خطبة الجمعة القادمة للدكتور خالد بدير 6 فبراير 2026م ـ 18 شعبان 1447م
الثلاثاء، 03 فبراير 2026 03:14 م
خطبة الجمعة "أرشيفية"
أعلنت وزارة الأوقاف المصرية، عن موضوعي خطبة الجمعة القادمة بتاريخ 6 فبراير من عام 2026م الموافق 18 من شعبان لعام 1447هـ، وستكون الخطبة الأولى بعنوان “الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة”، والهدف منها التوعية بأهمية الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة وأثر ذلك على المدعوين والتحذير من التشدد والغلو.
وأما موضوع الخطبة الثانية سيكون بعنوان “المبالغة في تكاليف الزواج”، والهدف منها الدعوة إلى التيسير في الزواج وعدم المبالغة في المهور والمغالاة في نفقات الزواج.
وينشر “المصري الآن” خطبة الجمعة للدكتور خالد بدير بعنوان الدَّعوةُ إلي الله تعالي بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، بتاريخ 18 شعبان 1447هـ ، الموافق 6 فبراير 2026م.
عناصر خطبة الجمعة القادمة 18 شعبان 1447هـ الموافق 6 فبراير 2026م ، للدكتور خالد بدير ، بعنوان : الدَّعوةُ إلي الله تعالي بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ : كما يلي:
أولًا: أهميةُ ومنزلةُ الدعوةِ إلى اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ.
ثانيًا: صورٌ مشرقةٌ في الدعوةِ إلى اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ.
ثالثًا: المبالغةُ في تكاليفِ الزواجِ (مبادرةُ صحِّحْ مفاهيمَك).
ولقراءة خطبة الجمعة القادمة 6 فبراير 2026م، للدكتور خالد بدير، بعنوان: الدَّعوةُ إلي الله تعالي بالحِكمةِ والموعظةِ الحسنةِ : كما يلي:
نص خُطبةٌ الجمعة للدكتور خالد بدير بعنوانُ الدعوةُ إلى اللهِ تعالى بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ
18 شعبان 1447هـ ـ 6 فبراير 2026م
المـــوضــــــــــوعُ
الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له وأنَّ سيِّدَنَا مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ ﷺ. أمَّا بعدُ:
أولًا: أهميةُ ومنزلةُ الدعوةِ إلى اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ.
إنَّ الدعوةَ إلى اللهِ تعالى من أشرفِ الأعمالِ على الإطلاقِ، وهي وظيفةُ جميعِ الأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسلامُ، وحتى تؤتيَ الدعوةُ ثمارَها المرجوّةَ لا بدَّ أن تكونَ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ. قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}. (النحل: 125). قال الإمامُ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ تعالى: “يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ أَنْ يَدْعُوَ الْخَلْقَ إِلَى اللَّهِ {بِالْحِكْمَةِ}. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهُوَ مَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ {وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} أَيْ: بِمَا فِيهِ مِنَ الْزَّوَاجِرِ وَالْوَقَائِعِ بِالنَّاسِ ذَكَّرَهُمْ بِهَا، لِيَحْذَرُوا بَأْسَ اللَّهِ تَعَالَى”. (تفسير ابن كثير).
والدعوةُ إلى اللهِ بالحكمةِ تعني: وضعَ الأمورِ في مواضعِها. أي مراعاةَ مقتضى الحالِ والزمانِ والمكانِ والمدعوينَ، ولهذا كان النبيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُ أصحابَهُ بالموعظةِ مَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ؛ بِحَسَبِ الحاجةِ والضَّرورةِ، مُراعِيًا في ذلك نَشَاطَهم؛ فعَنْ شَقِيقٍ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ رضيَ اللهُ عنهُ يُذَكِّرُنَا كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّا نُحِبُّ حَدِيثَكَ وَنَشْتَهِيهِ، وَلَوَدِدْنَا أَنَّكَ حَدَّثْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ، فَقَالَ: مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ إِلَّا كَرَاهِيَةُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، «إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الْأَيَّامِ، كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا». (متفق عليه واللفظ لمسلم).
