابتزاز وإيذاء الأفراد. وبالتوازي، تتصاعد النقاشات دوليا حول مسؤولية المنصات في ضبط هذه الأدوات، وهل تكفي القيود الشكلية والاشتراكات المدفوعة لتقليل الضرر، أم أن المطلوب هو حظر الاستخدامات الحساسة من الأصل بدل تركها تعمل “بكفاءة” ثم مطاردة نتائجها بعد وقوعها.

ولأن الموضوع لم يعد نقاشا نظريا، لفتني توصيفٌ قويّ ورد في كتاب Time to Reboot: Feminism in the Algorithm Age (حان وقت إعادة التشغيل: النسوية في عصر الخوارزميات)، الصادر عام 2024 للمؤلفة كارلا ويلشاير، مديرة مركز الرفاه الرقمي: "الذكاء الاصطناعي مهيأ لتسريع إعادة تعريف الخيالات الحميمية والجنس والعلاقات الإنسانية.

 إن المواد الإباحية غير الرضائية (المولدة بالذكاء الاصطناعي) ليست أقل من وباء رقمي، إذ تتيح التشهير والإذلال عبر اختطاف افتراضي للجسد. وفي أسوأ الحالات، تكاد تكون بمثابة اغتصاب جماعي علني عبر الإنترنت."

واليوم، وبعد مرور عامين على تلك التحذيرات، نرى Grok يندفع بسرعة مخيفة نحو كسر المحظورات، متجاهلاً الخطوط الحمراء التي وضعتها الشركات المنافسة.

من زاوية تقنية وعملية لو رجعنا بالزمن سنوات قليلة، كان الذكاء الاصطناعي في نظرنا مجرد أداة تساعد في كتابة إيميل أو تلخيص نص طويل.

 لكن اليوم المشهد اختلف تماما. نحن الآن نتعامل مع أدوات تشكل الوعي العام وتؤثر في صناعة القرارات. وهنا يبرز Grok كأداة لها وضع خاص وحساس، ليس لكونه يتفوق تقنيا على غيره، بل بسبب مكانه: إنه يعيش داخل منصة X.

هذا التواجد يجعل منه محركا للترندات وموجها للرأي العام في بيئة سريعة جدا لا ترحم ولا تعطي فرصة للتأكد من صحة الكلام. رأينا مواقف تحولت فيها إجابة واحدة من الذكاء الاصطناعي إلى حقيقة مطلقة عند الناس، وكيف أن لقطة شاشة (سكرين شوت) مقتطعة من سياقها كانت كفيلة بتدمير سمعة شخص أو إحراج شركة كبرى.

هناك أيضا مشكلة الثقة العمياء؛ فالناس بطبعها تميل للحلول السريعة، وGrok يجيب بكل ثقة حتى لو كان يهذي بمعلومات غلط. هذا الغلط الصغير قد يتحول إلى كرة ثلج من التشهير أو القناعات الخاطئة. ولا ننسى خطر الصور؛ فالموضوع لم يعد مجرد نص، بل أصبح بإمكان أي شخص توليد صور واقعية قد تستخدم في الابتزاز أو التشويه، خصوصا في بيئة عمل الشركات حيث يمكن لموظف، بسلامة نية، أن يسرب بيانات سرية أو عقودا مالية فقط لأنه أراد تحسين الصياغة عبر الأداة.

وهنا يتكرر سؤال مهم: هل الصور التي نرفعها إلى Grok أو X تبقى خاصة؟

يتساءل الكثيرون: هل الصور والمعلومات التي نشاركها مع Grok تظل طي الكتمان؟ الحقيقة الصادمة تكمن في شروط استخدام منصة "X". فبينما يخبرك النظام أنك تملك المحتوى، فإنه في الوقت ذاته يمنح شركة "xAI" حقاً كاملاً في معالجة هذه البيانات وتخزينها واستخدامها لتدريب نماذجها، إلا إذا قمت يدوياً بتعطيل هذا الخيار من الإعدادات.

 وهذا يعني أن "خصوصيتك" مرهونة بسياسات الشركة التي تتغير باستمرار. حتى لو لم يرها الناس، الشركة نفسها قد تحتفظ بها وتستخدمها وفق الشروط والسياسة والتي قد تتغير كما تغيرت من قبل كثيرا.

