الخميس، 29 يناير 2026

03:28 م

عماد رجب يكتب: حين يتحول المحتوى الرقمي إلى سلاح اقتصادي قاتل

الخميس، 29 يناير 2026 02:03 م

عماد رجب

عماد رجب

عماد رجب

لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد مساحات للترفيه أو تبادل الآراء، بل أصبحت أدوات مؤثرة على وعي المستهلك، وأحياناً وسائل ضغط مباشرة على الأسواق والصناعات الوطنية العربية.

فخلف العناوين الجذابة ومقاطع الفيديو القصيرة التي تقدم نفسها كمحتوى تثقيفي أو صحي أو توعوي، تختبئ أحياناً رسائل مدفوعة، مبالغات مقصودة، أو تشويه متعمد لمنتجات وطنية.

خلال الأيام الماضية، شاهدت ثلاثة مقاطع لشخص قدم نفسه كأخصائي تغذية، حذر فيها من شرب اللبن، وانتقد بعض أنواع الأجبان المحلية والعربية، وهاجم صناعة الأسماك المعلبة في عدة دول عربية أو آخرون يعلنون عن منتجات مقلدة، كما ظهرت ادعاءات تطعن في صناعات عسل النحل والتمور والزيوت، التي تتميز بها دولنا العربية لصالح مثيلاتها الغربية، وكأن الهدف استهداف كل ما يحظى بثقة المستهلك العربي باكثر من طريقة واسلوب.

غير أن مراجعة هذه الادعاءات مع مصانع عدة قمت يزيارتها، والاطلاع على مراحل التصنيع، والتواصل مع متخصصين وعلماء عرب سواء في مجالات الطب والطب البيطري و سلامة الغذاء، تؤكد أن ما قيل لا يمت للواقع بصلة، ولا يمكن أن يحدث في ظل منظومة رقابية صارمة، خاصة أن معظم هذه المنتجات تصدر إلى دول تلتزم بمعايير سلامة غذائية مشددة.

هذا النمط من المحتوى ليس حدثاً عابراً، فقد شهدت السنوات السابقة حملات تشويه مماثلة استهدفت الأبقار والماشية والأغنام السودانية والصومالية والجيبوتية، لتمرير صفقات استيراد بديلة أو عبر فتاوى سياسية، كما حدث في واقعة شيوخ التطرف ضد مصر ودول خليجية. 

وهنا لا يصبح الخلاف مجرد اختلاف في الرأي، بل يطرح سؤالاً جوهرياً: ما الهدف من ضرب الثقة في منتجات وطنية؟ ولمصلحة من يزرع الخوف في وعي المستهلك دون سند علمي؟ وأين تقع المساءلة؟

هذا النوع من المحتوى يتم خلاله تضخيم مخاطر غذائية أو اختلاق ممارسات وهمية لإعادة توجيه الطلب نحو بدائل بعينها. فاللعب بالكركم وتحديات حرق الأيدي وغيرها من الصيحات لا تنتمي للتوعية، بل للتسويق المقنع، حيث يظهر المؤثر بمظهر الخبير المستقل، بينما الهدف الحقيقي التأثير على سلوك الشراء وخطورة الظاهرة لا تقتصر على تضليل المستهلك، بل تمتد إلى إرباك الأسواق وإلحاق أضرار مباشرة بالصناعات و الأفراد.  

والعالم قدم نماذج واضحة، إذ تسبب مقطع واحد على تيك توك في نفاد منتجات غذائية وتجميلية من الأسواق خلال أيام، بينما أدت مقاطع أخرى إلى أزمات ثقة كبرى لشركات عملاقة. الفيديو القصير لم يعد محتوى عابراً، بل أصبح فاعلاً اقتصادياً مؤثراً.

و تتضاعف الخطورة حين يستهدف هذا المحتوى صناعات وطنية عربية مثل الألبان والأجبان والأسماك المعلبة وغيرها، وجميعها يتم تصديرها من دولنا العربية إلي دول تخضع لرقابة صارمة ومعايير محلية ودولية.

 ومع ذلك تمر ادعاءات غير موثقة دون مساءلة في بعض الأحيان لخوف الشركات نفسها من تضخيم الشائعة، بينما تتحمل الصناعة كلفة التشويه وفقدان الثقة. والأخطر أن بعض هذه المقاطع يبث عبر قنوات خاصة بنظام «بيع الهواء» مقابل عشرات الآلاف من العملة، في غياب الرقابة المهنية.

القضية لا تتعلق بحرية التعبير أو النقد العلمي، فالنقد المبني على البحث ضرورة لأي صناعة صحية. لكنها تتعلق بالفصل بين الرأي المهني والمحتوى المضلل، وبين التوعية الصادقة والتسويق المقنع. فحين يترك المجال مفتوحاً لخطاب الخوف بلا أدلة، فإن الخسارة لا تقع على منتج بعينه، بل على ثقة المجتمع في صناعاته، وعلى اقتصاد وطني يبذل جهداً كبيراً لتعزيز إنتاجه المحلي

مقالات أخري للكاتب 

عماد رجب يكتب: مصر في أفريقيا، تكامل وشراكة تاريخية موثوقة

عماد رجب يكتب: هل كلفة عملية اختطاف رئيس فنزويلا هزيلة حقا؟

عماد رجب يكتب: الخلطة السرية لهدم مجتمعات الحضارات العظيمة

عماد رجب يكتب: كيف غيّرت أمريكا ملامح الاقتصاد العالمي ودمّرت البيوت قبل الدول

سعد القاضي.. إذاعيٌّ كبير جعل للكلمة ضميرًا وللضوء منفذًا إلى القلب

عماد رجب يكتب : بعد سقوط الأسد: هل يعيد التاريخ سيناريو أفغانستان؟

الرابط المختصر

search