وكذلك مراعاةُ أحوالِ الدعوةِ بالموعظةِ، وأن تكونَ حسنةً في كلِّ شيءٍ، في الألفاظِ والأداءِ والطريقةِ أثناءَ مخاطبةِ الناسِ. قال تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}. (طه: ٤٤)، يقول الإمامُ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ: “هَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا عِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهُوَ أَنَّ فِرْعَوْنَ فِي غَايَةِ العتو والاستكبار، وَمُوسَى صَفْوَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ إِذْ ذَاكَ، ومع هذا أُمِرَ أن لا يُخَاطِبَ فرعونَ إلاّ بالملاطفةِ واللينِ”. (تفسير ابن كثير). “وَلَمَّا قَرَأَ رَجُلٌ هَذِهِ الْآيَةَ عِنْدَ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ بَكَى وَقَالَ: إِلَهِي هَذَا رِفْقُكَ بِمَنْ يَقُولُ أَنَا الْإِلَهُ، فَكَيْفَ رِفْقُكَ بِمَنْ يَقُولُ أَنْتَ الْإِلَهُ؟!”. (تفسير البغوي). “فاللهُ عزَّ وجلَّ عَلَّمَهُمَا أُسْلُوبَ الدعوةِ فقال لهما: {فقولا له قولًا لينًا} أي: خاليًا من الغِلْظَةِ والجَفَاءِ وسوءِ الإلقاءِ، رجاءَ أن يتذكَّرَ معانيَ كلامِكما وما تدعوانِه إليهِ فيراجعَ نفسَهُ فيؤمنَ ويهتديَ، أو يخشىَ العذابَ إن بقيَ على كفرِه وظلمِه، فيُسَلِّمَ لكما بني إسرائيلَ ويرسلَهم معكما.” (أيسر التفاسير – أبو بكر الجزائري).
فالدعوةُ إلى اللهِ تعالى تحتاجُ إلى لينٍ ورفقٍ. فعَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ». (مسلمٌ). وهذا الخليلُ إبراهيمُ عليهِ السلامُ، بدأَ بأقربِ الناسِ إليهِ، بدأَ بأبيهِ، ومع شدّةِ الخلافِ العقديِّ خاطبهُ بأرقِّ خطابٍ، قال تعالى: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ} [مريم: 42]. قال الإمامُ الرازيُّ رحمهُ اللهُ: «إِنَّهُ عليهِ السلامُ أَوْرَدَ هَذَا الْكَلَامَ الْحَسَنَ مَقْرُونًا بِاللُّطْفِ وَالرِّفْقِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ فِي مُقَدِّمَةِ كُلِّ كَلَامٍ يَا أَبَتِ دَلِيلٌ عَلَى شِدَّةِ الْحُبِّ وَالرَّغْبَةِ فِي صَوْنِهِ عَنِ الْعِقَابِ وَإِرْشَادِهِ إِلَى الصَّوَابِ، وَأَنَّ الْهَادِيَ إِلَى الْحَقِّ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ رَفِيقًا لَطِيفًا». (مفاتيحُ الغيبِ).
أمّا إن كانت الدعوةُ إلى اللهِ تعالى فيها غلظةٌ وجفاءٌ فإنها لا تؤتي ثمارَها المرجوّةَ، بل تأتي بنتيجةٍ عكسيّةٍ، وقد تؤدي بصاحبِها إلى النارِ وبئسَ القرارِ! فعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كَانَ رَجُلَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَوَاخِيَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُذْنِبُ، وَالْآخَرُ مُجْتَهِدٌ فِي الْعِبَادَةِ، فَكَانَ لَا يَزَالُ الْمُجْتَهِدُ يَرَى الْآخَرَ عَلَى الذَّنْبِ فَيَقُولُ: أَقْصِرْ، فَوَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ فَقَالَ لَهُ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، أَوْ لَا يُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ: أَكُنْتَ بِي عَالِمًا، أَوْ كُنْتَ عَلَى مَا فِي يَدِي قَادِرًا؟ وَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلْآخَرِ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ. (أحمدُ وأبو داودَ بسندٍ صحيحٍ). ومعنى متواخيينِ: أي متواخيينِ في اللهِ تعالى لا في النسبِ. أ.ه
وقال رجلٌ للرشيدِ: يا أميرَ المؤمنينَ! إنّي أريدُ أن أعظَكَ بعظةٍ فيها بعضُ الغلظةِ فاحتملْها. قال: كلا، إنَّ اللهَ أمرَ مَن هو خيرٌ منك بإلانةِ القولِ لمن هو شرٌّ منّي، قال لنبيِّه موسى إذ أرسلهُ إلى فرعونَ: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}. (طه: 44). وصدقَ اللهُ تعالى القائلُ لنبيِّهِ ﷺ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}. (آل عمران: 159).