لذا، ومن باب المسؤولية المهنية، أؤكد على ضرورة اتباع نهج وقائي صارم فلا يجب الامتناع تماماً عن رفع أي صور شخصية أو وثائق رسمية أو بيانات مالية لهذه الأدوات و لا بد من الدخول إلى إعدادات الخصوصية في "X" وإلغاء خيار تدريب Grok على بياناتك الشخصية. وأخيراً، يجب الحذر من إعادة نشر المخرجات التي تحتوي على أشخاص حقيقيين، حتى لا نكون شركاء في عملية التضليل 

الرؤية الشرعية: المآلات وقاعدة سد الذرائع

من هنا، تتجلى حكمة العلماء والفقهاء في التحذير من هذه الأدوات. فالشريعة الإسلامية تنظر إلى "المآلات"؛ أي ما يؤدي إليه الفعل من نتائج. فإذا كانت الأداة تسهل القذف، أو تنشر الشائعات، أو تهتك الأستار، أو تنشر المعلومات المضللة فإنها تدخل في دائرة الخطر الشرعي.

والسؤال هنا: هل هذه الأداة تسهل الظلم ونشر الشائعات ؟ هل تفتح باب للفتنة؟ حفظ العرض والكرامة من الضروريات في ديننا، وأي وسيلة ترفع من احتمالية القذف أو نشر الشائعات تدخل في دائرة الخطر الشرعي، حتى لو لم يقصد المستخدم الأذى. الانزلاق الرقمي سريع؛ مجرد ضغطة زر لإعادة النشر قد تجعلك شريكا في ظلم كامل.

فقد حذر القرآن من تداول ما لا علم به:يقول تعالى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)

كما قرر مبدأ المسؤولية عن النقل والمعرفة:يقول تعالى " وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا "الإسراء:36

ننتقل لمشكلة أكبر وهي الهلوسة المعرفية فبعض هذه النماذج ومنها Grok قد تخترع أحاديث أو فتاوى وتنسبها لعلماء بكل ثقة، مما يضلل الناس.

هنا يأتي مبدأ سد الذرائع وبدأ المآلات؛ فالشريعة والأخلاق الإسلامية لا تعادي التطور، لكنها تغلق الأبواب التي قد تؤدي لكسر كرامة الناس أو تزييف الحقائق. فالذكاء الاصطناعي يجب أن يظل مجرد مساعد، لا مرجعا للحقيقة ولا وسيلة للخوض في أعراض الناس.

وما الحل؟ كيف يتصرف المسلم ذلك المستخدم الواعي؟

إذا أردنا موقفا متزنا من الناحية الشرعية، فليس المطلوب تهويلا ولا استهانة، بل قواعد واضحة في المعلومات: اعتبر الرد “مؤشرا أوليا” لا مصدرا نهائيا، وارجع للأصل قبل البناء عليه و في الصور: ابتعد تماما عن كل ما يمس الأعراض أو يُستعمل في التشويه أو الإيحاءات، وأبلغ عن أي محتوى فاضح و في البيانات: لا تدخل أي معلومة حساسة تخص عملك أو عملاءك أو عقودك أو أرقامك المالية في أي أداة وفي النشر: لا تكن محطة عبور للإشاعة بل دعها تنتهي عندك.

لماذا Grok هو الأكثر إثارة للقلق؟

السبب بسيط وواضح: الموقع. أغلب أدوات الذكاء الاصطناعي تعمل في مواقع مستقلة، تذهب إليها وتعود. لكن Grok في قلب "العاصفة". فهو موجود في المكان الذي تصنع فيه الإشاعة وتكبر فيه الخصومات.

طبيعة منصة X التي تقوم على الاستقطاب والسرعة تجعل أي خطأ من Grok مادة دسمة للتضخيم. النص يمكن نقاشه، لكن الصور التي يولدها تضرب في الوعي مباشرة وتترك أثرا لا يمحى، وهذا يمثل خطورة مضاعفة في مجتمعاتنا المحافظة التي تضع للكرامة والستر اعتبارا كبيرا.

مقالات أخري للكاتب 

علاء الدين رجب يكتب: مدينة المعرفة.. سدّ الثغرة في احتياجات البحوث الصناعية في مصر

 

علاء الدين رجب يكتب: هل تلتهم شبكة الانترنت نفسها؟ الموت الطوعي للذكاء الصطناعي

علاء الدين رجب يكتب "اليقين" بين الأدلة الرقمية وشهادة الشهود

علاء الدين رجب يكتب: هل تنبأ الكاريكاتير بتأثير الذكاء الاصطناعي في انتشار الأخبار المزيفة

علاء الدين رجب يكتب: هلوسة الذكاء الاصطناعي

علاء الدين رجب يكتب: تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي على الدماغ

الرابط المختصر

search