ثانيًا: صورٌ مشرقةٌ في الدعوةِ إلى اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ.
هناكَ صورٌ مشرقةٌ في الدعوةِ إلى اللهِ تعالى بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، نأخذُ من العِبرةِ ونطبّقُها على أرضِ الواقعِ:
فهذا حُصينُ الخزاعيُّ والدُ سيدِنا عمرانَ، كانت قريشٌ تعظّمُهُ، فطلبتْ منهُ أن يُكلِّمَ النبيَّ ﷺ في آلهتِها، فجاءَ حُصينٌ ومعهُ بعضُ أفرادِ قريشٍ حتى جلسوا قريبًا من بابِ النبيِّ ﷺ، ودخلَ حُصينٌ، «فلمّا رآهُ النبيُّ ﷺ قال: يَا حُصَيْنُ كَمْ إِلَهًا تَعْبُدُ اليومَ؟ قالَ: سبعةً، ستّةً في الأرضِ، وواحدًا في السماءِ. قالَ: فأيُّهم تعدُّ لرغبتِكَ ورهبتِكَ؟ قالَ: الذي في السماءِ. قالَ: يا حُصَيْنُ أمَا إنَّكَ لو أسلمتَ علَّمتُكَ كلمتينِ تنفعانِكَ». قالَ: فلمّا أسلمَ حُصينٌ قالَ: يا رسولَ اللهِ علِّمني الكلمتينِ اللتينِ وعدتَني، فقالَ: «قلْ: اللهمَّ ألهمني رُشدي، وأعذني من شرِّ نفسي». (الترمذيُّ).
أرأيتَ كيف دخلَ الرجلُ مُعرِضًا ناقمًا، فخرجَ صادقًا مسلمًا؟! إنّها الدعوةُ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ.
وهذا ثمامةُ بنُ أثالٍ الذي كانَ يُبغضُ الإسلامَ وأهلَهُ، فما لبثَ أن تحوَّلَ بدعوةِ الرسولِ ﷺ إيّاهُ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟» فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتُرِكَ حَتَّى كَانَ الغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟» قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الغَدِ، فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟» فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ، فَقَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ» فَانْطَلَقَ إِلَى نَجْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ البِلاَدِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ العُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ”. (متفق عليه).
وهذا الفتى الذي أراد الرخصة في الزنا والعياذ بالله. فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : ” إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا ، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا : مَهْ . مَهْ . فَقَالَ: ادْنُهْ ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا . قَالَ : فَجَلَسَ قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟ قَالَ: لَا . وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ . قَالَ : وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ . قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ ؟ قَالَ: لَا. وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ . قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ ؟ قَالَ: لَا . وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ . قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ . قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لَا . وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ . قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ . قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ ؟ قَالَ: لَا . وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ . قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ. قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ” .( أحمد والطبراني والبيهقي).
فقد احتوى هذا الموقفُ على أسلوبِ الحكمةِ والرفقِ في الدعوةِ والتربيةِ، وظهر ذلك في: (اُدْنُهْ)، (فدنَا منهُ قريبًا). بالإضافةِ إلى الإقناعِ بالأسلوبِ العقليِّ بقولِه: (أتحبُّهُ لأمِّكَ؟)، (أفتحبُّهُ لابنتِكَ؟).
ولا يخفى علينا واقعةُ الأعرابيِّ الذي بالَ في المسجدِ وكيف عالجَ الرسولُ ﷺ الموقفَ برفقٍ. فعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَامَ أعرَابِّيٌ فَبَالَ في الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ” دَعُوهُ وَهَرِيْقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ“. (البخاري). قال النوويٌّ:” فيه الرّفقُ بالجاهلِ، وتعليمُهُ ما يلزمُهُ من غيرِ تعنيفٍ ولا إيذاءٍ، إذا لم يأتِ بالمخالفةِ استخفافًا أو عنادًا، وفيه دفعُ أعظمِ الضررين باحتمالِ أخفهمَا”.
وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَا ثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَ اللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: ”إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ، لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ”(مسلم) . فتأملوا هذا الأسلوبَ النبويَّ، فرغم أنَّ هذا الخطأَ كان من مبطلاتِ الصلاةِ، إلا أنه ﷺ لم يعنِّفْ صاحبَهُ، ولم يُوبِّخْهُ، إنما علَّمَهُ برفقٍ وموعظة حسنة.
ونحنُ جميعًا نعلمُ حكمةَ داودَ وابنهِ سليمانَ عليهما السلامُ في القضاءِ والدعوةِ إلى اللهِ تعالى بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ. فعنِ النبيِّ ﷺ قالَ: «بينما امرأتانِ معهما ابناهُما، جاءَ الذِّئبُ، فذهبَ بابنِ إحداهما، فقالتْ هذهِ لصاحبتِها: إنما ذهبَ بابنِكِ أنتِ، وقالتِ الأخرى: إنما ذهبَ بابنِكِ، فتحاكمتا إلى داودَ، فقضى بهِ للكبرى، فخرجتا على سليمانَ بنِ داودَ عليهما السلامُ، فأخبرتاهُ، فقالَ: ائتوني بالسكينِ أشقُّهُ بينكما، فقالتِ الصغرى: لا يرحمكَ اللهُ، هو ابنُها، فقضى بهِ للصغرى». (متفقٌ عليهِ). وهكذا تؤتي الدعوةُ ثمارَها المرجوّةَ إذا كانت بالحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ.
ثالثًا: المبالغةُ في تكاليفِ الزواجِ (مبادرةُ صحِّحْ مفاهيمَك).
من الظواهرِ المنتشرةِ في هذا الزمانِ ظاهرةُ المغالاةِ في المهورِ وتكاليفِ الزواجِ، وهذه الظاهرةُ لها أثرُها السيئُ على الفردِ والمجتمعِ، فلا يخفى على عاقلٍ ما في غلاءِ المهورِ من المفاسدِ والمضارِّ التي منها انتشارُ العنوسةِ بين الجنسينِ، وإثقالُ كاهلِ المتزوجينَ بديونٍ يرزحونَ تحت وطأتِها لسنواتٍ عديدةٍ، فكم من شابٍّ أعيتهُ الأسبابُ فلم يقدرْ على هذه التكاليفِ التي ما أنزلَ اللهُ بها من سلطانٍ فاحتوشتهُ الشياطينُ وجلساءُ السوءِ حتى أضلّوهُ وأوردوهُ مواردَ العطبِ والخسرانِ، فخسرَ أهلَهُ وفسدَ اتجاهُهُ، بل خسرتهُ أمتُهُ ووطنُهُ، وخسرَ دنياهُ وآخرتَهُ!!
وكم من امرأةٍ ألجأها ذلكَ إلى الاستجابةِ لداعي الهوى والشيطانِ فجرّتِ العارَ والخزيَ على نفسِها وعلى أهلِها وعشيرتِها مما ارتكبتهُ من المعاصي التي تسببُ غضبَ الرحمنِ!!
لذلكَ كلهُ كان من هديِ الإسلامِ تخفيفُ مؤونةِ النكاحِ، ففيهِ البركةُ والخيرُ، فعن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أعظمُ النساءِ بركةً أيسرُهنَّ صداقًا». (الحاكمُ وصححهُ ووافقهُ الذهبيُّ). يقولُ الإمامُ المناويُّ: «بمعنى أنَّ يسرَهُ دالٌّ على خيريةِ المرأةِ ويُمنِها وبركتِها فيكونُ ذلكَ من قبيلِ الفألِ الحسنِ». (فيضُ القديرِ).
ولتعلمْ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ وعدَ من يسعى في إحصانِ فرجِه بأن يعينَهُ وأن يُغنيَهُ من فضلِه، قال اللهُ تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. (النور:32).
يقولُ الإمامُ الزمخشريُّ رحمهُ اللهُ: «لقد كان عندنا رجلٌ رازحُ الحالِ، ثم رأيتُهُ بعدَ سنينَ وقد انتعشتْ حالُهُ وحسنتْ، فسألتُهُ؟ فقالَ: كنتُ في أولِ أمري على ما علمتَ، وذلكَ قبلَ أن أُرزقَ ولدًا، فلما رُزقتُ بكرَ ولدي تراخيتُ عن الفقرِ، فلما وُلدَ لي الثاني زدتُ خيرًا، فلما تتمّوا ثلاثةً صبَّ اللهُ عليَّ الخيرَ صبًّا، فأصبحتُ إلى ما ترى». (الكشافُ).
واعلموا – أيها الشبابُ – أنَّ اللهَ عونٌ لكلِّ من يريدُ العفافَ. فعن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: «ثلاثةٌ حقٌّ على اللهِ عونُهم: المجاهدُ في سبيلِ اللهِ، والمكاتبُ الذي يريدُ الأداءَ، والناكحُ الذي يريدُ العفافَ». (الترمذيُّ وحسنهُ).
وقد عاتبَ الرسولُ ﷺ أحدَ الصحابةِ لما رآهُ مغاليًا في الصداقِ والمهرِ. فعن أبي هريرةَ، قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقالَ: إني تزوجتُ امرأةً من الأنصارِ، فقالَ لهُ النبيُّ ﷺ: «هل نظرتَ إليها؟ فإنَّ في عيونِ الأنصارِ شيئًا». قالَ: قد نظرتُ إليها. قالَ: «على كم تزوجتَها؟». قالَ: على أربعِ أواقٍ. فقالَ لهُ النبيُّ ﷺ: «على أربعِ أواقٍ؟ كأنما تنحتونَ الفضةَ من عرضِ هذا الجبلِ، ما عندنا ما نعطيكَ، ولكن عسى أن نبعثكَ في بعثٍ تُصيبُ منهُ». قالَ: فبعثَ بعثًا إلى بني عبسٍ بعثَ ذلكَ الرجلَ فيهم. (مسلمٌ).
يقولُ الإمامُ النوويُّ: «معنى هذا الكلامِ كراهةُ إكثارِ المهرِ بالنسبةِ إلى حالِ الزوجِ». (شرحُ النوويِّ على مسلمٍ).
فعليكمُ بالتيسيرِ في أمرِ الزواجِ إعفافًا لشبابِكم وبناتِكم، وحفظًا وصونًا لأعراضِكم، لتفوزوا بسعادةِ العاجلِ والآجلِ.
نسألُ اللهَ أنْ يبارك لنا في أولادنا وذرياتنا، وأنّ يحفظَ مصرنَا مِن كلِّ مكروهٍ وسوءٍ .
اقرأ أيضا:
خطبة الجمعة القادمة لوزارة الأوقاف 6 فبراير 2026م ـ 18 شعبان 1447م
اطلاق الموسم الرابع من مبادرة معًا نرتقي بالمسرح الأزهري
جناح الأزهر يقدم كتاب الأربعون الإدارية بمعرض الكتاب 2026
جناح الأزهر الشريف يبدأ أولى فعالياته الثقافية والفكرية بمعرض الكتاب 2026
منطقة القاهرة الأزهرية تفتتح فعاليات بانوراما الأزهر بمعرض الكتاب 2026
جناح الأزهر يعرض كتاب الزهرة العليا في التحذير من متاع الحياة الدنيا
ليلة النصف من شعبان تُقدر فيها الأرزاق والآجال ويُكتب فيها السعداء والأشقياء
الإفتاء تبين حكم استخدام السبحة في الذكر
فتوى تاريخية، حكم تركيبات الأسنان من الذهب والفضة والبلاتين
هل النعاس ينقض الوضوء ويؤثر على الصلاة؟
إحياء ليلة النصف من شعبان يكفر ذنوب السنة
رأي الفقهاء في إحياء ليلة النصف من شعبان
تعرف على الليالي المباركة التي يستحب إحياؤها بالذكر والعبادة
ليلة النصف من شعبان ومقصود الآية "فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ"
الإفتاء تحذر من الخصام والهجر في ليلة النصف من شعبان
ليلة النصف من شعبان الاثنين القادم 2 فبراير 2026
الإفتاء توضح حكم الصيام في رجب وشعبان
تحويل القبلة في ليلة النصف من شعبان
شعبان شهر ختام السنة الإيمانية
دار الإفتاء ترد على منتقدي الدعاء المشهور بليلة النصف من شعبان
تعرف على حكم الاحتفالِ بليلة النصف من شعبان وصيامِ نهارها
الإفتاء تبين حكم تعجيل الولادة للتفرغ للعبادة في شهر رمضان
دعاء العتق والنجاة من النار في شهر رمضان
خطبة الجمعة لوزارة الأوقاف غدا 30 يناير 2026 ـ 11 شعبان 1447هـ
الإفتاء توضح كيفية إحياء ليلة النصف من شعبان
ليلة النصف من شعبان يقدر فيها الخير والرزق ويغفر فيها الذنب
الإفتاء المصريةُ تحذر من الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تفسير القرآن الكريم
أمين هيئة كبار العلماء: التكنولوجيا أحدثت فجوة كبيرة بين الشباب ومؤسسات المجتمع
دار الإفتاء توضح الفرق بين لفظي الصوم والصيام
موعد أول أيام شهر رمضان المبارك 2026م فلكيا
فتوى تاريخية عن حكم قراءة سورة الكهف يوم الجمعة للشيخ حسن مأمون
مد فترة مسابقة الإعجاز البياني والحقائق العلمية في القرآن والسُّنَّة عن البحار
الرابط المختصر
آخبار تهمك
الأسواق المالية تدخل مرحلة التصحيح مع انخفاض أسعار المعادن الثمينة واستقرار الدولار
03 فبراير 2026 05:53 م
تعرف على أسعار الفراخ البيضاء والبلدي اليوم الثلاثاء 3 فبراير
03 فبراير 2026 06:00 ص
أسباب تسارع موجة البيع بالأسواق العالمية ومتى يتوقف نزيف الذهب والفضة؟
02 فبراير 2026 09:28 م
تعرف على أسعار الفراخ البيضاء والبلدي اليوم الإثنين 2 فبراير
02 فبراير 2026 05:00 ص
تعرف على أسعار الذهب في مصر اليوم الإثنين 2 فبراير
02 فبراير 2026 04:00 ص
تعرف على أسعار الفراخ البيضاء والبلدي والبيض اليوم الأحد 1 فبراير
01 فبراير 2026 05:00 ص
الأكثر قراءة
-
بث مباشر مباراة الأهلي والبنك الأهلي في بطولة الدوري
-
تاريخ مواجهات الأهلي أمام البنك قبل مباراة اليوم في الدوري
-
كل ما تريد معرفته عن مباراة الأهلي والبنك الأهلي في الدوري المصري
-
عمرو الجزار يظهر في تشكيل الأهلي المتوقع أمام البنك الأهلي بالدوري المصري
-
موعد مباراة أرسنال وتشيلسي في إياب نصف نهائي كأس كاراباو
-
مدبولي: تنمية الصعيد أولوية في إطار رؤية مصر 2030 وتحسين جودة حياة المواطنين
-
تعيين الدكتورة رشا صالح مديرا للأكاديمية المصرية للفنون بروما
-
وزير الثقافة وممثلة اليونيسف يبحثان إقامة أول معرض كتاب للطفل
-
النيابة في قضية صغار المنوفية: المتهم خاف يواجه الأب فقتل أطفاله
-
بث مباشر.. مباراة تشيلسي وأرسنال في كأس الرابطة الإنجليزية
أكثر الكلمات انتشاراً